يراهن عدد من المتضررين من التحالف الذي قام في السادس من شباط الماضي بين "التيار الوطني الحر" و"حزب الله" والذي يسميه الأول تفاهما ويجهد في نفي صفته التحالفية، على انفراطه في وقت غير بعيد او على الاقل على نشوء تباينات عدة بين طرفيه الامر الذي يفقده الكثير من زخمه وقوته وتاليا يقلص تأثيره على الوضع العام في البلاد، علما ان هذا التأثير كان كبيرا ولا يزال. ويعزو هؤلاء رهانهم الى اعتبارات عدة منها عدم قدرة الحزب على مجاراة التيار في خططه السياسية وتحركاته الداخلية التي لا تتوانى عن استغلال قضايا ومشكلات داخلية كثيرة، بعضها محق، بغية قلب الاوضاع وتمكينه من تحقيق اما هدفه الاساسي او حلمه الكبير الذي هو وصول مؤسسه وزعيمه العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية. ويعود عدم القدرة هذا اولا الى حكمة كبيرة يتمتع بها زعيم الحزب السيد حسن نصرالله وقسم كبير من قيادته، والى نظرته الشاملة الى الاوضاع في لبنان والى ارتباط مجرياتها وتحولاتها وتطوراتها المرتقبة بالمنطقة كلها وتحديدا بالصراع الدائر عليها بين المجتمع الدولي بزعامة الولايات المتحدة من جهة، والجمهورية الاسلامية الايرانية وسوريا من جهة اخرى، وكذلك بصراعات المصالح الناشبة بين المجتمع المذكور وقوتين كبيرتين جدا هما روسيا الاتحادية والصين الشعبية. ويعود عدم القدرة نفسه ثانيا الى حرص قيادة "حزب الله" على عدم القطع مع القوى السياسية الكبرى في البلاد وفي مقدمها "تيار المستقبل" بزعامة النائب سعد الحريري لانها تدرك ان استمرار الوصل معها رغم استمرار التباين بل الخلاف حول قضايا مهمة عدة داخلية وخارجية، يجنب البلاد فتنا قاتلة اهمها على الاطلاق الفتنة المذهبية وهي لا تبدو مستعدة للذهاب مع حليفها اللبناني القوي، اي "التيار الوطني الحر" بل مع خياراته الى الآخر اذا كان الصدام المذهبي نتيجة شبه حتمية لها. ويشجعها على ذلك ادراك "المستقبل" خطر صدام كهذا وحرصه على تلافيه بكل الوسائل الممكنة. كما تشجعها القوى الاقليمية الرافضة له، على الاقل في لبنان، وفي مقدمها الجمهورية الاسلامية الايرانية والمملكة العربية السعودية ومصر حسني مبارك. ويعود عدم القدرة اياه ثالثا الى اقتناع الحزب ان العصبية والانفعال وان من حلفاء او من قريبين يصبان في غير مصلحته وفي غير مصلحة البلاد وبان الحسابات الباردة والعض على الجروح والشمولية في الرؤية مع الابتعاد عن الاهداف الصغيرة وان رآها البعض كبيرة هي التي تحميه وتحمي البلاد. ما هو مدى الصواب في رهان المتضررين المذكورين اعلاه من تحالف "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" او من تفاهمهما كما يسميه الاخير؟ قد يكون في هذا الرهان كمية كبيرة من التمنيات. سببها الاول، الضرر الذي تسبب به التحالف او التفاهم للجهات السياسية التي يؤيدها المتضررون المذكورون. وسببها الثاني، استفحال العداء بين "التيار الوطني الحر" و"تيار المستقبل" ومعه كل قوى "14 اذار" ومن شأن ذلك التسبب بنوع من العزلة للتيار في حال تصاعد انزعاجه من "حزب الله" وبلغ حد الاختلاف النهائي والافتراق. وسببها الثالث، طبع العماد عون مؤسس التيار وزعيمه والذي يدفعه دائما الى الامام وان يكن هذا الاندفاع هرباً وذلك كي لا يقال انه تراجع عن موقف لانه كان خاطئاً في الاساس. وسببها الرابع، حرص الحزب على التيار لنجاح الاخير في المحافظة على شعبيته الكبيرة اصلا في الشارع المسيحي رغم التساؤلات التي اثارها تحالفه معه او تفاهمه ولحاجة الحزب وحلفائه الاقليميين الى سند سياسي شعبي من انتماءات طائفية اخرى بغية إضفاء نوع من التكافؤ على المواجهة الاقليمية – الدولية الدائرة في لبنان. وسببها الخامس، معرفة الحزب ان لمؤسس التيار وزعيمه "كاريزما" مهمة وقادرة على اثارة الجماهير او على الاقل الجمهور المسيحي في حين ان منافسيه من التيارات والقيادات السياسية داخل هذا الجمهور وعليه لا يتمتعون بهاتين "الكاريزما" والقدرة فضلا عن انهم حريصون في استمرار على عدم الذهاب في مواجهته الى الآخر لاعتبارات متنوعة. طبعا هناك رهان آخر عند كثيرين في لبنان هو على وقوع الحليفين السوري والايراني في التباين وخصوصا حيال الموضوع اللبناني رغم تلاقيهما الاستراتيجي على قضايا عدة. وهذا الرهان نابع من اقتناع هؤلاء بان لبنان الساحة فقط لسوريا هو اكثر من ساحة لايران وبان الاخيرة تحرص على استقراره ولكن بعد حصول "حلفائها" على وضع جيد داخل تركيبته السياسية والرسمية يتناسب وحجمهم الديموغرافي. ومن شأن ذلك ان يؤسس لتباين وخصوصا اذا سارت التطورات الاقليمية والدولية في اتجاه التعاطي وان الطويل المدى بين ايران والمجتمع الدولي في الوقت الذي لا يزال هذا المجتمع وتحديداً زعيمته الاحادية الولايات المتحدة على يأسه من سوريا لعجزها عن صوغ مشروع يرتب علاقاتها معه ويحل كل المشكلات القائمة بينهما. لكن هذا الرهان قد يكون مبالغاً فيه ايضا على الاقل في الوقت الراهن وربما في المستقبل المنظور لان حاجة كل من سوريا وايران الى الأخرى لا تزال قائمة رغم الخلل في ميزان القوى بين الدولتين الذي صار "طابشا" لمصلحة ايران بعدما كان في السابق لمصلحة سوريا.