بات واضحا ان اسرائيل لن تواصل حربها العسكرية على لبنان و"حزب الله" بغية تحقيق الاهداف التي وضعتها وابرزها "تفكيك" هذا الحزب والقضاء على ترسانته الصاروخية الكبيرة وتهميش دوره السياسي – العسكري مستقبلا نتيجة انقلاب اللبنانيين عليه وخصوصا في اوساط جمهوره الشيعي بعد الدمار والخراب اللذين حلا بهم وبالبلاد عموما عقب عملية خطف الجنديين الاسرائيليين في 12 تموز الجاري التي يعتقد كثيرون حتى من مؤيدي الحزب انها لم تكن مدروسة جيدا من حيث نتائجها وانعكاساتها السياسية والعسكرية على لبنان. ولا يعكس عدم مواصلة الحرب المشار اليها كرم اخلاق من اسرائيل او صحوة ضمير بعد التدمير المنهجي الذي قامت به ولا تزال تقوم به للبنان، بل يعكس امورا اخرى لها علاقة بالواقعية في السياسة التي لا يبدو ان الراديكاليين اللبنانيين والعرب والمسلمين مؤمنون بها او يعرفون عنها الشيء الكثير وفي مقدمهم "حزب الله". الامر الاول، هو ادراك حكومة ايهود اولمرت ان "كسر" المقاومة الاسلامية في لبنان في صورة نهائية صعب جدا ومكلف جدا. وعدم استعدادها لدفع تكلفة هذا الكسر التي قد تفوق ربما اي تكلفة دفعتها اسرائيل سابقا في حروبها مع العرب منذ قيامها عام 1948 واخيرا في لبنان منذ اجتياحها اياه عام 1982. وقد يكون السبب في ذلك اقتناعها بان المردود السياسي النهائي الذي تطمح اليه على المستوى الاقليمي قد لا يتحقق. فلماذا خسارة الارواح اذاً ومعها الخسائر الاقتصادية الكبيرة رغم القدرة على تحملها؟ والامر الثاني، هو ادراك حكومة ايهود اولمرت ان الموقف الدولي الاقليمي المتسامح حيال حربها على لبنان لا يستطيع ان يصمد كثيرا اذا عجز الجيش الاسرائيلي عن حسم الامور في وقت محدد. وادراكها ايضا ان اصحاب هذا الموقف سيجدون انفسهم مضطرين الى وضع بعض الماء في نبيذهم كما يقال والى الضغط على كل الاطراف لوقف الحرب وخصوصا عند بدء تحولها حربا لا ضحايا فعلية لها في النهاية الا المدنيين ولبنان الدولة "الديموقراطية". والامر الثالث، هو ادراك ايهود اولمرت ان المجتمع العربي الذي مشى مع المجتمع الدولي في معظم موقفه من الحرب الدائرة بما في ذلك تسميته الفريق اللبناني المتسبب بها والفريق الاقليمي المسؤول عنها، لا يستطيع ان يستمر في التغاضي عن تدمير لبنان وعن قتل مدنيين لاسباب كثيرة ابرزها على الاطلاق حرصه على عدم دفع شعوبه الغاضبة جدا الى تحميله مسؤولية ما يجري وتاليا الى محاسبته او محاولة محاسبته، علما ان اي امر من هذا النوع لم يحصل مرة في السابق. انطلاقا من ذلك كله بات واضحا ايضا ان ما يعمل عليه المجتمعان العربي والدولي الآن هو وقف اطلاق النار وايجاد حل لقضية الاسرى اللبنانيين وانكفاء مقاتلي "حزب الله" وسلاحهم الى ما وراء نهر الليطاني واحلال قوة دولية لها "اسنان" اي قادرة على معالجة اي خرق للوضع في المنطقة الواقعة بين الحدود مع اسرائيل ونهر الليطاني بالقوة، على ان يلي ذلك جهد حقيقي لازالة المبرر الرسمي الذي اعتبره كثيرون شكليا لاحتفاظ "حزب الله" بسلاحه وهو الاحتلال الاسرائيلي لمزارع شبعا وما يتبع ذلك من امور. وهذا الجهد يفترض ان يقوم به