عبد اللطيف مهنا

"إن موازنة الأمريكيين تفوق موازنة روسيا 25 ضعفاً، مما يعني في مجال الدفاع أن بيتهم هو حصنهم". وما دام الأمر كذلك فإنه "علينا نحن أيضاً بنا بيتٍ متين، لأننا على علم بما يجري في العالم". وعليه، وتحسباً لذلك، فإن "على القوات المسلحة الروسية أن تواجه في آن واحد نزاعاً عالمياً ونزاعاً إقليمياً وعدة نزاعات محلية"... هذا الكلام هو للرئيس الروسي فلاديمير بوتن... البعض قد لا يرى فيه جديداً، لا سيما إذا ما تم ربطه بتصريحات سبقت لما يحلو للبعض الآخر وصفه بقيصر الكرملن الراهن، هذا الذي يعكس طموحه القومي نكهة تذكر بمزيج من وصفة بطرس الأكبر وإيفان الرهيب مع قليل من البلشفية البائدة وبعضاً من سلفه يلتسن... ومن ذلك قوله قبل أسابيع قليلة: سنتزود بصواريخ جديدة بالغة الدقة و"لا تقهر" من قبل أنظمة الدفاع المضاد للصواريخ، تفوق سرعة الصوت وقادرة على تبديل مسارها وارتفاعها "ولا يملكها أي كان في العالم"!

لكن في هذا الكلام الروسي من الجدة ما يجعلنا نرى فيه ما يشبه استعادة اللهجة السوفيتية الغابرة، التي بات العالم ينساها في زمنٍ كاد أن يعتاد فيه التأقلم المرير مع بلطجة أحادية القطبية الأمريكية، تلك التي اعقبت الانهيار السوفيتي المدوي، وانتهاء ما كان يعرف بالحرب الباردة... الحرب الباردة التي تلوح مجدداً بيارقها، خصوصاً إذا ما أمعنا النظر في كلام لبوتن جاء في ذات السياق ومن نوع: "من المبكر الحديث عن انتهاء سباق التسلح"، بل إن هذا السباق عنده أصبح يسير اليوم بشكل أسرع، وهو في الواقع يصل إلى مستوى تكنولوجي جديد"... وإذا ما عطفنا ذلك على سلسلة من الاستفزازات الأمريكية للدب الروسي البطيء الغضب لكن عميقه، والتي تبدأ بسياسات الطاقة، والزحف الأطلسي على مقربة من سياجات الحديقة الروسية، والتواجد الأمريكي العسكري والسياسي من حولها، أو في ما كان ملحقاتها السابقة تحديداً، ومعزوفة انعدام الديمقراطية داخل هذه الحديقة... وأخيراً تلك النماذج من عينات الحروب الباردة التي تدور رحاهاً راهناً في أروقة مجلس الأمن الدولي حول مشاريع القرارين المتعلقين بالملف النووي الإيراني، والوضع اللبناني، وحتى دارفور... فإنها كلها مسائل يمكن استحضارها ونحن نمعن النظر، كما قلنا، في تصريحات بوتن الأخيرة، بحيث من التبسيط بمكان رد مثل هذه التصريحات، كما يفعل البعض، إلى كونها نوعاً من ردة فعل روسية على تصريحات نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني مؤخراً المستفزة للروس، رغم صفاقتها... أوليس لافتاً أن يقاطع خطاب الرئيس الروسي أمام مجلس الدوما بالتصفيق سبع وأربعين مرة؟!

لعل لهذا دلالاته، لا سيما ونحن نسمع له في ذات الخطاب كلاماً ناقداً وساخراً من التغوّل الأمريكي الذي يشهده عالم هذه المرحلة، مثل: "إن الرفيق الذئب يأكل ولا يستمع إلى أحد، ولا نية لديه في الاستماع إلى أحد. كيف يختفي الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية حين يتعلق الأمر بالدفاع عن مصالحه؟ حينها يصبح كل شيء ممكناً ولا تعود هناك حدوداً!" ولأن لا حدود لشراهة هذا الذئب الكاسر في عالم يقول بوتن للروس نحن نعلم ما يدور فيه، يمضي الرئيس الروسي في تعداد ما يعكس تحسبه للقادم، كاشفاً:

