د. فيصل القاسم

بالرغم من أن فوكاياما صاحب نظرية «نهاية التاريخ» بدأ يعيد النظر في طرحه القديم، إلا أن ذلك لا يغير كثيراً في صُلب نظريته، التي أثارت، وما زالت تثير الكثير من اللغط والجدل. إن ملاحظاتنا على الغرب عموماً، وأمريكا خصوصاً، يجب ألا تعمينا عن حقيقة أصبحت ساطعة كعين الشمس، وهي أن «الحضارة» الغربية، بأشكالها السياسية والمعيشية والاقتصادية حتى الثقافية، غدت، شئنا أم أبينا، أحببناها أم مقتناها،النموذج المحتذى للسواد الأعظم من القاطنين على أرض هذه المعمورة، بالرغم من كل الصراخ والتذمر، والتحذير من فقدان الهويات واضمحلال شأن الثقافات الوطنية، والشكوى من مادية تلك «الحضارة» ودمويتها واستعماريتها ولاإنسانيتها. وبالتالي من حق فوكاياما و«الحضارة» التي يتغنى بها أن ترفع علامة النصر المؤزّر إلى حين قد يمتد طويلاً جداً.

لقد طرح فوكاياما نظريته قبيل سقوط الأنظمة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي السابق وأوروبا الشرقية، معتبراً أن المستقبل سيكون لنموذج النظام الديمقراطي الليبرالي الغربي، وأن العالم ليس أمامه من خيار سوى اللحاق بذلك النموذج وتبنيه، لأن التاريخ لن يجد أفضل منه نظاماً كي تسير البشرية على هديه. وبالتالي يكون التاريخ قد أكمل دورته وانتهى. لقد انتهى التاريخ فعلاً في بعض جوانبه، على الأقل على المدى البعيد، ولا ينكر ذلك سوى المكابرين والحالمين.

تعالوا ننظر إلى الأنظمة الشيوعية السابقة المنافس الأول والأخير للنظام الرأسمالي، فقد راحت تزايد على الرأسمالية الليبرالية الغربية الأصلية، إلى حد أن روسيا الآن، غدت، من شدة تغول الممارسة الرأسمالية فيها، أكثر تطرفاً،اقتصادياً، من لندن وباريس ونيويورك. وبدأت الحياة الرأسمالية تضرب جذورها في عمق التراب الروسي. وكم ضحكت عندما قال لي أحد الأصدقاء في موسكو إن روسيا أمست بلاد التوحش الرأسمالي بامتياز، وقد بتنا نترحم على الحياة في أوروبا وأمريكا. وينسحب الوضع الروسي على بقية دول أوروبا الشرقية والدول التي انفصلت عن الاتحاد السوفييتي السابق، حيث تغولت الرأسمالية بشكل رهيب.

وبما أن النظام الاقتصادي السائد في أي بلد هو الذي يحدد طبيعة الحياة الاجتماعية، فقد غدا الروس والأوروبيون الشرقيون استهلاكيين من الطراز الأول معيشياًً وثقافياً، بحيث أمست الثقافة الاستهلاكية الرأسمالية ديدن الاشتراكيين القدامى وملهمهم. وقد أصبح «سيرجي» أكثر نهماً للاستهلاك من «جون». لقد أتت نيران الرأسمالية الجديدة في بلد مثل روسيا على كل التراث الاشتراكي، بحيث غدت موسكو من أغلى مدن العالم، بعدما كانت مضرباً للأمثال في اشتراكيتها الطيبة ورخص المعيشة فيها.

وإذا كانت البلدان الشيوعية القديمة بكل تعصبها الاقتصادي والثقافي والأيديولوجي قد انبطحت تماماً أمام الطوفان الغربي بعد عقود من الصراع المرير، فما بالك بالمجتمعات العربية والإسلامية والعالم الثالث التي كانت وما زالت مجرد فئران تجارب سياسياً واقتصادياً وثقافياً؟ إن تطويع مجتمعاتنا وقولبتها في قوالب جديدة أسهل بعشرات المرات من تطويع المجتمعات الشيوعية القديمة، وبالتالي فإن النموذج الغربي، بأشكاله كافة، لن يجد صعوبة تذكر في فرض نفسه على أنظمتنا السياسية والاقتصادية والثقافية وإعادة توجيهها وبرمجتها، واعتقد أن المقاومين من الإسلاميين والعروبيين يخوضون معركة خاسرة مع المد الغربي بالسيوف الخشبية على طريقة دونكيشوت. وقد لاحظنا كيف كانت بعض الدول العربية تعتاش سياسياً وثقافياً على الإسلام قبل عدة عقود، وكيف راحت الآن تحاول اجتثاث الإسلام من جذوره من مجتمعاتها لمسايرة الوصفة الغربية. وهذا غيض من فيض من عمليات تركيب المجتمعات العربية وتفكيكها عند الطلب.

