سعود الفيصل: "حزب الله" يجر المنطقة الى حرب كبيرة

النهار

تجاوز وزراء الخارجية العرب خلافات حادة في شأن المسؤولية عن تفجر الاحداث الدموية على الساحة اللبنانية. واصدر المجلس الوزاري للجامعة العربية في ختام الاجتماع الطارئ الذي عقده امس في القاهرة قراراً يدين صراحة العدوان الاسرائيلي على لبنان ويعتبر انه "يتعارض مع كل القرارات والقوانين والاعراف الدولية". وحيا القرار الذي اعتمده الوزراء العرب والذي تقدم به رئيس الوفد اللبناني وزير الخارجية فوزي صلوخ "ارواح الشهداء وصمود اللبنانيين وحرصهم على تضامنهم ووحدتهم" في مواجهة العدوان. وشهد الاجتماع جدلاً حاداً وتلاسناً بين وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل الذي وجه اللوم الى "حزب الله" في ما يشهده لبنان من عدوان اسرائيلي الآن، بينما دافع وزير الخارجية السوري وليد المعلم عن الحزب وألقى بالمسؤولية على اسرائيل. وفيما قال الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى إن الوزراء اتخذوا قرارا "بالإجماع" بإعلان"الفشل الكامل لكل الجهود الخاصة بعملية السلام"، شدد مجلس الجامعة على تضامن الدول العربية المطلق مع لبنان و"دعم صموده في مواجهة الاعتداء (الإسرائيلي) الغاشم الذي يتعرض له المدنيون ويودي بالأرواح البريئة ويوقع خسائر مادية واقتصادية جسيمة ". وبينما تجنب نص قرار مجلس الجامعة أية إشارة إلى موضوع الأسرى، سواء اللبنانيين في السجون الإسرائيلية أو الجنديين الإسرائيليين اللذين أسرهما "حزب الله"، مستبعدا الفقرة الخاصة بهذا الموضوع التي كانت واردة في المشروع الذي قدمه صلوخ، أكد دعمه شكوى الحكومة اللبنانية الى مجلس الأمن ومطالبة الأخير باتخاذ قرار فوري بوقف شامل للنار ورفع الحصار الإسرائيلي عن لبنان وأيد ما عبرت عنه الحكومة اللبنانية "من احترام لقرارات الشرعية الدولية واحترام الخط الأزرق الحدودي الذي رسمته الأمم المتحدة للفصل ما بين الأراضي اللبنانية وإسرائيل”، وأعلن الوزراء العرب مساندتهم "الكاملة للحكومة اللبنانية في تصميمها على ممارسة مسؤولياتها لحماية لبنان واللبنانيين والمحافظة على أمنهم وسلامتهم وتأكيد حقها وواجبها في بسط سلطتها على كامل أراضيها وممارسة سيادتها في الداخل والخارج". واعتبر مجلس الجامعة ان "استمرار عمليات التدمير والقتل التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب اللبناني يزيد المشكلة الراهنة صعوبة وتعقيدا ويؤدي إلى زعزعة الاستقرار والسلم والأمن في المنطقة"، كما حمّل قرار الجامعة إسرائيل المسؤولية عن تعويض الخسائر والدمار الذي خلفه عدوانها على الأراضي اللبنانية. ورجح موسى أن يتم في أيلول المقبل تلبية الطلب الجماعي الذى قررت الجامعة العربية تقديمه إلى مجلس الأمن للاجتماع على مستوى سياسي رفيع للبحث في إعادة عملية السلام إلى مسارها بعد فشل "الآليات الراهنة، سواء اللجنة الرباعية الدولية أو خريطة الطريق أو الوسيط النزيه أوغيرها"، ووجه موسى في مؤتمر صحافي عقب انتهاء الاجتماع انتقادات حادة وغير مسبوقة لما سماه "قوى دولية"، في إشارة إلى الولايات المتحدة لأنها "اعطت حصانة لإسرائيل من القوانين الدولية وقرارات الشرعية الدولية". وقال انها "سلمت عملية السلام بالكامل الى الطرف الاسرائيلي ليتلاعب بها كما يشاء". وكان المجلس الوزاري للجامعة العربية اصدر، الى القرار الخاص بلبنان، قرارين آخرين أولهما يتعلق "بالعدوان