تاريخ تعاطي العالم العربي وتحديداً الفاعل منه مع "القضية اللبنانية" ولا سيما منذ بدء الحروب في لبنان عام 1975 بل منذ التهيئة لها قبل ذلك بسنوات سواء لايجاد حل لهذه القضية أو لاستعمالها في صراعات عربية – عربية وعربية – دولية ودولية – دولية، هذا التاريخ له صفحتان يعرفهما جميع اللبنانيين. واحدة مشرقة بيضاء واخرى مظلمة سوداء. المشرقة البيضاء ظهرت في وضوح اثناء تنادي الدول العربية بمباركة دولية عام 1976 لوقف ما سمي في حينه "حرب السنتين" وبعد نجاحها في الاتفاق وعلى ارسال قوات ردع عربية الى لبنان لمساعدته في اعادة بناء دولته وحل مشكلته مع الوجود الفلسطيني المسلح الذي صار دولة داخل الدولة، واستطراداً على حل مشكلته الداخلية التي غالباً ما تجاهلها القادة اللبنانيون والعرب عبر اقتناعهم بأن الخارج هو سبب مشكلات لبنان كلها، وبأن وقف حروب الداخل في لبنان واحياناً كثيرة عليه كفيل باعادة الوئام والسلام والاستقرار الى الوطن الصغير. اما الصفحة المظلمة السوداء فظهرت بعد ذلك عندما نفذت الدولة العربية المكلفة رسمياً اعادة السلم الاهلي الى لبنان أجندة خاصة بها قد تتوافق في بعض نواحيها مع المواجهة المزمنة التي يخوضها العرب مع عدوهم التاريخي اسرائيل لكنها تتناقض كلياً مع مصلحة لبنان وخصوصاً بعدما تداخلت بها عوامل كثيرة سلبية ليس أقلها فكرة تحويل لبنان دولة محكومة لأجندة وان من اشقاء وساحة تجارب لكل انواع السياسات والاستراتيجيات التي لم يخل بعضها من المغامرة. وظهرت الصفحة نفسها عندما انكفأ العرب وخصوصاً الذين يدينون اليوم "مغامرات" فريق لبناني معين والتدخل السافر لقوى اقليمية أكبرها واقواها ايران الاسلامية في لبنان بل في المنطقة العربية برمتها. وتجلى انكفاؤهم بالانسحاب من الساحة اللبنانية وباعطاء براءة ذمة ضمنية للمسيطرين عليها من داخل ومن خارج متذرعين تارة بأن الاولوية لقضية فلسطين التي صار لبنان الجبهة الوحيدة المفتوحة لحلها جزئياً او كلياً، وطوراً بالمباركة الدولية لما يجري في لبنان وأخيراً بسلامتهم انظمة ودولاً وبخوفهم ان يؤدي استمرار "تدخلهم" في الشأن اللبناني الى حرق اصابعهم بل ما هو اكثر من اصابعهم. والصفحة المشرقة البيضاء ظهرت مرة أخرى عندما رعى العرب اجتماعاً للبرلمانيين اللبنانيين في الطائف عام 1989 برعاية دولية انتهى الى ما سمي "اتفاق الطائف" الذي كان رغم ملاحظات اللبنانيين عليه صالحاً لاعادة بناء لبنان الدولة والسلم والاستقلال والسيادة. لكن عاد الظلام والسواد يخيم على الصفحة المذكورة عندما امتنعت الدولة العربية المكلفة رعاية تنفيذ هذا الاتفاق عن مساعدة اللبنانيين على تطبيقه نصاً وروحاً انطلاقاً ربما من استمرار التزامها "الاجندات" والسياسات التي لم تكن في مصلحة لبنان، وعندما أحجم العرب ومعهم المجتمع الدولي عن متابعة رعايتهم المشار اليها اعلاه. طبعاً حاول العرب التعويض عن ذلك بالسخاء في مساعدة لبنان لاعادة اعمار ما تهدم ومكنوه من النهوض. لكن كل ذلك انهار خلال سبعة أيام. والسبب الرئيسي لذلك هو احجام العرب ومعهم المجتمع الدولي، وعلماً ان مسؤولية العرب اكبر كونهم اشقاء وكونهم تجاهلوا اخطار استمرار لبنان ساحة حرب لهم ولاصدقائهم في العالم ولاعدائهم كلهم، احجامهم عن متابعة الرعاية وتحديداً عن دفع اللبنانيين الى حل مشكلاتهم الداخلية التي كانت في الماضي وهي الآن وستبقى السبب الاول لانهيار البلاد على ابنائها ولتعاظم خطر ذلك عليهم. لماذا هذا الكلام الآن في هذا الموضوع؟ لأن العرب يبدون في هذه المرحلة مستعدين لفتح صفحة بيضاء مشرقة اخرى في التعاطي مع لبنان، لا نعرف اذا كانت مشرقة فعلاً او في محاولة مساعدته للخروج من محنته الحالية او بالاحرى للحؤول دون اقترابه من نهاية مأسوية. ولأن اللبنانيين يخشون ان يعود الظلام والسواد مرة اخرى الى هذه الصفحة، ولا سيما في ظل تطور انقساماتهم الحادة بحيث بات الاصطفاف الاقليمي العربي وغير العربي جزءاً منها. وهو تطور ينذر بشر مستطير. طبعاً لا يستطيع اللبنانيون الا ان يرحبوا بتخلي العرب عن تحفظهم المزمن الذي كاد ان يصبح طبيعة ثابتة عندهم ولا يستطيعون الا ان يرحبوا بالتدخل الدولي الكبير لوقف الحرب الدائرة عليهم رغم اختلاف نظراتهم اليها بل تناقض هذه النظرات. لكنهم يخشون ان يكونوا صاروا كشعب اداة لصراع عربي – اقليمي خطير جداً وكأرض ساحة لهذا الصراع. ويخشون اكثر ان ينتقل الاصطفاف في الصراع المذكور الى الداخل اللبناني، وقد يكون تحول، لأن ذلك يعني رمي لبنان من جديد في اتون الفتن والحروب الاهلية التي كان اساسها ومنطلقها الذي هو انقسام الداخل السبب الرئيسي لكل محنهم وتحديداً منذ عام 1975. هل صار الصراع العربي – الاقليمي داهماً الى الدرجة التي قد يوحيها هذا الكلام؟ قد يكون صار داهماً في رأي عواصم دولية واقليمية عدة في مقدمها واشنطن. فالمعلومات الواردة من هذه العواصم تشير الى ان دول المملكة العربية السعودية ومصر والاردن تلح على الادارة الاميركية كي تضع حداً لمخططات الهيمنة على المنطقة التي وضعتها الجمهورية الاسلامية الايرانية. وتشير ايضاً الى ان واشنطن لا تستطيع الا ان تتجاوب مع هذا الالحاح اذا كانت تريد الاحتفاظ بهذه الدول حليفة رغم ان لا أحلاف حقيقية بين الكبار والاصغر حجماً وقوة. لكن السؤال الذي يحاول الاميركيون الجواب عنه هو: هل تستطيع اميركا تلبية الطلب العربي المذكور ومن دون ان يؤدي ذلك الى تفجير ثورة عارمة جداً في الشارع الاقليمي اي العربي والاسلامي؟ طبعاً، قد تبقى الدعوة العربية المذكورة اعلاه من غير تلبية اميركية لاسباب كثيرة معروفة. لكن ما هو واضح ان غالبية الدول العربية "شبعت" من ايران وتريد من المجتمع الدولي التحرك وان تحركت شوارعها وشوارع غيرها. اين سوريا من كل ذلك؟ هي الآن في "حلف" مع ايران. فهل تصبح المواجهة مع ايران مواجهة معها ايضاً اذا لبّى الاميركيون الطلب العربي؟ هذا سؤال لا جواب عنه حتى الآن رغم اقتناع الادارة الاميركية ان الرئيس السوري بشار الاسد مقتنع تماماً بسياسته الاقليمية. وهل تتحول المواجهة عربية – ايرانية (فارسية) وهل تتخذ طابعاً آخر بغيضاً؟ ذلك محتمل لاسباب متنوعة. لكل هذه الاسباب لا مصلحة للبنان ان يذهب اكثر مما ذهب، وهو ذهب بعيداً في سياسة المواجهة والتمحور مع افرقاء ضد آخرين اقليمياً ودولياً لأنه سيدفع الثمن من جديد. والثمن هذه المرة قد لا يسهل تعويضه. اما مستقبلاً واذا انخرط لبنان في المواجهة "المرتقبة" فان توقع اي تعويض يصبح من الاوهام. في النهاية قد يقول كثيرون اننا لم نأت على ذكر اسرائيل في هذا التحليل وهي المتبناة من اميركا ومخططاتها العدوانية وجرائمها، والجواب ان اسرائيل عدو تاريخي للعرب ولا بد من توقّع أي شيء منها سلبي طبعاً. لكن المشكلة تكمن في العرب وفي اللبنانيين. وعدم حلها هو الذي اعطى اسرائيل ويعطيها الذرائع المقبولة دولياً لتنفيذ مخططاتها والقيام باعتداءاتها.