مسعود عكو

الثانية بعد منتصف الليل, اتصلت بصديقي الشاعر الطويل "محمد بيجو", والتمست منه الحضور ليزيل عن روحي دخان الفراغ الذي يلازمني كلما حاولت أن أشعل شمعة, وما هي إلا لحظات حتى طرق زجاج نافذتي المطلة على الشارع , فتحت له الباب بهدوء كي لا أوقظ من أشاركهم المكان , لم نجلس بل تجولنا لأكثر من ساعة بين أحلام النائمين على أسطح المنازل , ومشينا في أزقة قامشلو, هذه المدينة الصغيرة, والهادئة التي لا تنام لتحرس أحلام ساكنيها, والتي أكتحل ليلها الفضي بقمر حزين قد مال إلى هلال,وحوله عيون متعبة لنجوم تحاول أن توصل بريقها إلى الأرض ومن عليها .

الليل, السماء, النجوم, الأرصفة, أنا, ومحمد كلنا كنا نستمع إلى صوت بعض السيارات التي تمرّ بقربنا, وخاصة تلك التي لأولئك الذين أفرغوا في قلوبهم نخب العتمة والنساء.

هذا ألمي الذي لم يحس بالضجر يوماً من السكارى الذين يرمون للنسمات أصواتهم ومواويلهم المتقطعة, وهم يتدحرجون دون أن يعرفوا إلى أين ستذهب بهم أجسادهم.

لفت انتباهي منظر كنت قد شاهدته في النهار, لكن! لماذا بدا بشكل آخر في هذه الليلة؟ سؤال لم أجد له جواباً بل ظل في مخيلتي المتعبة من هواجس, وأفكار لا يحدها زمان, ومكان.

الأمم تحتل قامشلو, لكن ليس بعساكرها, ولا بدباباتها, وجيوشها الجرارة, ولا بمفوضيها الساميين, ولا بحكامها المؤقتين. بل بشيء أخر تماماً... الأمم تحتل قامشلو بأعلامها... نعم براياتها الوطنية.

أعلام معظم الدول المشاركة في تصفيات نهائي كأس العالم التي ستقام الشهر القادم في ألمانيا, في أقوى مهرجان أممي يوحد نظرات الملايين إن لم أقل المليارات من البشر باتجاه هذه الكرة المنفوخة بهواء, وتطير من ركلة بسيطة حتى ولو كان الراكل ليس بلاعب, أو حكم, أو حتى مدرب.

أعلام العالم قاطبة ترفرف في سماء نيويورك, وأمام مبنى الأمم المتحدة, ومجلس الأمن الدولي, ومن يسير هذه الأيام في قامشلو سيجد ذلك بعينيه في منظر يشبه نيويورك في رفرقة الأعلام فوق المنازل, وعلى الجدران والأعمدة الكهربائية, وحتى الأشجار لم تسلم من غزو الأعلام فغطت العشرات خضارها بألوان زاهية أخرى ترمز إلى الفريق الذي يحاول مشجعوه إرسال إشارات للآخرين بأنه يشجع هذا الفريق, ويأمل فوزه بنهائيات كأس العالم ليتفاخر أمام أصدقاءه ليكسب رهان اللوتو, أو جائزة أخرى قد راهن على فوز فريقه بالبطولة.

ما لفت نظري أكثر بأن معظم أعلام البلدان المشاركة, ومن جميع القارات كانت موجودة على هذه الأبنية, وفي النهار معلقة أمام محلات تجارية منتظرة أن يحن عليها أحد مشجعي فريقها لكي يعطي ثمنها لصاحب المحل, ويقوم هو بحملها, ويسارع بالذهاب إلى بيته, أو محله, وتعليق ذلك العلم في أعلى نقطة من البناية, وذلك في استمرار مسلسل التحدي بين جارين, أو صديقين في منافسة أخوية, وشيقة.

لكن! لم أجد أي أثر لا على سطح بناية, ولا أمام أي محل, ولا حتى على أية شجرة علم السعودية, تونس, إيران, وغانا هذه الدول الأربع المشاركة بجانب البرازيل, والأرجنتين, ألمانيا, هولندا, إنكلترا, السويد, ودول أخرى, وتفسيري لهذه الظاهرة ليس لعدم وجود مشجعين لهذه الفرق. لكن! ألوان أعلام هذه الدول لها قصة أخرى قد يكون المرء حذراً جداً من رفعها على سطح بنايته, أو أمام محله, فعلم السعودية الأخضر يتوسطه "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ووجود سيف تحت هذه العبارة, قد يحسب مشجع فريق السعودية ألف حساب قبل أن يرفع علمه, وأبسط تهمة له هو أنه يؤيد الجماعات الدينية في إشارة إلى الرمز الديني للعلم, أو قد يتهم بأنه من جماعة دينية متطرفة, أو إرهابية مع الاحترام الجزيل لعلم المملكة العربية السعودية, أما تونس فلا أحد يعرف بأنها عربية فهي بعيدة عنا بعد القمر لا بل نرى القمر في الشهر مرات عدة في حين لا نسمع كلمة تونس إلا إذا كنا نستمع إلى المغنية المحبوبة لطيفة التونسية, أما إيران فكلمة "الله" المتوسطة للعلم تجعل مشجعه يعيد في نفسه حسابات العلم السعودي, وقد يتهم بالولاء لدولة أخرى مع العلم أنه لا يوجد مشجعون للفريق الإيراني سوى الدبلوماسيين الإيرانيين العاملين في سوريا وقد يكونوا هم أيضاً من الذين يكرهون كرة القدم.

أما غانا الفقيرة هذه الدولة الإفريقية, والتي تقدر مساحتها بحوالي /238500كم2/ وسكانها بحدود /20467740نسمة/ لم يتجرأ أحد على رفع علمها رغم أن فريقها من الفرق الإفريقية النشطة, والذي ثابر, وجاهد رغم فقره المدقع, وأوصل بلاده إلى نهائي كأس العالم, وفعل ما لم تستطع أن تفعله أقوى وأغنى دول العالم ألا يستحق فريق كهذا أن يكون له مشجعين يرفعون علمه أيضاً أسوة بباقي الفرق. لكن! ألوان علمك يا غانا تخيف الكثيرين من مشجعيك, وخاصة النجمة السوداء التي تتوسط ألوان الأخضر, الأحمر, والأصفر.

وبعد كل هذا قلت لصديقي: هل نشجع فريق غانا ونرفع علم فريقها غداً... يا أبو البيج ؟ قال لي بعد أن التفت لمرات حول نفسه: " أظن بأن علينا أن نذهب لننام في بيوتنا يا أبو العك "