بيير رازوك

بيير رازوك، مؤلف هذا الكتاب هو مؤرخ اختصاصي بالمسائل الإستراتيجية.. ومكلف بمهمة في وزارة الدفاع الفرنسية، سبق له وقدم العديد من الكتب مثل «حرب الفوكلاند ـ مالوين» الذي نال جائزة البحرية الفرنسية.

هذه هي الطبعة الثانية لهذا الكتاب الذي يعيد فيه المؤلف تحليل آخر مستجدات الشرق الأوسط على ضوء حرب الخامس من يونيو عام 1967.. التي أسست لمفهوم «الحرب الخاطفة» الذي تكرر الحديث عنه بخصوص الحرب الأخيرة في العراق.

ما يؤكده المؤلف منذ البداية هو أن حرب يونيو 1967 بين إسرائيل والعرب، والمعروفة بـ «حرب الأيام الستة» قد شكلت منعطفاً حاسماً في الصراع العربي ـ الإسرائيلي. ففي الخامس من ذلك الشهر ـ يونيو ـ 1967 بدأت إسرائيل أولاً غارات جوية عطلت فيها عملياً الغالبية العظمى من الطائرات المصرية وهي على الأرض.

وعندما امتلك الإسرائيليون التفوق الجوي بضربتهم الخاطفة استطاعوا خلال ستة أيام فقط دحر الجيوش العربية المصرية والسورية والأردنية واحتلال قطاع غزة وصحراء سيناء والضفة الغربية وهضبة الجولان.

هذه الوقائع معروفة للجميع.. لكن الأسباب الحقيقية لتلك الحرب معروفة بدرجة أقل كثيراً. هذا ما يؤكده مؤلف الكتاب الذي يضعها في سياق الحرب الباردة، مشيراً بنفس الوقت إلى أن الأطراف المعنية بها مباشرة قد أخفت لمدة عقود كاملة الأسباب العميقة التي دعتها للتحرك أو أعطت الضوء الأخضر للقيام بها..

ويقوم بتحديد ثلاثة أسباب أساسية هي البرنامج النووي الإسرائيلي وتبدل التوجه السياسي الذي عرفته السياسة الخارجية الفرنسية في مطلع سنوات الستينات السابقة والتحالف السري بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.

بل ولا يتردد المؤلف في القول إن العلاقات الإسرائيلية ـ الأميركية بقيت في صلب تلك الأزمة ثم الحرب كما يدل على ذلك الهجوم الإسرائيلي على السفينة الحربية الأميركية للتجسس «ليبرتي».

كتب مقدمة هذا العمل الأميرال بيير لاكوست، الذي كان رئيساً لجهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية لمدة سنوات، ويرى أن نقطة قوة هذا الكتاب تكمن في أنه ألقى الضوء على الكثير من الوقائع غير المعروفة كثيراً وفسرها في إطار السياق السياسي والإستراتيجي لفترة حدوثها.

ويشير الأميرال إلى أن مبدأ «الحرب الوقائية» الذي رفعته إسرائيل للقيام بحربها عام 1967 غدا في قلب الأطروحات الراهنة التي ترددها الولايات المتحدة منذ سنوات وقد شكلت الخلفية التي شنت على أساسها الحرب ضد العراق في ربيع عام 2003.

وينتهي الأميرال إلى القول إن «الصقور» هم الذين قادوا إسرائيل دائماً إلى الطريق المسدود.. لكن «إعطاء الأولوية للقوة على المفاوضات وللتفوق العسكري الساحق لا يشكل الطريقة الأفضل من أجل تسوية نزاعات معقدة مثل نزاع الشرق الأوسط».

يحاول مؤلف هذا الكتاب أن يجيب عن بعض الأسئلة الجوهرية برأيه والتي يطرحها منذ كلماته الأولى.. السؤال الأول منها: «لماذا حرب الأيام الستة؟». واعتباراً من الفصل الأول، في فصول هذا الكتاب الثمانية، الذي يحمل عنوان «الورطة» يتم تحديد العامل الأساسي في قيام حرب يونيو 1967 في البرنامج النووي الإسرائيلي الذي كان في صلب العلاقات بين إسرائيل وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية.

