ضياء اسكندر

عندما كنت رئيساً للدائرة القانونية في شركة الكهرباء, وقبل أن يستعر غضب الحكومة عليّ وتزيحني إلى جهة مهملة, كانت مهمتي الرئيسية في تلك الدائرة تسيير الضبوط المنظمة بحق سارقي الكهرباء وإحالتها إلى القضاء المختص. وكنت أستقبل يومياً الكثير من المواطنين المرتكبين هذا الجرم, ولكل واحد منهم قصة مع الكهرباء. وفي أحد الأيام دخل مكتبي رجلٌ كهل يلبس جلباباً أبيض, وقلنسوة صغيرة تغطي أعلى رأسه, وقد تغيّر لون جبهته من آثار السجود. ألقى تحية السلام العربية وبضع آيات من الذكر الحكيم واستأذن بالجلوس.. استقبلته بحفاوة كعادتي في استقبال بقية المراجعين. جلس وبادر قائلاً:

- أنا قادمٌ إليكم لأعترض على مخالفة نُظمت بحقي بذريعة استجراري للتيار الكهربائي بصورة غير مشروعة! وكما ترى من هندامي يا أستاذ! فأنا رجل دين أخاف الله وأصلّي الأوقات الخمسة ولديّ العديد من المريدين, ولا تليق بي اتهامات من هذا النوع أبداً..
- هوّنْ عليك يا عمّّ! ماذا تعمل حضرتك؟
- أنا صوفي..
- يعني تعمل بمجال الصوف؟ ابتسم قائلاً: صوفي يا أستاذ! يعني رجلٌ زاهدٌ متصوّف...
- آه.. أعني ما هو مصدر دخلك؟
- أعتمد على الزكاة والصدقات من خلال عقدي لقران العرسان, وفضّ الاشتباكات التي تحصل بين الناس, وحضور الموالد وحفلات الختان.. وغير ذلك.

- هذا يعني أن لديك دخلاً محترماً..
- من أين يا أستاذ؟ الله وكيلك نعيش من قلة الموت..
- المهم يا عمّ.. كيف يمكنني مساعدتك؟
- الحقيقة أنا خجلً من إحالتي إلى القضاء لسبب تافه.. تصوّر أنني مددتُ خطاً لإنارة مدخل داري من خارج ساعة الكهرباء كي لا يتعثر تلامذتي لدى قدومهم إليّ ليلاً.. فما كان من جماعتكم إلا واعتبروا ذلك مخالفة وكتبوا بي ضبطاً بتهمة سرقة الكهرباء!!
- إنها مخالفة صريحة يا عمّي لعقد المقاولة بينك وبين شركة الكهرباء.. وبالتالي فإن الشباب لم يظلموك أبداً في هذه المخالفة. حملق بي غاضباً:

- لكنها لمبة نوّاسة لا تستهلك أكثر من عشرة ليرات في الشهر! وقد قاموا الشباب كما تسمّيهم بتغريمي بعشرة آلاف ليرة!! هذا ظلم يا أخي! أين العدالة في عملكم؟ المعامل الكبرى التي تسرق الكهرباء تغضّون الطرف عنها, أما الدراويش أمثالي والذين بالكاد يحصّلون لقمة عيشهم تستقوون عليهم؟! بالله عليك هل هذا حق؟
- هدّئ من روعك يا عمّي! يقول المثل: (من يسرق فِجْلة, يسرق عِجْلة..) ومن يسرق للوهلة الأولى لإنارة مدخل داره بلمبة نوّاسة, قد يستمرئ الحال ويمدد خطاً إضافياً لتسخين قازان الحمّام وللتدفئة ولأشياء أخرى.. ومع استمرار الوضع على هذه الحال, قد ينعكس حتى على أخلاقه, فيبرر لكبار الفاسدين نهبهم للمال العام, وقد يبيح لنفسه مدّ يده على الأملاك العامة, لأن التراكم الكمّي يؤدّي إلى التغير النوعي..

رفع حاجبيه استغراباُ ثم سرعان ما عبس ونبرَ:
- هذه مقولة ماركسية, أذكر أنني قرأتها في يومٍ من الأيام, هل أنت شيوعي؟
- بل أنا ماركسيّ..
- شوف يا أخي! يبدو عليك أنك رجلٌ آدمي وسوف لن أنسى لك معروفك إذا ما ساعدتني وأبقيتَ الضبط المنظم بحقي طيّ الأدراج, وإذا كان بإمكانك تمزيقه يكون ذلك أفضل وينالك ثوابٌ من ربّ العالمين..أنا أحترم الوطنيين أمثالك وكلّي ثقة بأنك لن تردّني خائباً..
- آسف يا عمّي! أقسم لك, لو كان الضبط منظم بحق أبي لما عاملته إلا كما أعامل جميع الناس.. ثم ألا ترى بأنك تقودني بطلبك هذا إلى مخالفة القوانين؟ مع أنه يفترض بك أن تكون أمثولة وقدوة للآخرين.. أنت رجل مؤمن..!
- لكنك ماركسيّ كما تقول!
- وماذا يعني؟...
- يعني أنك نصير الفقراء... صدّقني أنني أحترم الماركسيين رغم مآخذي الكثيرة عليهم.. بالمناسبة, لقد اطلعتُ على بعضٍ من مؤلفاتهم في أيام شبابي..
- ماذا قرأت لهم يا عمّ؟
- قرأت كتاب لإنجلز بعنوان(دور العمل في تحوّل القرد إلى إنسان) والعياذ بالله...
- وهل قرأت كتاب (دور الفساد في تحوّل الفراشة إلى جراد)؟
- لا والله, تأليف من هذا؟
- تأليفي يا عمّ! وأعدك في زيارتك القادمة أن أقدّم لك نسخة منه هدية..
- يبدو من عنوانه أنه مثير حقاً, هلاّ حدثتني عنه قليلاً؟
- باختصار يتحدث عن رجل شريف, تقي, صالح, ورع, يخاف ربه, إلا أن كل ما يحيط به يدعوه للانحراف. يقاوم هذا الرجل كثيراً, إلا أن الظروف تكون أقوى منه ويتحول مع مرور الأيام إلى أحد كبار الفاسدين في البلد..
- الله يجيرنا من الآخرة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. من المؤكد أنك لا تقصد أمثالي بهذا الكتاب يا أستاذ؟
- ......!