إن بلاده ستزيد "بشكل ملحوظ" خلال السنوات الخمس المقبلة تجهيز قواتها النووية الاستراتيجية، فحيث تم تزويد خمسة أفواج من القوات الصاروخية بصواريخ "توبل - أم" ذات القواعد تحت الأرضية، فإن الأسطول الروسي سيزود هذا العام بغواصتين ذريتين استراتيجيتين... بوتن لم يكتف بهذا، وإنما حذر الولايات المتحدة من أن "انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية لا يجوز أن يكون موضع مقايضة"... لكن، وحيث في بعض ما قاله ما يحمل تحذيراً من مغبة تداعيات أسلوب المعالجة الغربية للملف النووي الإيراني، حيث يقول، أنه "نادراً ما يعطي استخدام القوة النتيجة المطلوبة، وعادة ما تصبح تداعياته أكثر بشاعة من الخطر الحقيقي"، فإن في دعوته إلى إصلاح الأمم المتحدة مؤشر لا يخلو من إرهاصات موضوعية تدل على بدء تحوّل ما سوف يلم بحقبة أحادية القطبية الكونية الممسكة بتلابيب هذه الهيئة الدولية، يبشر ببدء تآكلها، حيث يشهد عالمنا من أقصاه إلى أدناه بدايات تململ تتصاعد ممانعته بأشكال عدة تنحو كلها باتجاه الإعلان عن حتمية زوالها... هل نحن إزاء تمرد كوني على هذه الأحادية بنسختها الاستباقية؟!

لندع المثال الروسي جانباً، ولنتجه صوب أمثلة أخرى، وأول ما يدعونا إلى استحضاره في هذه الحالة هو المثال الصيني:

يحاول التنين الصيني بدهاء الإفادة ما أمكن من فترة تهدئة يريدها ويحرص عليها في علاقاته الدولية تكفيه لمواصلة نموه الاقتصادي المضطرد باتجاه استكمال مسيرة حثيثة يحاول من خلالها أن يغدو بعد عقد أو عقدين لا محالة، أو كما يسلم له من الآن كأمر شبه واقع الجميع، قطباً كونياً سيكون له بالضرورة قولاً فصلاً في شؤون العالم. الأمر الذي يتوازي موضوعياً مع استعدادات حثيثة على الصعد الديبلوماسية والعسكرية، كلها تجري بتؤدة وأناة وصبر، وحتى كتمان ما تطلب الأمر... ديبلوماسياً: النفوذ الصيني يتمدد بإضطراد في أسيا، وإفريقيا... والأهم في أمريكا اللاتينية، أي في الحديقة الخلفية للقطب الأوحد الراهن... هذه القارة التي تعيش اليوم يقظة لافتة مصحوبة بصخب الممانعة البوليفارية للتغول الأمريكي، التي يقودها راهناً ثلة من القادة، منهم: العسكري الفنزويلي تشافيز والمزارع البوليفي موراليس والعامل البرازيلي دي لولا والثائر الأوروغوايي تافيس، ورفيقتهم الاشتراكية في تشيلي، وزميلها في الأرجنتين، وما سيتلو من انتفاضات يسارية لأقطار قارة أثقلتها عقود من هيمنة النهب والتدخل والإفقار الثقيلة الوطأة للجار الشمالي الفج والجشع في آن... ويكفي أن نذكر أن الصين عقدت صفقة نفطية مع كازاخستان تصل قيمتها مليارات الدولارات، بعد سلسلة عقود سبقت لتأمين امداداتها التفطية إلى جانب الغاز مع السودان وفنزويلا وأستراليا، والأهم إيران، ويأتي ذلك في سياق سياسة استراتيجية تهدف إلى تأمين تواصل نموها الأسرع في العالم... وتوثيق العلاقة بوسط أسيا في مواجهة الوجود الأمريكي المتسلل إلى دروب طريق الحرير، عقب احتلال أفغانستان وتراجع الحضور الروسي بعيد انهيار الاتحاد السوفييتي... أما عسكرياً: فلا يخفى أن الموازنة العسكرية الصينية الغامضة عادة تتضاعف باضطراد، كما أنه غدا من الشائع أن بيكين قد خصصت فقط 15 مليار دولار للحصول على التقنيات العسكرية الروسية التسليحية المتطورة، التي تتوفر لها بفضل الحاجة الروسية أولاً، ثم بعدها تجيء الشراكة الاستراتيجية بين العملاقين الجارين ثانياً، لا سيما بعد إلغاء معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ المعقودة سابقاً بين موسكو وواشنطن، وانطلاق الأخيرة في برنامجها المسمى الدرع الصاروخي، وأيضاً احتمالات إلغاء اتفاقية "ستارت" الأولى والثانية... ثم نأتي إلى المناورات العسكرية الضخمة المشتركة بينهما، بما تحمله كحدث من رسائل للولايات المتحدة وحليفها الياباني وقبله التايواني. لكن آخر ما يدعو للتوقف أمامه هو أن التقارب الصيني الباكستاني التقليدي، لا سيما بعيد التعاون النووي الأمريكي الهندي المخيب للآمال الباكستانية، قد جلب التنين الأصفر إلى بحر العرب عبر بناء ميناء غيفادا الباكستاني على مقربة من مدخل الخليج العربي بما يعنيه ذلك للولايات المتحدة الأمريكية التي تصول وتجول في هذه المنطقة الأهم استراتيجياً في العالم الراهن... هنا تجدر الإشارة إلى تحذير صادر عن الداهية ومهندس التقارب الأمريكي الصيني الشهير هنري كيسنجر، الذي يقول:

إن "النهج الاستباقي ليس سياسة إيجابية في التعامل مع دولة في حجم الصين، إذ لن يكون في مصلحتنا نشوء أجيال جديدة في الصين يكون القاسم المشترك بينها الكراهية الموروثة والدائمة لأمريكا"!

