سأكون مجنونا لو قلت أن حزب الله اللبناني لا علاقة له بكل من سوريا وإيران، بل هناك علاقة إستراتيجية بين كل من حزب الله من جهة والنظامين السوري والإيراني من جهة أخرى، حزب الله يقول ذلك، وإيران تقول ذلك، وسوريا تقول ذلك، أكثر من كل هذا، هناك تحالف إستراتيجي بينهما، ومن يشك بهذا؟ ومن لا يتحدث به؟ ومن ينكره؟ سواء من جهة حزب الله أو من جهة إيران أو من جهة سوريا؟ ولكن هل يعني هذا أن حزب الله لم يكن يملك قراره بالمطلق؟ من الصعوبة أن نفهم الأمور بهذه الطريقة المجردة، وخاصة في العمل السياسي، أو بالأحرى في المجال السياسي، ولعل المراحل التي مر بها شعار حزب الله اللبناني تؤكد هذه الحقيقة، فهو بالوقت الذي كان ينادي بالجمهورية الإسلامية اللبنانية أيام تأسيسه الأولى، تخلى عن هذا الشعار وما يترتب عليه من مستحقات إلى شعار وطني لبناني يكاد يكون علمانيا مدنيا، وهو إن لم يفعل ذلك بسبب قراءة علمية للواقع اللبناني، فهو مجبر على التحول عن ذلك بسبب قراءة دقيقة للعالم، وتشريح دقيق للخارطة الأقليمية، بل وحتى قراءة عقلانية للوضع المذهبي للعالم الإسلامي. أعود لاستقلالية حزب الله اللبناني، لأوضح نقطة مهمة، إن هذا الحزب تربى في سياق ظروف معقدة جدا على قيم (الثورية والاستشهاد والعطاء والبذل)، وتحولت هذه التربية إلى غذاء يومي بالنسبة لأبنائه وأعضائه، فهو يلهج بالمقاومة عنوانا ومضمونا وتكتيكا وإستراتيجية، ولا يفقه غير هذه اللغة، وبالتالي، أقول، هل ننسى دور هذه التربية بما يتخذه حزب الله اللبناني من قرارات؟ من الصعب نفي ذلك، كنت وما زلت أختلف مع الحزب في كثير من المواقف، وقد قلت أكثر من مرة أن الحزب يحارب إسرائيل، ويعلن السيد الجليل حسن نصر الله أنه عضو بسيط في حركة حماس، ولكن ما زال حي السلم، والضاحية، والبقاع تعاني من الإهمال والتخلف العمراني والصحي والمدرسي، فيما ترفل المناطق السنية والمسيحية بالحركة التجارية والعمرانية بشكل مكثف، فهل يخفى بعد كل هذه الحقائق دور الذات الشيعية اللبنانية في حربها الأخيرة مع إسرائيل؟ أن يكون لحزب الله اللبناني علمه ونشيده الخاصين به فهو أمر لا أستسيغه، ولكن لا ننسى أن الجنوب الذي حرره هذا الحزب هو جنوب لبناني، وأن يكون حزب الله قد اتخذ قراره الأخير بدون الرجوع إلى المرجعية اللبنانية، حكومة وبرلمان عمل لا يحمد عليه، ولكن الأسرى الذين طالب بتحريرهم هم أسرى لبنانيون وفلسطينيون. أليس كذلك؟ صحافي معروف يقيم في لندن يدفع بشيعة لبنان لأن يكونوا قرابين لفلسطين، ويهلل ويكبر لشيعة لبنان وهم يقدمون القرابين فداء تراب فلسطين، هذا ما سمعناه قبل أيام من على شاشة الجزيرة، فهم وطنيون لبنانيون وعرب من الدرجة الأولى، ولكن قبل شهور كانوا عملاء أيرانيين، وشيعة متعصبين! فحزب الله اللبناني إذن مصنف حسب أهوائنا وحسب رغباتنا، وليس حسب دراسة موضوعية لتاريخ الحزب ومواقفه! في رأي أن السيد الجليل كان بإمكانه أن يكتفي بذلك النصر الشريف ليوظفه عمليا لأعمار الجنوب، وإشباع جائعه، وتعليم جاهله، ولكن يبدو لي، وأنا على يقين، هناك جذر تمكن من هؤلاء (الروافض الأنجاس)،هي الثورية والاستشهاد، وما إلى هناك من قيم غيبية طهورية لم تعد تطعم حامليها خبزا، ولا تكسيهم ثوبا، وتاليا، تضيع ذات القيم، ليس لسنة أو سنتين، ولكن لأجيال قادمة. كنت مرة استمع لحوار بين بائع كتب ومشتري في بلد من بلدان العالم الإسلامي، وكان الحوار حول كتاب (أقتصادنا) للسيد الشهيد محمد باقر الصدر، وقد صدمت أي صدمة لما سمعت صاحب المكتبة يقول للشاري (أنه كتاب جيد جدا، لو لم يكن كاتبه من الفرقة الضالة)! لست من المؤمنين بان هناك حكومة إسلامية ونظام اقتصادي إسلامي واضح ومشخص كما هي الاشتراكية والرأسمالية، بل اكتب وأناضل من اجل دولة مدنية بكل معنى الكلمة، ولكن صدمت أي ما صدمة من النتيجة التي قامت على تصنيف طائفي مقيت بكل معنى الكلمة … ترى هل سوف يأتي من يقول : لقد أبلى حسن نصر الله أي بلاء حسنا، لو لم يكن من الفرقة الضالة؟ كاتب هذه السطور إنساني قبل أن يكون مسلما، ومسلم قبل أن يكون شيعيا، وعندي (الكافر / وليس هناك تكفير حقيقي في الاسلام) خير ألف مرة من مسلم جائر مهما كان مذهبه، ولكن يسعى أن لا ينسى ضميره، وفي هذا السياق بالذات يتمنى على حزب الله أن يستفيد من هذه التجربة بما يعود بالنفع العظيم على لبنان... كل لبنان.