سمير عطا الله..... النهار

ليكتب احدنا كل يوم، في كل الاحداث، يمنحه قلمه حرية خيالية شبيهة بحرية بساط الريح، تأخذه الى كل مكان. ويشكو بعض الكتاب احياناً مما يسمونه مأزق الورقة البيضاء. معهم قلمهم وامامهم دفتر ولكن لا شيء يكتبونه. يمزقون الورقة بعد الاخرى والكدسة بعد الاخرى، ثم لا شيء. عندما يحترف الكاتب يشعر انه تخطى هذا المأزق. وإن وجد ورقة وقلماً عثر على ما يكتبه، وفجأة يقفز امامه الموضوع المحظور: بلده ووطنه وأرضه. هل الوطن والارض مجرد ورقة وقلم روضّهما ايضاً الاحتراف المهني؟ هل طوابير الهجرة والرحيل وبوسطة مروحين مجرد تعليق او تحليل آخر؟ هل البواخر المبحرة، مرة اخرى، منديل يبكي ام موضوع للكتابة؟ من الصعب ان تكتب وانت في طابور. لقد عذبتنا هذه الارض لكثرة ما ودعناها، وما استقبلتنا. وفي الماضي كانت تنذرنا. كنا نرى الغيوم آتية وصبية الدمار يشعلون حرائق الفتنة. وكان محترفو النعي ينعون، وتجار الدمار يطلقون ابواق اريحا. ولكن هذه المرة، فجأة، تقررت ازالة لبنان.

وقد كان بعض تعزيتي في هذه الحالة الشرقية الملازمة من القلق والعجز، كتاب حليم بركات "المدينة الملونة"، وهو تاريخ وجداني وطني (بالمعنى الاهلي) لسيرته، وسيرة بيروت، وسيرة جيل عربي ولد مع الاستقلال، وأفاق على النكبة، وعاش مع الخيبة. يكبرني حليم بركات بعشر سنين تماماً. وأدوّن هذا التفصيل، الذي يبدو غير ضروري، كي أقول إننا من مرحلة واحدة، وجيل واحد ومناخ حياتي كثير التشابه. وكان اكثر ما يجمع اولاد تلك المرحلة، اتساع الأمل والحلم والشعور بأن التغيير سهل، ولا ينتظر سوى انضمامنا الى الجماعة، فالله معها. كان حليم بركات، استاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة الاميركية (كانت تسمى "الجامعة" دونما حاجة الى توضيح)، جاء الى بيروت عام 1942 من الكفرون، في سوريا. تقدمته امه، هو، وشقيقته ندى وشقيقه كمال. وعثرت الام على عمل في فرن، وعلى غرفة للعائلة في مستودع سابق للحطب في رأس بيروت. اما هو، حليم بركات، فكان يعمل في الصيف صبي مصبغة في شارع المكحول، وفي بقية الفصول يسعى الى ان يكون جزءاً من مدينة تضم كل الشرق ولا تشبهه.

أين في غير بيروت، يصل مهاجر كفرون الصغير وصوت قبقاب شقيقته يوقظ المدينة، ومن ثم يصير في المدينة مواطناً وفارساً وشاعراً وعاشقاً، ولا يعود له من الكفرون سوى المثوى الذي اشتراه ليكون حديقة لموته؟ كان حليم بركات جزءاً من صورة بيروت التذكارية على منصة الحلم: هو وأدونيس ومحمد الماغوط وخالد قطمة ونذير العظمة وصادق جلال العظم وسواهم. وكان هؤلاء جميعاً، تلامذة كباراً عند انطون سعادة، ورفاقاً ناشئين لغسان تويني وانيس صايغ وسعيد تقي الدين. ومثلما كان البعثيون يأتون الى بيروت ليحلموا بعالم عربي حر ومتقدم، هكذا جاء القوميون. وكان اكثرهم هامات شعرية وأدبية وفكرية سوف تأخذ من بيروت عطرها وسوف تقطف من ياسمينها وتجعله تاجاً لها. قوميو سعادة، وبعثيو عفلق، وعروبيو حبش، وشيوعيو انطون ثابت، حلموا حلماً واحداً متعدد الرؤية: عالم لا يرفع فيه المواطن راية القبيلة والطائفة والعشيرة، بل علم الانصهار الوطني. لا يكون فرداً في حزب بل فرداً في حلم. لا تكون الطائفة هي الحل، وانما الخروج منها والخروج عليها، من اجل البقاء في الدين كانتماء عميق، يتخطى ضعف الانسان واشياءه الصغيرة الى قوة الايمان ورفعة الفكر ونعمة التقرب من عبقرية الخلق.