الاسرائيلي على الاراضي الفلسطينية" عبّر فيه عن اهتمامه وقلقه من تصاعد العدوان الاسرائيلي واستهداف المدنيين وتدمير البنية الاساسية وارتكاب المجازر في قطاع غزة، واعتبر ان هذه الاعتداءات "تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية". وأعرب عن "الأسف الشديد لقيام الولايات المتحدة باستخدام حق النقض (الفيتو) لحماية العدوان الاسرائيلي"، ومنع مجلس الأمن من القيام بمسؤولياته إزاء حفظ الامن والسلام في الاراضي الفلسطينية. وأشار القرار في ديباجته الى استمرار اسرائيل في نقض الاتفاقات والتفاهمات والتعهدات التي التزمتها مع منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية وأطراف عربية اخرى، ومن بينها تفاهمات شرم الشيخ الخاصة بإجراءات التهدئة واطلاق الاسرى والموقوفين. وأعلن ان الدول العربية ستعمل "عبر الآليات الدولية لوقف العدوان على الاراضي الفلسطينية فورا وانسحاب الجيش الاسرائيلي من المناطق التي احتلها اخيرا في غزة، وطالب بإطلاق الوزراء واعضاء المجلس التشريعي والمسؤولين الفلسطينيين المعتقلين كافة، ودعا ضمناً الى مبادلة الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليت الذي أسرته المقاومة الفلسطينية الشهر الماضي بالأسرى والمعتقلين الفلسطينيين من خلال عملية تبادل ترعاها "الامم المتحدة أو عبر أطراف ثالثة". اما القرار الثالث الذي يتعلق بالوضع في المنطقة فقد أجمل في ديباجته مظاهر "العدوان الاسرائيلي المتصاعد" على لبنان وفي الاراضي الفلسطينية واستهدافه المدنيين والبنية التحتية، واعتبر انها اظهرت "تفاقم الوضع في الشرق الاوسط" بعدما تم تعويق مسار تسوية النزاع العربي – الاسرائيلي وفقا لقرارات مجلس الامن ومبدأ الارض مقابل السلام، مما ادى بدوره الى "تصاعد حالة اليأس والاحباط ومشاعر الظلم والغضب" في المنطقة. كما شدد القرار على "حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والعدوان" قبل ان يطالب المجتمع الدولي ومجلس الامن بتحمل مسؤولياته والتحرك الفوري لمطالبة اسرائيل بالتوقف الكامل عن عملياتها العسكرية.

خلافات حامية

وكان مجلس وزراء الجامعة العربية شهد مدى الساعات الثماني التي استغرقها حتى توصل الى قراراته صراعاً وتلاسناً حاداً حول الموضوع اللبناني، وتوزع الوزراء على ثلاثة مواقف، الاول قادته المملكة العربية السعورية ومعها مصر والاردن والبحرين والمغرب والكويت، ويدعو الى ضرورة النص في القرارات المعلنة على "صيغة" تحمل "حزب الله" المسؤولية عن تفجر الاوضاع على الساحة اللبنانية بعدما أقدم على ما سماه وزير الخارجية السعودي الامير سعود فيصل "مغامرة غير محسوبة" وفرت ذريعة للعدوان الاسرائيلي، غير ان هذا الموقف جبه بمعارضة قوية قادها الوفدان السوري واللبناني ومعهما السودان والجزائر واليمن وفلسطين. وقال ديبلوماسيون عرب شاركوا في الاجتماع ان الامير سعود الفيصل وصف في مداخلة له في الاجتماع، تصرفات "حزب الله" بأنها "غير مسؤولة وانها جاءت في توقيت غير مناسب، وانه يجب ان ينسق مع الدولة اللبنانية، لا ان تكون الحكومة اللبنانية آخر من يعلم". واضاف "ان تصرفات حزب الله تجر المنطقة الى حرب كبيرة، وانه يعيد المنطقة سنوات الى الوراء، ولا يمكننا ان نقبل ذلك". وقال الديبلوماسيون ان المعلم انتقد الموقف السعودي خلال الاجتماعات، وانه قال في مداخلة امام الاجتماع: "كيف نأتي الى هنا لمناقشة الموقف المتفجر في لبنان