حصل المسؤولون الرسميون في البلاد الذين يستمدون مسؤوليتهم هذه من أحكام الدستور وليس من مساندة أي فريق سياسي أو من أي جهة اقليمية، على معلومات كثيرة عن الحرب الدائرة بين لبنان واسرائيل وخلفياتها المحلية والاقليمية وعن أبعادها، وذلك من خلال اتصالاتهم المستمرة مع الاطراف الفاعلين في المجتمعات العربية والاقليمية والدولية. وقد يكونون كوّنوا صورة وان غير مكتملة للتطورات الحربية المرتقبة ولنتائجها السياسية سواء في لبنان أو المنطقة. لكنهم يمتنعون حتى الآن على الأقل عن اطلاع شعبهم على كل ذلك لاسباب متنوعة، منها خطورة الوضع على كل المستويات والحرص على التماسك الداخلي والاصرار على المحافظة على الدولة وان اسمية لأن انهيارها سيكون نهائياً هذه المرة. لكن الشعب اللبناني، الذي أسميه عن حق شعوباً، يعرف ان الاسرار صارت نادرة في عالم اليوم. انطلاقاً من ذلك اعتقد انه من المفيد اطلاع الشعب المذكور او الشعوب على اجواء تفكير مسؤولين لبنانيين كثيرين وتحليلاتهم، اذ ربما ساهم ذلك في تعامل الجميع مع الكارثة التي يعيشها لبنان بعقلانية وواقعية. علماً ان العقلانية والواقعية لا تعنيان التفريط بحقوق لبنان والانتقاص من بسالة اللبنانيين في الدفاع عن ارضهم وتجاهل الطبيعة العدوانية والتوسعية لاسرائيل منذ عام 1948. الى ماذا تشير الاجواء المذكورة؟ تشير اولاً الى اقتناع بأن الحرب الدائرة منذ 12 تموز الجاري هي حقيقة وواقعاً حرب اقليمية – اسرائيلية أي ايرانية - اسرائيلية واستطراداً سورية – اسرائيلية ساحتها لبنان ووقودها شعبه ومقاومته الباسلة. وتشير ثانياً الى اقتناع آخر بأن توقيت هذه الحرب كان ايرانياً وبوجود علاقة قوية بينه وبين وصول ايران والمجتمع الدولي الى ما يشبه الطريق المسدودة في موضوع الملف النووي. وتشير ثالثاً الى ان الجمهورية الاسلامية الايرانية لم تكن وصلت على الأقل حتى أواخر الاسبوع الماضي الى موقف يقضي بالمساهمة في وقف الحرب وتدهور الاوضاع في لبنان والمنطقة، وقد عبّر عن ذلك ديبلوماسيوها لجهات رسمية عدة، وليس للاعلام فقط، بقولهم في الاجتماعات المغلقة ان اسرائيل هي المعتدية وان المطلوب هو الصمود وان ايران مستعدة لاعادة اعمار لبنان أو للمساعدة في ذلك بـ"المال الحلال". وكأن المشكلة الآن هي اعادة الاعمار علماً ان ذلك مشكلة كبيرة وخطيرة في حين ان المطلوب الآن هو وقف انهيار الدولة ومعها الوطن بل فكرته أو بالأحرى دوره الذي قال كل الاطراف انه "رسالة" متبنين بذلك قولاً للبابا الراحل. وتشير رابعاً الى ان الولايات المتحدة اعتبرت لبنان مهماً لها وتعاملت معه على هذا الاساس منذ اواخر 2004 ومروراً بــ2005 ولا سيما بعدما اظهرت غالبية شعبه تمسكاً بوطنها ودولتها وترجمت ذلك بتحركات شعبية غير مسبوقة وعمل سياسي نشط. لكنه قد يكون عاد الآن ساحة من جديد لتصفية حسابات اقليمية ودولية ومحاولة تنفيذ استراتيجيات اقليمية ودولية. والمسؤولية الاساسية عن ذلك تقع على اللبنانيين لأنهم عجزوا خلال اقل من سنتين عن مساعدة انفسهم. فتصرفت اسرائيل بغطاء اميركي واضح وفضفاض. وتشير خامساً الى ان جهات لبنانية عدة لم تقتنع اثناء جلسات "الحوار الوطني" بأن "حزب الله" راغب فعلاً في التوصل الى حلول تكرس قيام الدولة وتفتح الباب أمام الحلول الضرورية للجوانب الاقليمية من مشكلاته من دون التخلي عن عروبته ودوره بحسب حجمه