جاء ادونيس الى بيروت وغنى لها. وجاء الماغوط وغنى. وجاء نزار قباني في ما بعد وغناها. ولن تنتهي هجرة الشعراء اليها. فسوف يأتي محمود درويش من جبل الكرمل ويقف في الزمرة العاشقة ويغني. ولكن لماذا جاؤوا جميعاً اليها؟ لانها مدينة كان الحلم فيها مسموحاً والسجن السياسي عابراً، لا مؤسسة. مدينة تمنح نسخة من مفتاحها على البوابة لجميع القادمين: ادخلوا الى فرح جميلتكم. وقد شعر كل حالم انه يستطيع ان يحول هذه الدمية الطيّعة الى ما يشاء. ان يتركها الى غلالتها في الليل، وان يلبسها ثوب النضال في الفجر. وشعر القوميون المسيحيون خصوصاً، بأنهم هنا لن يكونوا غرباء. وان عروبتهم وانتماءهم الى الارض لن يصنفا عابرين. فالحقيقة انهم، من أجل حب الارض، يريدون ان يكونوا مسلمين. ولكن مسلمين تبقى مسيحيتهم فيهم ولا يرفضونها ثمناً لعروبتهم. لذلك اختاروا طريق "العلمنة". ليس ضد الدين، بل من أجل ان يكون في الحلم الكبير متسع لجميع الامة. سواء كانت "عروبية تضم مصر، او بعثية تحذرها، او "قومية" ترفض الذوبان فيها.

"المدينة الملونة" مفكرة عمر ويوميات مرحلة. ومرآة مهشمة في حنان، يجد فيها كل من جاوز الستين من ابناء الحقبة وثقافتها، حكاية نفسه وحكاية نشوئه، وحكايات غربته الداخلية التي عبّر عنها الشاعر الياس مسوح في عنوان جارح ومأثور: حنان، يا اصدقائي". بحث كل منا عن اوراقه بين اوراق حليم بركات. بل احياناً يخطر له انه يبحث حتى عن اوراقه ايضاً، في هذه المدونات التي لا تتعب، والتساؤلات التي لا تنتهي. يغادر حليم بركات، البسيط، المتواضع، الفائق الهدوء، يغادر بيروت عام 1975 ليصبح استاذاً في جامعة جورج تاون". لكنه يظل يعود، بين حين وآخر، ليس كمواطن من راس بيروت، الحي الذي أعطى العاصمة الوانه وهويته، وانما كأستاذ للعلوم الاجتماعية. اراد ان يعرف لماذا حدث كل هذا الذي حدث. لماذا يتغير الناس. لماذا يرفض لبنان ان يكون، من أجل ان يقوم؟ لماذا هذه العطوبة في النفس اللبنانية؟ هذا التمادي في الهجرة، هذه المبالغة في الصمود، هذا التراخي في البقاء، هذه السهولة في الانصهار، هذه الاستحالة في الاتفاق. لماذا كل هذه التناقضات والتواريخ المتضادة في بلد لا تزيد مساحته على شرفة برية جميلة في الارجنتين؟

لا يعثر على جواب. يرى فقط مشهدا عنيدا يتكرر: مدينة مثل جرح ملعون، يرفض ان يلتئم. ووطن مخلّع. وامة لا تكف عن التدهور. وعندما يكتب ميخائيل نعيمة ان اسوأ انواع الاستعمار ليس الاستعمار الخارجي، بل هو الذي في داخلنا، من يتصدى للرد عليه؟ مجلة "العربي" في الكويت التي ستصبح المثال الاكثر درامية على فظاظة الاستعمار الداخلي. يتلاشى الحلم قليلاً قليلاً قليلا. ومعه يذوي الامل المدني أو الاهلي أو القومي أو الوطني أو العلماني. وتتحول احزاب الأمل الى تجمعات لا معنى لها، في ظل القيادات الدينية التي تحقق وحدها خرقاً لحالة السبات: الاخوان المسلمون في مصر يستعيدون ما افقدهم اياه سحر الناصرية. العراق يتمزق، الا في حضرة المراجع الطائفية. في فلسطين تسقط "فتح" الحاضنة لتقوم "حماس" الاحادية. وفي لبنان تتصدر الزعامات المسيحية والاسلامية المقاومة السياسية أو العسكرية.

وماذا عن المهاجر القادم من الكفرون في العاشرة من العمر؟ ماذا يحدث لمدينته التي كانت تصوغ الاحلام وتحققها؟ وماذا عن بيروت التي كان فيها صبي المصبغة يكدَّ فيصبح استاذاً لعلم الاجتماع في المبنى الموازي لشارع المكحول؟ ماذا حدث للمدينة التي كان فيها جورج حبش زعيماً لحركة القوميين العرب و"الجبهة الشعبية"؟ لماذا خسر المدنيون معركة الحلم العربي وربحها قادة الطوائف؟ لا جواب طبعا في "المدينة الملونة". فهذه الصفحات الخمسمئة، ليست جوابا وجودياً بل تضخيم للسؤال الوجودي المعتل والممل. رحلة قطعها مهاجر خارق التواضع والكبر النفسي، بادئاً بسؤال: من اين الطريق الى حضارات الامم، الى سؤال من اين الوصول الى زاروب المكحول دون حاجز او قصف او سبت اسود. او يوم اسود طويل على مدى الامة والعمر؟