الغد

بعد نصف قرن من الشعارات الضاغطة على العقل الاجتماعي، فإن موجة من "النسيم" الفكري بدأت تداعب خيال المبدعين، في وقت أصبح فيه الضغط "جسديا" من خلال القتل الجماعي الذي نشاهده على الشاشة الصغيرة.

الموجة الحالية بدأت قبل أكثر من عشر سنوات لكنها اليوم تنتشر بشكل أكبر داخل الثقافة المكتوية، عبر مصطلحات اللاعنف والتحرك المدني، ويتم إسقاطها على التشكيل الاجتماعي الصاخب، او الغاضب، نتيجة عدم قدرته على تحقيق أحلامه.

أما النقيض لهذه الموجة فهو كم الدعاء الصادر من أفواه خطباء المساجد على الأعداء، وكأن هذه الأدعية هي رديف التسليم لوضع انتهى وكان مليئا بأحلام "النهضة" و "الصحوة" وغيرها من الكلمات التي سيطرت على الخطاب العربي إجمالا على امتداد نصف قرن. هذه البانوراما الطريفة تعكس سويتين في التفكير ربما لا تنفصلان، ففي حين يرى المفكر أن هناك ضرورة للاستجابة لنتائج الهزيمة، فإن المؤمن يجد أن الحل الوحيد هو تعميق إيمانه بقدرة الله على التدخل المباشر في "العملية السياسية"، ولكن في الحالتين هناك فإن الهزيمة هي المسؤولة عن الاتجاه الحالي، والفارق الوحيد هو ان تعميق الإيمان لم يتوقف منذ انهيار الدولة العباسية، حيث استمر الدعاء ضد الغزاة مستمرا حتى هذه اللحظة.

ويبدو ان المشكلة اليوم هي في خنق الحرية نحو البحث عن مخرج، وافتراض أن المجتمع لا يملك إلا حلين، إما الانتحار عبر طريقة أبو مصعب الزرقاوي او أسامة بن لادن، أو الاستجابة لتيارات ربما تكون صحيحة، لكن على أي حال ليست من إبداع المجتمع، بل استنساخ للتفكير الأوروبي والأمريكي القائم على دراسة التجارب في أوروبا الشرقية.

هناك حريات "قيد" المناقشة لا تتعلق بقانون الطوارئ، أو حتى بحرية تشكيل الأحزاب، وهذه الحريات ممنوعة حتى من قبل المعارضة .. إنها حرية البحث بشكل مستقل عن الظرف السياسي، وحرية البحث عن ممكنات "إبداعية" .. الحريات اليوم هي صورة للأزمة الثقافية التي نعيشها، حيث يبدو أن هناك ضرورة لخلق تصنيفات، أو لوضع المجتمع على طرفي نقيض ما بين معارضة وسلطة، او أقلية وأكثرية. ليس المهم في تيارات اللاعنف طبيعتها الداخلية، لأننا ربما نكون اليوم أقرب لممارسة هذا النوع الحضاري في ثقافتنا، فالمهم هي ان هذه التيارات تريد نسف التاريخ من جهة، ومن جهة اخرى تريد اقناعنا بأن "النسيم" الفكري الجديد يملك الحل ... ربما .. لكن دعونا نمارس حرية التفكير بالمستقبل!