وامكاناته في الصراع العربي – الاسرائيلي. وذلك رغم براعة سيد المقاومة وزعيم "حزب الله" السيد حسن نصر الله وبلاغته وحرصه غير المشكوك فيه على تماسك لبنان الداخلي. وتشير سادساً الى ان المواجهة أو بالأحرى الحرب الدائرة منذ نحو 14 يوماً هي حرب اميركية – اقليمية بأدوات اقليمية وبأن زعيم عالم اليوم الولايات المتحدة يعتبر ومن زمان ان هناك "بؤرة" في لبنان يجب التخلص منها وهو مصمم على ذلك. وتشير سابعاً واخيراً الى ان "حزب الله" لم ينضج بعد أو بالاحرى لم يقتنع بعد بأن وقت وقف القتال والتحاور مع المجتمع الدولي لايجاد حلول ناجعة لما يجري من خلال دولة لبنان بل حكومته قد حان. (أمس فوض الحزب عبر رئيس مجلس النواب الى الحكومة التفاوض حول الأسرى. هل يشكل ذلك دليل نضوج للحل؟). ماذا يعني ذلك؟ يعني ان الحرب مستمرة. لكن استمرارها يثير اسئلة وتساؤلات اولاً عن اهدافها. وثانياً عن امكان تحقيق هذه الأهداف. فاذا كانت العمليات العسكرية بالضحايا الكثيرة في لبنان وبالدمار شبه التام لبنيته التحتية تهدف من وجهة نظر لبنان الى تحرير الاسرى واستعادة مزارع شبعا ومنع الانتهاكات الاسرائيلية لاجواء لبنان والتقيد بأحكام اتفاق الهدنة لعام 1949، أو بالأحرى اذا دفعت هذه الحرب اللبنانيين وخصوصاً مقاومتهم الى الاقتناع بهذه الاهداف وتالياً بتبنيها، فإن تحرك المجتمع الدولي والاقليمي قد ينجح في تحقيقها في شكل أو في آخر. واذا كان الهدف منها من وجهة نظر اسرائيل اخضاع لبنان واستباحته وضرب نسيجه الوطني والاجتماعي وجره الى مواقف مستحيلة فإن النهاية ستكون مزيداً من الدمار في اسرائيل وتدميراً كاملاً للبنان. أما اذا كان الهدف "اللبناني" ومن ورائه الهدف الاقليمي ازالة اسرائيل او وضعها على طريق الزوال، علماً ان ذلك قد يكون امنية عند تسعة وتسعين في المئة من العرب والمسلمين، فان تحقيقه لن يتم على الاقل الآن أو في المستقبل المنظور وقبل تغير الوضع الدولي والاقليمي وميزان القوى المسيطر على العالم. وما قد يحصل بدلاً منه سيكون ويا للاسف زوال لبنان. في أي حال ان الحرب الدائرة حالياً هي حرب ارادات وخصوصاً بين لبنان وتحديداً "حزب الله" واسرائيل. فارادة الحزب ومقاومته هي "الاستشهاد" واعطاهم ذلك ويعطيهم في استمرار قوة ودفعاً كبيرين في معركتهم. اما ارادة اسرائيل فلا تزال غير واضحة حتى الآن. فهل تملك ارادة الموت أي ارادة التضحية بجنودها وبمواطنين منها لربح المعركة الدائرة؟ طبعاً نحن لا نحرض اسرائيل على حسم المعركة لأن الثمن الكبير الذي لن يعوض أبداً في هذه الحال سيكون لبنان، لكننا نعرض الواقع. ونتمنى أن يدفع سير العمليات العسكرية أولاً اسرائيل الى الاقلاع عن وهم اعتبار لبنان ضعيفاً وساحة لها والى التجاوب مع حلول ثابتة للأزمة الراهنة تلافياً لتجددها، وثانياً ان يدفع المقاومة الى التمييز بين الاستشهاد والانتحار وخصوصاً اذا كانت مفاعيل الثاني تشمل البلاد كلها. وثالثاً ان يدفع القوى الاقليمية المتصارعة وهي معروفة الى الاقلاع عن استعمال لبنان ساحة لمشروعاتها واهدافها والى مواجهة بعضها بعضاً مباشرة اذا كانت تملك القدرة والجرأة على ذلك لأن لبنان لم يعد مفيداً لأي منها. ورابعاً ان يدفع المجتمع الدولي وتحديداً زعيمته اميركا الى اخذ الامور في لبنان بجدية وعدم الاستخفاف بحياة الناس وبكل العوامل المؤثرة في الوضع اللبناني.