محمد بيجو

بأي قلق سنعيش على هذه الأرض حين ندرك بأننا أصبحنا أعداءً للدجاجات والحمام, وكيف سنستمر بالبقاء في عالم نخاف فيه الاقتراب من عصفور قد شيّد عشّه على أكتافنا المتعبة, أو ديك مسن قد أيقظ حزننا كثيراً ونبّهنا بأن خيوط الفجر بدأت تزحف تحت مخداتنا, من سيغفر لنا الذنب حين نقتل طائراً دون أن نترك له مجالاً ليقول: وداعاً لهذه الدنيا, أو حين لا ندع له فرصة كي يرفرف على فراخه التي ترقد في العش ويرمي عليها نظرته الأخيرة من السماء ليعلمها آخر درس في الطيران... كم نبدو ضعفاء نحن البشر حين نقوم بقتل الطيور وإحراقها.

أي قلب للحياة.. من منّا كان يتصور أن يأتي يوم نخاف فيه من تلك الكائنات التي ترسم في السماء لوحات وأحلاماً لا متناهية . ربما لم يكن خيال الفنان سعدون جابر يتنبأ باللحظة التي سيتم فيها فسخ العلاقة بين الإنسان والطيور التي تمشي على ما نعتمد عليه في الشهيق والزفير لذلك فقد أطلق سعدون:" يا طيور الطايرة روحي لهلي " فقد كان يترجى الطيور كي تهاجر إلى مكان الأهل وترمي السلام والحنين عليهم والمليكة فيروز قالت يوماً " يا طير لو فيك تحكي للحبايب شو بني.. يا طير "وهذه كانت عادة البعيدين عن الأهل، يحمّلون المراسيل والحب على أجنحة الطيور ويرسلونها لمن يهمهم الأمر..قبل أن تظهر أنفلونزا الطيور

أمّا خيو بنت الديرة.. خيو الحلوة الصغيرة..والتي مشيتها تشبه مشية الطيور كما أخبرنا سعدون لمرات عدة والآن وبعد أن مرت تلك الأعوام وإذا كانت " بنت الديرة" ما تزال على قيد الحياة فأنها وبلا شك تخاف على أبنائها وأحفادها من السيارات المفخخة والطيور. . .. أي شرخ في قلب هذا العالم.. الأهل يتساقطون في الحرب.. والباقون منهم يخافون من الطيور

ومن الملفت أن ظهور بعض أمراض الحيوانات قد تزامن مع شن الحروب التي يصنعها البشر ضد الكائنات العاقلة وغير العاقلة, فمرض أنفلونزا الطيور مثلاً ظهر قبيل الحرب على العراق وطالبان.. وجنون البقر كذلك ربما لأنها تمتلك غريزة التنبؤ بأشياء كثيرة ومن ضمنها الحروب والدمار فأصابها البرد من برودة أعصاب الذين يقصفون المدن من الأعلى أو الذين يقومون بتفخيخ السيارات والأطفال أو ربما هي لم تعد تتحمل أزيز الطلقات و منظر الدموع في عيون الأمهات فقامت بإصدار بيانها الذي لم يجرؤ الكثيرون على فعله, وهذه ليست المرة الأولى التي تشارك الطيور في الحرب, ففي بعض الحروب التاريخية والمصيرية التي قام بها الإنسان كانت للطيور مواقف مشهودة فيها..

في فتح الفتوح مثلاً أي فتح مكة قد أرسل الله تعالى طير الأبابيل وحجارة السجيل لإعانة المسلمين في حربهم ضد المشركين فهي هنا مقاتلات, وأنها شاركت بالقتال قبل أن يتمكن البشر من الطيران مثلها.

أصبحت بعض النسور والصقور مراسلين للحرب التي قامت بين عائشة أم المؤمنين وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه و قد قيل إن أهل المدينة علموا بيوم الجمل وذلك أن نسراً مر بماء حول المدينة يتدلى من مخلبيه جسيم غريب، وقد علم الناس بالواقعة بعد أن بدأت النسور تحلق فوق الناس وترمي لهم أيادي وأقدام القتلى وعندها عرف الناس بأن أرواحاً كثيرة تغادر هناك.

الطيور أصابتها الأمراض لأنها لم تعد تستطيع المشاركة برمي الحجارة من الأعلى لأن الإنسان أصبح باستطاعته التحليق على ظهر طائرات الأباتشي أو التي لم يعد الرادار المسكين قادراً على كشفها.. ولا تستطيع أن تبقى كمراسلات للحروب لأن السيارات المفخخة لا تبقي من الأشلاء شيئا لذا فقد أدركت بأن عليها أن تصاب بمرض ما كي توصل لنا شعورها، وكي يصلنا هذا الشعور لا بد للفيروس أن ينتقل إلى البشر

ترى على من ستكون الحرب القادمة ولماذا.. وأي حيوان سيحتج على الدماء وماذا سيكون اسم المرض الجديد الذي سيصيبه ؟ هل سنسمع بمرض ربو الغزلان..أو سل الفراشات...أو حتى التهابات الأزهار وستصبح هذه الحياة موحشة أكثر مما هي وهل تتصور أن تركض إلى الدار خائفاً من فراشة جميلة تنتظرك لتشعل قنديلك فتهجم عليك؟ , سيأتي يوم نضع فيه تماثيل العصافير والحمام في ركن ما من الدار، ذكرى لمخلوقات كانت لنا معها ذكريات كثيرة وجميلة في زمن غير بعيد

وبعيداً عن الحروب.. كيف سننسى الحمامات الزاجلة التي حملت الكثير من الرسائل والحب ؟ أذكر حين كنّا في كل عام ننتظر عودة السنونو التي كنّا ننسج حولها الكثير من القصص والروايات التي تقول بأن عمر هذا النوع من الطيور عام واحد وهي تهاجر مصطحبة فراخها إلى موطنها الأصلي لتموت هناك ولتقوم الفراخ برحلة آبائها وأجدادها الأبدية فتعود لتسكن هي أعشاشاً معلقة بسقف الدار، بناها ذووها قبل عام وربما عليها أن تبحث عن مكان بعيد عن البشر. وأذكر أيضاً اليوم الذي بكت فيه صديقتي الوحيدة والتي خرجت بعد أن غادرها كروانها ولم تعد، لتتصل بعد أيام وتقول لي: قل لوالدتك: أن احرقي دجاجاتك. فقلت لها:

هذه الحياة مقلقة ومخيفة، الحروب تحصد أرواح الكائنات فتغادرنا قبل أوانها, والطيور التي يسأل الحزن الغائر في عينيها.. لماذا تحرقوننا ؟ كيف سنطير بعد أن نموت.؟!, و كيف سترفرف أرواحنا بلا ريش على الفراخ ولم نعلمها الطيران بعد.. هي الآن في العش, وقلوبها مليئة بالحنين ؟؟؟؟ وإن كنتم ستقتلوننا لا محالة فاتركوا الريش على حاله.. !! فكلكم ريش، وسيحترق يوماً... ويجف.