نجيب نصير

يبدو الدكتور جلال أمين في كتابه (خرافة التقدم والتأخر) كأنه ينفخ في بالون سوف ينفجر بين لحظة وأخرى، عبر طرحه المعياري المقارن بين القيم ( شمال جنوب، أو شرق غرب ) عائدا بحركة مكرورة ليخل بوابة الكيل بمكيالين أو لماذا هم وليس نحن أو العكس وهي مسألة مكرورة كما اشرنا لأنها قول على قول لا يسمن ولا يغني عن عنف كنهاية لطريق يأسه يعزف على أوتارها القوالون.

والخرافة في رأي الدكتور أمين (وغيره) ان التقدم الذي حازته بعض الأمم ( الغربية طبعا وكأن اليابان لم تحرز أي تقدم وكذا الصين وكوريا الخ )... هذا التقدم ينسحب على قيمها لتصبح متقدمة على قيمنا بقدرة الفرض العاتية لمجموع الطاقة المنتجة من قبل هذه الشعوب الغربية حصرا ) ومسخرة للقضاء علينا، ليخل في مقارنات بين القيم الإنسانية بيننا و ( بينهم )، حيث عليه ان يقوم بمسألتين - الأولى:تغيير الموضوع برمته، أي الربط الإجباري والسلبي بين التقدم والأخلاق، وكأن أخلاقهم ( هم ) ولدت في مصنع أو في إدارة تسويق وليس في صيرورة ومكانية متوالية وكذا أخلاقنا نحن المنعوتين بالتخلف وكأنها في حالتها البكر وجدت معنا وليست وليدة حضارة متعاقبة ومتراكبة ومتفاعلة، بحيث تكون مسؤولية الأبناء عن الأهل في مجتمعاتنا أعلى أخلاقيا وأكثر حنانا من منظومة التقاعد الغربية، ولكن المسألة هي خارج الموضوع، حتى لو رأينا الموضوع من باب الاستهلاك والقيم الاستهلاكية ( التي يجب ان تكون سيئة )، ولكنا نخرج عن الموضوع ذاته بتغييب الإنتاج فالبلد المنتج هو البلد المتقدم والمستهلك هو البلد المتخلف وقد تصالحت الشعوب مع ذاتها في هذا الباب عن طريق العلم الذي اخترع الموازنة والدخل القومي والميزان التجاري حيث على الشعب الناجح ان ينتج أكثر مما يستورد مع لحظ ضرورة الاستيراد بكافة أشكاله لأنه أس التفاعلات الإنسانية.

الثاني: تغيير الزمن، كساحة للمقارنة بين المتقدم والمتأخر، فنحن ( كنا ) وهنا ميزة العراقة، إما هم فمحدثون تحت التجربة وقد ثبت خطؤها، والمقارنة تثبت ذلك، فنحن متقدمون عليهم بالقيم والأخلاق والإنسانية والحنان وإغاثة الملهوف، ولكنهم يسرقون هذا التقدم بسبب طيبة قلبنا وحقدهم علينا وقوتهم الاستهلاكية، ومع هذا فالإرهاب عيب طارئ على أخلاقنا، وسوف تتجاوزه أخلاقنا عندما يقتنع الغرب بخرافة تقدمه علينا وينسحب مهزوما...( ولا ننسى ..صاغرا ).

المهم يا سيدي التقدم والتأخر ليس خرافة، هناك أمم تقدمت وهناك أمم لما تزل تراوح في غياهب التخلف بغض النظر عن طيبة القلب أو نقاء السريرة فيمكن لأية امة ان تكون منتجة وتتميز بكل طيبات الأخلاق التي أرسلها الله أو طورها البشر، ثانيا العالم ليس نحن والغرب، العالم فيه الصين على الأقل وكذا اليابان وكوريا وماليزيا والى اليوم لم يؤثر الإنتاج على أخلاقهم الطيبة. ثالثا.. نحن أمم أصحاب هويات حضارية وأخلاقيا ننضح بها ولسنا بحاجة إلى إعادة تعريفها وبروزتها في كل مناسبة فما لدينا من جيد سيطفو ويظهر وما لدينا من رذالة كذلك، وإذا كانت تقارير التنمية البشرية تحمل بعض الإهانة كما وصفت أنت، فان واقع الإنتاج لهذه الأمم العربية يشكل إهانة مضاعفة مئات المرات لهذه الشعوب القاعدة تترنم بأخلاقها الحميدة، لذلك رفقا بالبالون لأن انفجاره نظريا، لا تحمد عقباه عمليا..... التقدم والتأخر ليس خرافة، والا كان الجمل لما يزل بديلا عن......... أي شيء.