كيسينجر، لأسبابه المنسجمة مع مواقفه المعروفة، والصهيونية تحديداً، يقصر هذا التحذير على الحالة الصينية، لكن وإذا ما أضفنا إلى تحذيره هذا تحذيراً آخراً من قبل السيناتور الجمهوري الأمريكي النافذ، ومرشح الرئاسة القادم، تشاك هاغل يقول بأن "الثقة في الولايات المتحدة بدأت بالتقلص" وإن الكثيرين في الشرق الأوسط يعتبروننا "معتدين ومحتلين"... مضيفاً: "لقد أصبحت غايتنا وقوتنا موضع تساؤل، ونحن ننشر الفوضى والاستقرار في الوقت ذاته"، يتبين لنا أن القاسم المشترك المراد تجنبه لدى الأجيال الصينية الذي يحذر منه كيسنجر قد أصبح بالفعل أو يكاد قاسماً مشتركاً للأجيال في أربع جهات الأرض، لا سيما في ظل حروب بوش الكونية على عدوه اللامرئي المدعو الإرهاب، وأنباء السجون الأمريكية الطائرة عبر العالم وسواها من تلك السرية المستقرة والموزعة في جنباته.

...ونمضي لنقول، أنه لا يقتصر الأمر على الدب الروسي والتنين الأصفر الطامحين للقطبية الكونية، أن كان ذلك مجدداً بالنسبة للأول أو للمرة الأولى وباستحقاق باللنسبة للثاني، بل هناك الهند التي يقول الخبراء أنه إذا كان يلزم روسيا عقداً ونصف إلى عقدين لتعود دولةً عظمى، فإن الهند ربما يكفيها ضغف هذه المدة... وهناك السعاة إلى الاستقلال من تلك القوى الصاعدة الأقل شأناً، مثل ماليزيا وجنوب إفريقيا... وقد نستطرد، فنعرّج على ذكر "المنتدى الاجتماعي العالمي" في كاركاس مقابل "منتدى دافوس"، أي ما يعني عدم تسليم أربعة أخماس العالم، أو فقرائه وجائعيه، باحتكار خُمسه المتبقي، أي ناهبيه ومتخميه، ثمانين في المائة من ثروات الكرة الأرضية... وإذا ما لاحظنا المحاولات الأوروبية الخجولة للأفلات من الهيمنة الأمريكية وفقدان الأمريكان لحليفين أو تابعين فيها، هما أثنار الإسباني وبيرلسكوني الإيطالي، وانتخاب شيوعي سابق رئيساً لإيطاليا، يتبين لنا أن الولايات المتحدة... التي لا يعني الحلفاء لها إلا اتباعاً، وهؤلاء ربما أغلبهم ينتظر فرصة سانحة للتمرد... تعيش اليوم معركتها الصعبة... معركة الاحتفاظ بأحادية قطبية كونية دائمة مستحيلة، تسير حثيثاً رغماً عنها إلى زوال، وأحادية قطبية إقليمية مرفوضة وغير منطقية وبعكس التاريخ لحليفتها إسرائيل في المنطقة...

ما تقدم يفسر استبدال التهديد بالويل والثبور الموجه لإيران بحديث الحوافز مؤخراً، وتعليق قرار مجلس الأمن بهذا الشأن على ما يؤمل من أصداء لهذا الحديث... يفسر عملية سحب هراوة البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة في مجلس الأمن من يد مندوبها السامي هناك جون بولتون، الذي كان يقول:

"في الولايات المتحدة هناك وجهة نظر عامة هي أن الأمم المتحدة واحدة من بين أجهزة محتملة عدة لترويج قضايا الولايات المتحدة، وعلينا أن نقرر إذا كان من الأفضل معالجة قضية ما عبر الأمم المتحدة أو عبر آلية أخرى"!

...مشكلة بولتون أنه حتى مثل هذه الآلية الأخرى... بعد تعثر المشروع الأمريكي في العراق، وأيضاً في أفغانستان، جراء سرعة اندلاع المقاومة وتعاظمها وهي التي كانت حتى غير المتوقعة أمريكياً، أي إثر انكشاف محدودية القوة العسكرية الباطشة ذات الانياب التكنولوجية المتطورة أمام تصاعدها في كلٍ من البلدين... أصبح اللجوء إليها مشكوكاً في جدواه ناهيك عن توفره... لذا تصبح تصريحات بوتن الأخيرة أكثر من ردة فعل... أكثر مدعاة للتمعن!