هل المجتمعات العربية والإسلامية المزعومة عربية وإسلامية فعلاً، إلا باللغة؟ بالطبع لا. فقد اكتسح النموذج الغربي الذي تغنى به فوكاياما كل مجتمعاتنا دون استثناء. ولعل هذا الإقبال الخليجي تحديداً والعربي عموماً على ثقافة البورصة والأسهم دليل جديد على انتصار النظرة الغربية. إن مشهد المحتشدين الخليجيين للاكتتاب في هذا البنك الجديد أو ذاك يفوق في رمزيته بكثير مشهد الداخلين إلى المساجد للصلاة والتعبد، فبينما يتناقص عدد المصلين يوماً بعد يوم في مساجدنا، نرى أن منظر المضاربين في البورصات العربية يكاد يتفوق في مشهديته على منظر الحجاج المتدافعين لرمي الجمرات على إبليس اللعين.

ولا داعي طبعاً للحديث عن انتشار المدارس الغربية في بلداننا كانتشار النار في الهشيم، بحيث قد تصبح المدارس التي تستخدم اللغة العربية قريباً نادرة للغاية، هذا إذا لم تصبح اللغة العربية ذاتها لغة أجنبية في بلداننا المستقتلة على تعلم اللغة الانجليزية. صحيح أن وسائل الإعلام العربية الجديدة نجحت، كما أسلفت في مقال سابق، في عوربة العرب في بعض القضايا، إلا أن التأثير الغربي على حياتنا ونمط عيشنا وحتى إعلامنا، بشكل مباشر أو غير مباشر، هائل للغاية، ولا ينكره إلا المغفلون. وليس بالضرورة أن تكون الثقافة العربية الحديثة عربية لمجرد استخدامها اللغة العربية والإنسان العربي في التعبير عن ذاتها. انظروا إلى الفضائيات العربية مثلاً. صحيح أن مادتها وشخوصها عرب وعربيات، لكن محتواها وتوجهها وشكلها غربي بامتياز، بدءاً بالفيديو كليب وانتهاء ببرامج تلفزيون الواقع والمسابقات والبرامج الحوارية والأخبارية. واستطيع أن أؤكد أن الحياة داخل بيوتنا العربية والإسلامية، من المحيط إلى الخليج، غدت غربية إلى حد كبير، بدءاً بالأدوات التي نستخدمها في عيشنا اليومي وانتهاء حتى بمعاملاتنا الاجتماعية وتصرفاتنا. وما زلت أكبر ببعض العرب الذين يتمسكون بزيهم التقليدي، كالخليجيين مثلاً، مع الإشارة طبعاً إلى أن الغترة والعقال والجلابية الخليجية مصنوعة إما في سويسرا أو فرنسا أو ألمانيا أو الصين واليابان، ناهيك عن أن هناك ميلاً قوياً لدى الجيل الصاعد نحو خلع العباءة والحجاب والشادور!

وأرجو أن لا يقول لي أحد إن نمور آسيا كماليزيا تقدمت اقتصادياً وتكنولوجياً وثقافياً باعتمادها على الثقافة الشرقية ونبذ الثقافة الغربية. صحيح أن رئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد قد اعتمد على نظرية: « Look East النظر شرقاً" في عملية النهوض ببلده، أي الاعتماد على النموذج الياباني والشرقي عموماً، كما يزعم، لكن ماليزيا الحديثة وعاصمتها الشهيرة كوالالمبور لا تحمل من الشرق حتى مظهره الخارجي، فهي أشبه بالعواصم الأوروبية والأمريكية التي تزينها الأبراج والمباني الشاهقة وناطحات السحاب، ناهيك عن أن طريقة عيشها ومحلاتها التجارية تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن المحلات والمجمعات التجارية الأوروبية والأمريكية من حيث الشكل والمضمون. وكذلك الأمر بالنسبة للمدن اليابانية التي لا تستطيع تمييزها عن أمريكا وأوروبا.

ولا داعي للتذكير بأن اليابان لم تتطور إلا باحتذاء النموذج الغربي بعد الحرب العالمية الثانية، فحتى الأدوات الالكترونية التي تفوقت في تصنيعها ليست من اختراعها أصلاً، بل يمتلك براءة اختراعها أمريكيون وأوروبيون في الأصل. بعبارة أخرى فإن اليابانيين طوروا الاختراعات الغربية لا أكثر ولا أقل، لكن الفضل لا يعود لهم في إيجادها في المقام الأول. ولا أقول هذا الكلام تملقاً للغرب بل كتبيان لحقائق التاريخ؟ هل يمكن أن تذكروا لي براءات الاختراع اليابانية؟ هل هم الذين اخترعوا الهاتف، أو المصباح الكهربائي، أو التلفزيون، أو الفاكس، أو الانترنت، أو السكك الحديدية أو الكمبيوتر؟ بالطبع لا. إنهم حدّثوا فقط اختراعات الغير، تماماً كما قام الغربيون بدورهم بتطوير الكثير من الاختراعات التي يعود الفضل في استنباطها للعرب والمسلمين القدامى، كالكاميرا والطائرة والميكانيك والكيمياء والنسيج، على اعتبار أن الحضارة الإنسانية هي، أحياناً، كالبحر الذي تصب فيه أنهار وجداول متعددة ومختلفة، مع الاعتراف في الوقت نفسه بأن الثورة العلمية الحديثة التي شكلت «الحضارة الفوكايامية»، المرشحة لمزيد من الانتشار والتجذر،هي غربية بنسبة كبيرة.