بينما يقوم آخرون بانتقاد المقاومة". واضاف: "بينما انا في الطائرة من دمشق الى القاهرة لحضور الاجتماع رأيت البوارج الاسرائيلية تقصف المدن اللبنانية. فحلمت ان الاجتماع الوزاري سيخرج بمواقف داعمة للبنان وحزب الله، ولكن رأيت حتى قبل الاجتماع ان بعض الاطراف خرجت بمواقف افشلت الاجتماع حتى قبل ان يبدأ". وقدم مرافعة حارة دفاعاً عن حق "حزب الله" وحق الشعب اللبناني في مقاومة "العربدة الاسرائيلية التي لا تحتاج الى ذرائع"، وحذر من الخطورة الشديدة التي قد تنجم عن توجيه اي انتقاد الى اي طرف عربي في البيانات الرسمية المعلنة من جانب الجامعة العربية. وقال ان ذلك يمثل "غطاء عربياً للعدوان يسهل على اسرائيل التمادي فيه". وفي الاتجاه ذاته قال صلوخ ان هناك "نشوءاً لمفاهيم ومعايير تستخدم دولياً (حالياً) وهي موضوعة ومصممة في غير مصلحة العرب (فطبقاً لهذه المعايير) المقاومة هي ارهاب، والدفاع عن النفس يعطى لاسرائيل (وحدها) لكي يتم اطلاق يدها في التدمير والتقتيل دون اية حدود"، مشيراً الى ان "القدر اختار لبنان هذه المرة ليكون ساحة للقتل والتدمير والعبث الاسرائيلي، غير ان الساحة اكبر من ذلك بكثير والاستهداف شامل وان تعددت وجوهه". ونبه في هذا الصدد الى ان "الاستهداف (الاسرائيلي) هو اساساً وقبل كل شيء موجهاً الى الامن القومي العربي والى كل دولنا مهما تناقشنا واتفقنا او اختلفنا على التفاصيل". وقال الديبلوماسيون إن الفيصل احتد على الوزير السوري بعد مداخلته، ووصفها بـ"الاحلام الشيطانية التي لا يمكن استجابتها". ونقلوا عنه "ان الدول العربية غير مستعدة للتخلي عن العمل العربي الموحد للنزول الى مثل هذه الاحلام". ولفتت المصادر الى ان وزير الخارجية الكويتي محمد الصباح ساند الموقف السعودي بقوة، ونقلوا عنه: "يا معلم، لا يمكن ان نعطي دفة الامور لكي تديرها منظمات كحماس وحزب الله". واشارت الى ان وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم آل ثاني حاول تهدئة الموقف، مطالبا بالاستجابة لـ"مطالب الشارع العربي". الا ان الوزير الكويتي اجابه: "عن اي شارع عربي تتكلم؟ عن الشارع الذي هتف (للرئيس العراقي السابق) صدام حسين و(لزعيم تنظيم "القاعدة" في العراق) ابو مصعب الزرقاوي؟ وكان الاثنان على خطأ. هذا الشارع غير موجود". وبحسب المصادر فان وزير الخارجية الاردني عبد الاله الخطيب اعرب عن مساندته لموقفي الرياض والكويت. وقال: "ان الشارع العربي غير منضبط، واعماله لا تخدم العمل العربي المشترك". وبين الاتجاهين والموقفين السابقين، وقفت في الاجتماع مجموعة اخرى من الوزراء تحاول ان تجد صيغة توفيقية تراعي المحاذير المختلفة، وقد كسب هذا الاتجاه الذي عبرت عنه بوضوح كلمات وزراء قطر والامارات وسلطنة عمان ثقلا قويا بعدما انسلخ الوفد المصري فجأة عن المعسكر السعودي وقدم مشروع قرار في شأن لبنان لم يرد فيه أي نقد لـ"حزب الله"، مكتفيا بعبارة عامة عن ضرورة "التزام كل الجماعات العمل المنسق من خلال دولهم". لكن هذه الصيغة اسقطت من مشروع القرار الذي تم اعتماده. ويذكر ان وزير الخارجية اليمني ابو بكر القربي قد مشروع قرار الى الوزراء حظي بموافقة سوريا والسودان والجزائر يدعو الى عقد قمة عربية طارئة في اقرب وقت للبحث في العدوان الاسرائيلي المتصاعد على لبنان وفلسطين. وقال موسى ان هذا الطلب ارسل فعلا الى الدول العربية لكن بته واقراره "يتجاوز صلاحيات المجلس الوزاري للجامعة".