اللبنانيون اي "الشعوب" اللبنانية وتحديدا قادتها والزعماء من خلال الحوار ولكن طبعا بمواكبة عربية ودولية. وبات واضحا اخيرا ان "حزب الله" صار جاهزا لوقف اطلاق النار ربما في صورة نهائية اذا زال المبرر الرسمي للمقاومة المسلحة وهو احتلال مزارع شبعا وتسليم لبنان اسراه الباقين في السجون الاسرائيلية وخرائط الالغام الاسرائيلية المزروعة في الاراضي اللبنانية منذ 1982 والتوقف عن الاعتداء عليه بانتهاك اجوائه وبحره يوميا. وقد عبر عن ذلك وعلى نحو شبه ملموس احد وزراء "حزب الله" في احدى جلسات مجلس الوزراء الاخيرة التي تجاوز البحث فيها الاغاثة وآلياتها الى الوضع القائم والحلول الممكنة له، طبعا ارتاح الوزراء الى هذا الطرح. لكن "فرحتهم لم تصل الى قرعتهم" كما يقال. ذلك ان الوزير نفسه استطرد قائلا: "لكن هناك مسألة الدفاع عن لبنان" موحيا او ربما قائلا، لا نعرف، ان حزبه سيحتفظ بالسلاح دفاعا عن لبنان اذا اعتدت عليه اسرائيل او اذا فرضت كل الالتزامات التي سبقت اطلاق النار الحالي ولاسيما في ظل استمرارها عدوا للعرب وللبنان وفي ظل استمرار الصراع العربي – الاسرائيلي. هل يعني ذلك ان الحزب لن يتخلى عن سلاحه في المطلق؟ ام انه يتخلى عنه اذا توصل اللبنانيون من خلال حوار بناء بينهم الى سياسة دفاعية شاملة؟ وهل الحوار حول هذا الامر يمكن ان يكون منتجا؟ وهل يستطيع "حزب الله" ان يتجاوز تحالفاته الاقليمية المعروفة وان يسهل أمور لبنان في حال فرضت هذه التحالفات تسخينا جديدا للاوضاع؟ طبعا، لا اجوبة جاهزة عن اسئلة كهذه واخرى كثيرة غيرها. لكن الخوف هو ان يكون "حزب الله"، رغم كل ما حل بلبنان منذ 12 تموز الجاري، لا يزال مصراً على الاحتفاظ بسلاحه وعلى استمرار "الغياب" المزمن للدولة عن قرارات الحرب والسلام وعن ممارسة السيادة الوطنية ومعها المسؤولية عن شعب لبنان بل شعوبه، علما ان الإنصاف يقتضي الاشارة الى ان مسؤولية هذا الغياب يتحملها اليه، بل قبله، لاعبون اقليميون كانوا ولا يزالون حلفاء استراتيجيين له. فالدولة العادلة والمتوازنة هي الضمان الوحيد للبنانيين. واصرار فريق، وإن كبيرا، على البقاء دولة داخل الدولة، سواء مستقلة عنها او مؤثرة فيها او ضاغطة عليها، يعني ابقاء ابواب عدم الاستقرار في لبنان مشرعة بل يعني تحديدا امرا من اثنين. الاول، عودة البلاد الى الفتن الداخلية. والثاني، عودة كل من الشعوب اللبنانية الى ممارسة سياسة حماية نفسه سواء بالسلاح او بالتحالفات التي تتعدى حدود لبنان. وفي ذلك نهاية للبنان. في النهاية نقول بقدر ما اثار صمود مقاتلي "حزب الله" في الحرب الدائرة وشجاعتهم وترسانتهم المسلحة وتحديدا الصاروخية اعجاب اللبنانيين بقدر ما اثار فيهم حزنا لان ذلك كله لم يُجيّر للدولة التي تظلل الجميع وتاليا لم يمنحها القوة لممارسة سيادتها في وجه الجميع من داخل ومن خارج. وبقدر ما اثار فيهم قلقا وخصوصا اذا انتهت المهمة الاقليمية او الدولية للسلاح المذكور واذا صار الداخل وجهته، وذلك امر محتمل رغم تأكيد اصحابه رفضهم هذا الامر، ورغم تصديق اللبنانيين تأكيدهم، ذلك ان التحكم بكل التطورات لا يكون متاحا دائما.