صحيح أن التنافس محتدم الآن بين النموذجين الأمريكي والصيني للتنمية، وصحيح أيضاً أن الصين تحقق معدلات تنمية عالية للغاية مقارنة مع المناذج الغربية، وصحيح أيضاً أن المستقبل للصين والآسيويين عموماً اقتصادياً، لكن ذلك يجب ألا يعمينا أيضاً عن أن الآسيويين تطوروا وتفوقوا باعتماد النموذج الغربي اقتصادياً. صحيح أن النظام السياسي في الصين ليس ديمقراطياً على الطريقة الغربية، لكن النظام الاقتصادي الصيني يحمل كل بصمات النظام الاقتصادي الغربي، حتى لو رفض الاعتراف بمفهوم اقتصاد السوق. وحتى لو انتزعت الصين مكانة أمريكا في المستقبل، فسيظل النموذج الغربي الفوكايامي هو السائد، وإن تعرض لبعض التعديلات والتصحيحات المطلوبة على أيدي القوى الصاعدة الجديدة، خاصة وأن ذلك النموذج تعتريه شوائب كثيرة ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، لكن ذلك لا يلغي كونه الأكثر احتذاء وشيوعاً من أقصى العالم إلى أقصاه حتى في البلدان التي تحاول منافسة الغرب، كاليابان والصين ودول جنوب شرق آسيا.

ولا أعتقد في الآن ذاته أن محاولات العودة إلى الاشتراكية في أمريكا اللاتينية ستنجح تماماً. لاشك أن الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك الجزء التعيس من العالم بحاجة للتصحيح بسبب الظلم الذي سببته للملايين من سكان تلك البقاع وبسبب سياسات النهب الرأسمالية البشعة، لكن الأمريكيين الجنوبيين سيبقون أقرب إلى النموذج الأمريكي الفوكايامي في جوانب كثيرة منه إلى أي نموذج آخر، وذلك بالرغم من كل التصريحات التشافيزية والموراليسية النارية.

لاشك أن فوكاياما، كان، عندما أطلق نظرية «نهاية التاريخ»، يستشرف عصر العولمة. وقد جاءت العولمة، كما هو واضح، تتويجاً لتلك النظرية. أليست العولمة في جوهرها أمركة أو تغريباً جلياً للعالم؟ هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يتصيّن فيه العالم؟ لا أعتقد، خاصة وأن الصين نفسها تتغرب، وربما أكون مخطئاً.

لنعترف إذن، بأن طـُعم الأنموذج الغربي شديد الإغراء بالرغم من سمومه الكثيره، وهو يكاد يكون كأفلام الجنس، الكثيرون يشاهدونها، لكنهم ما يلبثون أن يشتموها. والعديديون يستقلون قطار العولمة، لكنهم في الآن ذاته يسبون سائق القطار.

لاشك أن التاريخ لا ينتهي لا زمنياً ولا سياسياً ولا اقتصادياً ولا إنسانياً. وقد رأينا كيف صعدت حضارات، وهبطت أخرى، واندثر أثرها، كما حدث للحضارة العربية والإسلامية، بحيث لم نعد نتذكر أن الكثير من الاختراعات الحديثة أصلها عربي وإسلامي. لكن المستوى الذي وصلت إليه الحضارة الغربية ليس مسبوقاً في التاريخ، فقد تطورت وترسخت، وطورت العالم معها، على مدى النصف الأخير من القرن العشرين، أكثر مما تطور على مدى قرون. وبالتالي لا أعتقد أن البشرية ستتخلى عن المنجزات العملاقة التي وصلت إليها اعتماداً على النموذج الغربي، فهي بلغة الاقتصاد، موجودات ثابتة للأجيال والعصور القادمة، تدعمها في ذلك ثورة المعلومات والاتصالات (الغربية) التي لم تكن متوافرة لأي حضارة قديمة. وبهذا المعنى يكون التاريخ قد توقف فعلاً، ليس إلى الأبد طبعاً، بل إلى زمن قد يطول كثيراً كثيراً، أحببنا أم كرهنا.

[email protected]

www.faisalalkasim.net