نجيب نصير

لن ندخل في تعريف الأولوية لغة، فالأفعال تجاوزت لغتنا بوصفها محددة للمعاني لذلك لا معنى لان نبحث في جذرها وتصريفاتها، ولن ندخل في الأولوية من باب المحاسبة لان موضوع المحاسبة يتعلق بالعقد الاجتماعي وطريقة تنفيذه، ولكننا سنشير إلى ممارسة الأولوية من حيث أنها أمر يأخذ أهميته من التأسيس لانجازات يجب ان تأتي مستقبلا، أو بوصفها وعد علينا تنفيذه لكي نتفرغ لباقي استحقاقات الحياة، إذ طالما تكلم المسؤولون عن أولوية بعض الشؤون التي يجب تحقيقها قبل جميع غيرها نظرا لإلحاح الحاجة إليها فورا ودون إبطاء حتى لو بلي عنق القوانين وحتى الأعراف ، ولكن ومع تكرار اسطوانة الأولويات ومع الهدر الشديد بالزمن بحيث يتحول مجرى تحقيق الأولوية إلى ممارسة الهروب إلى الإمام بمرافقة نتائج لي عنق القوانين من فساد وبشاعة وظلم وتأجيل الاستحقاقات الطبيعية، لنحصل على فشل ذريع في تحقيق هذه الأولوية فما بالنا ببقية متطلبات مجتمع يحلم بالنهوض، للتحول الأولوية إلى حجر عثرة ( بل إلى جبل عثرة ) يسد طريق الارتقاء ، لذلك تبدو فكرة الأولوية في ممارستها كعظمة ترمى إلى كلب يتلهى بها ريثما نحصل على أولوية جديدة وهكذا دواليك.

ولعل من شعارات الأولوية الساحقة (طبعا غير لا صوت يعلو على صوت المعركة)، هو التوقيت المناسب ، فالوقت دائما غير مناسب لأي مطلب ليس في خدمة الأولوية، وكذلك الضرورة فكل شيء تنخفض ضرورته إلى ما دون الصفر طالما الأولوية قيد التحقق في زمنها المفتوح ، وإذا لم تتحقق فالخطأ في الظروف وبالعوامل الخارجية . ولكن الأسئلة لا بد ان تطفو وبإلحاح، مثل هل أولوية استيعاب العمالة في قطاع عام خاسر هو ما سوف ينتج قطاع عام رابح ؟، وهل أولوية إسكان المواطنين سوف تقضي على العشوائيات الخطرة والبشعة بالإضافة إلى الفساد المتفشي ؟، نلاحظ هنا ( وفي كل الأمثلة التي تخطر على البال ) ان النتيجة متضمنة في السؤال … إذا ما الفائدة من حضور فكرة الأولوية طالما هي على هذا التفكك مع مسارات الاستحقاقات الطبيعية لأي مجتمع معاصر ؟ كأن يكون لدينا مؤسسة إسكان لا تستطيع ان تسكن المواطنين مع انه أولوية قصوى ؟ !!!

في الوطن لا يوجد شيء له الأولوية ، فالتزامنا الدفاع عن أرضنا مرتبط بالتزامنا بنظافة الشوارع ، والتزامنا العمل المؤسسي مرتبط تماما بعدم إخضاعه للمكاسب الشخصية ، وامتلاكنا لسيارة حديثة أو مدعومة مرتبط تماما بفهمنا لقانون السير ، وقوتنا العسكرية مرتبطة تماما بقوتنا الاقتصادية والعلمية … أو لنختصر القول .. لكي نكون بلد موجود في هذا العصر بقوة فعلنا ، لا اصطلاحا ولا يوم بيوم ، علينا ان نكون قد هذا العصر وقياساته ومعاييره ، حيث تنتفي أية أولوية أو استثناء ، فصراع الحياة لا يسمح لنا بانتقاء المعارك التي تناسبنا ، خصوصا ان أي هدر بالزمن سوف يدفع ثمنه الوطن بكامله ، وليس احد أفراده ، وإذا كانت المتانة الأخلاقية لا تكفي وحدها ، فالقانون والمحاسبة والشفافية تستطيع ان تضبط حتى أداء الملائكة على الأرض .