يدعيوت أحرونوت

شلومي ديسكل

في تشرين الثاني بدأ أبو مازن ـ الذي شغل آنذاك منصب رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير ـ الإعراب عن مواقفه إزاء الانتفاضة. وهو لم يمنح مقابلات لمحطات تلفزة أوروبية ولم يلق محاضرات في مؤسسة أكاديمية أميركية. لقد تحدث أمام رؤوساء اللجان الشعبية التابعة لحركة فتح في مخيمات اللاجئين، رجال الميدان الذين قادوا في تلك الفترة الانتفاضة وشكلوا رمزا لها. لقد كان كلامه حادا، قاسيا وصريحا: لقد أشار إلى فشل الانتفاضة العنيفة، دعا عمليا إلى وقفها، وأجمل كلامه بالقول أنه بهذه الطريقة ستفقد الحركة الوطنية الفلسطينية كل انجازاتها السياسية. بكلمات أُخرى قال: سادتي، لقد أخفقنا. كانت هذه طلقة البدء في النضال العام الذي شغل هذا الرجل في نهايته منصب رئيس الحكومة في السلطة الفلسطينية. وقد كان هدف التعيين واضحا: القوى المعارضة لعرفات من داخل فتح في الشارع الفلسطيني تتحدى زعامته. وعلى الرغم من أنه حُمل على أمواج التعاطف من قبل خصوم عرفات ومنتقديه، إلا أنه احتاج إلى تأييد إسرائيل كي يشكل ثقلا موازيا في وجه الرمز الفلسطيني. بيد أن القيادة الإسرائيلية فضلت أن تدير ظهرها له، وحتى أن رئيس الحكومة آنذاك، ارييل شارون، وصفه باستخفاف بأنه "فرخ من دون ريش". وفي نهاية تلك العملية المتقلبة اضطر الرجل إلى الاستقالة من منصبه، واليوم يعترف كثيرون في المؤسسة السياسية والعسكرية أننا فوتنا فرصة نادرة بوضع بديل للزعامة الإشكالية التي شكلها عرفات، وربما أيضا لتقدم العملية السياسية ولمنع انتصار حماس. أمس جرى إحياء يوم النكبة في الأراضي الفلسطينية. إحدى خصائص هذا اليوم كانت خطاب رئيس السلطة. فهذه المرة أيضا عرض أبو مازن موقفا استثنائيا، ومن المهم الالتفات للدقة في خطابه: فهو ذكر التحول الذي مر به الفلسطينيون من اعتقاد بحل لدولة ثنائية القومية إلى الاستعداد لقبول الحلول الوسط والتوصل إلى حل على صورة الانفصال لدولتين؛ وهو تحدث بشكل حاسم عن حل متفق عليه لمشكلة اللاجئين ( مصطلح يحمل في طياته الاستعداد للحل الوسط في هذه القضية)؛ لم يشكك بفوز حماس في الانتخابات الأخيرة، لكنه سعى للتذكير بأن الجهة التي تمثل رسميا الشعب الفلسطيني هي منظمة التحرير وليس حكومة السلطة. وبكلمات أُخرى يُشير لنا: لديكم مسار التفافي لحماس من أجل التوصل إلى تسوية معنا. وهو كرر التذكير عدة مرات أنه ثمة للإسرائيليين شريك فلسطيني؛ والأهم من كل ما سبق: حذّر وتوسل ـ لا تتخذوا خطوات أحادية الجانب. إنكم بذلك تُخلدون النزاع، تلغون إلى الأبد حل الانفصال لدولتين، بحيث سيعود ليحتل مكانه حل الدولة ثنائية القومية. من المهم الالتفات إلى التوقيت الذي قيلت فيه هذه الأمور: كان هذا الخطاب الرسمي لرئيس السلطة ورئيس منظمة التحرير، في يوم الذكرى الأكثر قدسية للمجتمع الفلسطيني. إنه اليوم الذي يتم فيه إحياء وطرح المأساة الفلسطينية ومصير اللاجئين، إلا أنه تطرق إلى هذا الموضوع في خطابه في سياق الحديث ومن باب رفع المسؤولية، وحتى أنه ألمح إلى الاستعداد للتسوية في هذا الموضوع من أجل إنهاء النزاع. إنه اليوم الذي ترتدي فيه إسرائيل لباس "الشر المطلق"، لكن ليست هذه هي الرسالة التي برزت في خطابه. أضف إلى ذلك أنه في اليوم ذاته، دفن الفلسطينيون سبعة من أبناء شعبهم، قُتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي. وعلى الرغم من كل هذه الأمور، يقف رئيس السلطة الفلسطينية ليقول بحزم: ثمة شريك إسرائيلي للفلسطينيين، وثمة شريك فلسطيني للإسرائيليين.