ويقدم المؤلف في هذا الإطار توصيفاً للمساعدات التي قدمتها فرنسا لإسرائيل خلال سنوات الخمسينات والستينات المنصرمة من أجل بناء مفاعلاتها النووية في الديمونة حيث تم إنتاج أول الصواريخ القادرة على حمل قنبلة نووية.

ويؤكد أن المساعدات الفرنسية والتعاون الوثيق بين فرنسا وإسرائيل في الميدان النووي بقي أحد أسرار الدولة التي جرت المحافظة عليها بقدر كبير من الفعالية من قبل عدد قليل من أولئك الذين كانوا يعرفونها من قادة سياسيين ومهندسين فرنسيين وإسرائيليين.

وإذا كانت إسرائيل لا تزال ترفض رسمياً حتى الآن الاعتراف بامتلاكها السلاح النووي فإن المجموعة الدولية تتفق على أن الدولة العبرية تحتل المرتبة السادسة بين القوى النووية العالمية بعد الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين، وهذه كلها دول أعضاء في مجلس الأمن وموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

ويشير المؤلف إلى أن دافيد بن غوريون كان هو وراء قرار الشروع ببرنامج للأبحاث النووية في إطار معهد «وايزمان» ودعوة العلماء اليهود الذين كانوا قد شاركوا في «مشروع مانهاتن» بالولايات المتحدة الأميركية لتقديم مساهماتهم فيه.

وكان أحد الأعمدة العلمية الذين قادوا العمل «ارنست دافيد بيرغمان» الذي كان على تعاون وثيق مع الفرنسيين الذين كانوا هم أنفسهم على علاقة بالمشروع. عُيّن «بيرغمان» مسؤولاً عن اللجنة الإسرائيلية للطاقة الذرية عام 1952.

وكانت فرنسا قد سلّمت إسرائيل أول مفاعل نووي قوته 24 ميغاواط في شهر سبتمبر من عام 1956 قبل عدة أسابيع من اندلاع حرب السويس.. واستمر هذا التعاون خلال العقد الثاني أيضاً.

لم ينظر الأميركيون بعين الرضا إلى هذا التعاون النووي الفرنسي ـ الإسرائيلي باسم مخاطر الانتشار النووي، ولم يترددوا في إعلان معارضتهم الصريحة والقوية لذلك.

وقام الجنرال شارل ديغول في منتصف عقد الستينات بوضع حد نهائي للمساعدة الفرنسية لإسرائيل بعد أن أدرك مخاطر عملية تواطؤ جرّت فرنسا وبريطانيا للمشاركة في حملة السويس 1956 ذات النتائج الوخيمة بالنسبة للبلدين.

ويخلص المؤلف في هذا السياق إلى القول إن الحركة المزدوجة المتمثلة في تغيّر واضح في السياسة الفرنسية باتجاه «الانسحاب» من التحالف مع إسرائيل، وبالوقت نفسه في تعزيز تدريجي للتحالف الجديد مع أميركا، السّري أولاً، ثم العلني شيئاً فشيئاً، قد قادت ـ أي الحركة المزدوجة ـ إلى خلق حالة لم تكن بعيدة عن نشوب حرب يونيو 1967.

وينقل المؤلف عن الرئيس عبدالناصر تصريحه يوم 23 ديسمبر 1960 لصحافيين أميركيين أجروا مقابلة معه: «إن تطوير إسرائيل لأسلحة نووية قد يرغم الدول العربية على القيام بهجوم وقائي حاسم ضدها». ويشير المؤلف مباشرة إلى أن مثل هذا القول لم يكن آنذاك أكثر من تصريح «مبدئي وليس تهديداً ملموساً».

وتصريح آخر في السياق نفسه إنما للسفير الأميركي في مصر بتاريخ 18 مارس 1965 عندما قال مطمئناً الرئيس عبدالناصر: «لا تزال هناك بعض المشاكل بين إسرائيل ومصر وقد تكون مصدراً كامناً للحرب..

