بوسع أي عربي أو مسلم أن يغطي عينيه وأذنيه ويغلق فمه ، مدعيا أنه في مأمن عن قنابل إسرائيل وجنازير دباباتها التي تستبيح غزة الآن ، وأن النار التي تحرق قلوب نساء وأطفال وشيوخ غزة بعيدة عنه ولن تطاله ، لكن لنتذكر شيئا واحدا فقط: لو أنجزت إسرائيل ملف فلسطين - لاسمح الله - لاستدارت لبلد غيرها لنفث سمومها ، والعبث بمصائرها ، وحتى وهي منشغلة حتى رقبتها بالملف الفلسطيني ، لم يسلم لا العرب ولا العالم من شرورها ، وبالجملة يمكن القول أن الفلسطينيين يُشاغلون العدوان ويقاتلون الاحتلال الإسرائيلي نيابة عن العرب والمسلمين في أصقاع الدنيا ، وليس عدلا ولا منطقا أن يُترك هؤلاء يُناجزون قوة إسرائيل العملاقة وحدهم ، بوسائل بدائية بسيطة ، أكثر من ذلك .. نساهم نحن خارج فلسطين في تخذيلهم لا التخذيل عنهم.

قد يبدو هذا الكلام مكرورا أو "مستعملا" بكثرة ، لكنه الآن يكتسي أهمية خاصة ، لأن أهل فلسطين يواجهون حالة متقدمة من العدوان والمحاصرة ، قد تأخذ شكل الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ، بسبب مقاومتهم للاحتلال ودفاعهم عن أجسادهم ، ولا نقول عن أرضهم ، فهي مستباحة والطريق ممهدة لحراثتها بالدبابات والجرافات الإسرائيلية ، بما عليها من حجر وشجر ، وبما في باطنها من ماء ،

إذا تمكنت إسرائيل من سحق المقاومة والممانعة الفلسطينية ، فستكون تلك كارثة قومية وإنسانية ، لن تنحصر آثارها السلبية في فلسطين ، بل سيغذي هذا الأمر حالة ملتهبة من الغضب الشعبي الذي يعيش حالة كمون هنا وهناك ، وسيجر إلى "المواجهة" أطرافا تحسب أنها في منأى عن الخطر ، سيُحدث هذا الأمر ، فيما لو تم لا سمح الله ، تناقضات بين الشعوب وأنظمتها ، وسيفجر صراعات سياسية ودينية واجتماعية ، وسيُوفر بيئة أكثر من مناسبة لتحريض خلايا نائمة تتغذى من القهر والإهانة القومية لتنطلق مدمرة لكل شيء يقف في طريقها ، وسيكون هناك خطر على ما يسمى "السلم" الدولي ، فلن تحترم أقلية عربية أو إسلامية في بلاد الغربة نفسها إن هي لم تعبر عن ذاتها بشكل أو بآخر ، رافضة للعدوان ومنفعلة به ،

ما يجب أن يعرفه المهتمون بما يجري على الأرض الفلسطينية أن خطة اجتياح غزة كانت موضوعة قبل عملية "الوهم المتبدد" ولم تكن هذه العملية غير ذريعة طارئة للتنفيذ ، ما يعني أن هناك نية إسرائيلية مبيتة للقضاء على أي مقاومة فلسطينية ، ولهذا ليس مفهوما أن يحمل أحد مسؤولية "تدهور الأوضاع ،"في المنطقة العربية للمقاومة الفلسطينية المشروعة ، التي لم تكن أصلا إلا للدفاع عن حق مشروع في الحياة..، ، إن مسيرة أكثر من مائة عام من النضال الفلسطيني غير المتكافىء مع جبروت العدوان الإسرائيلي لم يوهن الإرادة الفلسطينية ، ولم يثن أهل الأرض عن تشبثهم بها ، حتى ولو تخلى عنهم العالم كله ،