لكن حكومة الولايات المتحدة ستتابع الضغط كي لا تصبح إسرائيل قوة نووية». ثم تصاعدت «حرب» التصريحات إذ ينقل المؤلف عن الرئيس ناصر تصريحه لصحيفة نيويورك تايمز يوم 21 فبراير 1966 إن «مصر قد تقوم بحرب وقائية إذا أنتجت إسرائيل الأسلحة النووية».

وجاء في عنوان الصفحة الأولى لجريدة الجمهورية يوم 12 مارس 1966 «إن حرباً وقائية يمكنها وحدها أن تمنع إسرائيل من أن تصبح قوة نووية».. بل ويؤكد المؤلف أن الرئيس عبدالناصر أمر قيادة أركان التخطيط لعملية عسكرية بهذا الاتجاه».

ويشرح المؤلف على مدى عدة فصول القوى العسكرية التي كانت متواجدة على أرض المعركة، حيث يؤكد على وجود جيشين كانا على خلاف كامل من حيث العقيدة العسكرية لكل منهما، إذ كانت الجيوش العربية تؤكد على أهمية العدد، الأمر الذي لم يكن بعيداً عن العقيدة العسكرية السوفييتية، بينما كان الجيش الإسرائيلي يؤكد على «نوعية» تسليحه وخططه القتالية..

وتتم الإشارة ضمن هذا الإطار إلى ميزان القوى البري كان لصالح الجيوش العربية، بينما كان هذا الميزان أكثر توازناً في الميدان الجوي.. و لذلك حاول الإسرائيليون الشروع بـ «عملية خاطفة» جوية تؤمن لهم التفوق المطلق بعد حرمان الجيوش البرية العربية من أي غطاء جوي. هكذا يتضمن الكتاب فصلاً كاملاً عن سير العمليات الجوية الى جانب فصل آخر عن «احتلال سيناء» وقطاع غزة وما فعله جنرالات من أمثال تال وشارون ويوفي في الاستيلاء على شرم الشيخ ومضيق متلا. وما فعله بالمقابل الجنرال سعد الدين الشاذلي مما لم يمنع وصول الإسرائيليين الى قناة السويس قبل وقف إطلاق النار.

وفصلان آخران عن احتلال الضفة الغربية وصولاً إلى جسور نهر الأردن و«الهجوم على الجولان» بعد ان كانت هذه الجبهة قد بدت «هادئة» خلال الأيام الأربعة الأولى من الحرب إلا من بعض عمليات القصف المتفرقة.. ويشير المؤلف هنا إلى رسالة برقية تلقاها الرئيس السوري آنذاك نور الدين الأتاسي من الرئيس عبدالناصر التقطها الإسرائيليون وجاء فيها:

«ان جيشي يتراجع وأنا على قناعة أن إسرائيل بصدد تركيز كل قواتها ضد سوريا لإنهاء الجيش السوري.. أرجوك ان تصدقني وتقل وقف إطلاق النار الذي يتم التفاوض حوله الآن تحت إشراف الأمم المتحدة وإعلام الأمين العام بأقصى سرعة ممكنة. هذه هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الجيش السوري الباسل. لقد خسرنا هذه المعركة.. وسيكون الله في عوننا مستقبلاً.

الفصل الأخير من هذا الكتاب يحمل عنوان «الأوراق الخفية» ويرى المؤلف فيه ان حرب يونيو 1967 قد خلقت وضعاً جديداً في الشرق الأوسط لم يكن بعيداً عند نشوب جميع الحروب اللاحقة.

ويعود المؤلف أيضاً للحديث عن قضية قصف السفينة الأميركية «ليبرتي» التي يرى انها لم تكن مجرد حادث «هامشي» كما يسعى الأميركيون والإسرائيليون لتأكيده، وإنما كانت مركزية في تلك الحرب. ويؤكد المؤلف انها لا تزال تثير الكثير من الأسئلة المقلقة دون إجابات.. وان أطروحة الهجوم الإسرائيلي «المقصود» هي الأكثر مصداقية.

* الكتاب: حرب الأيام الستة من الأسطورة إلى الواقع

* الناشر: ايكونوميكا ـ باريس 2006

* الصفحات: 314 صفحة من القطع المتوسط

عن البيان