السفير

بعث المسؤولون الإسرائيليون العديد من الرسائل الإعلامية والدبلوماسية إلى سوريا والتي تفيد بأنها ليست في وارد الصدام معها. بل ان معلقين عسكريين إسرائيليين من وزن زئيف شيف أكدوا في عدد من مقالاتهم على أن من الإنجازات الإسرائيلية، حتى الآن، النجاح في منع وقوع الصدام مع سوريا. ومع ذلك فإن كثيرين في إسرائيل يعتقدون أن الحرب مع سوريا شبه محتومة وأن هناك استعدادات كبيرة لذلك. ويعمد المعلقون من أصحاب هذا الرأي إلى الإشارة إلى التناقض بين الاتهامات الإسرائيلية المتكررة لسوريا بتزويد حزب الله بالصواريخ وبين الإعلان عن أنها غير مقصودة بالحرب. كما أن اللهجة التي يتحدث بها عدد من الساسة والمعلقين تظهر أن سوريا حاضرة بقوة بين أهداف هذه الحرب. وقد أشار المراسل العسكري ل<يديعوت> اليكس فيشمان إلى أن <سوريا في حالة تأهب للحرب وعلى اقتناع بأن إسرائيل على وشك مهاجمتها يوميا. ولكن بشار الأسد يواصل التصرف كمغامر صبياني ومقامر استحواذي. فسماحه بإدخال شاحنات الذخيرة للبنان هذا الاسبوع يشير إلى أنه ما زال يعتقد أن مواصلة الضغط على الجبهة الداخلية الإسرائيلية سيمنع إسرائيل من مهاجمة سوريا. وتقوم دوائر أميركية بحثّ إسرائيل بشدة على مهاجمة سوريا. واسرائيل بدورها هي التي قررت ترك سوريا خارج اللعبة. ولكن الطريق نحو التدهور على الجبهة السورية قصير>. ومع ذلك من الصعب فهم الموقف الإسرائيلي من سوريا في إطار أهداف الحرب من دون العودة إلى الأيام الأولى. ففي اليوم التالي لعملية الوعد الصادق كان هناك شبه إجماع في الحلبة السياسية الإسرائيلية على أن الضربة الموجعة لدمشق وطهران تتمثل في القضاء على حزب الله. وكان هناك من يرى أن هذه الضربة يجب أن تتم من دون الاضطرار لفتح جبهة ثالثة ضد سوريا. غير أنه بالمقابل كانت هناك أصوات داخل الجيش وخارجه تطالب بضرب سوريا. وبين أبرز الأصوات التي دعت منذ اللحظة الأولى لضرب سوريا كان <زعيم اليسار الإسرائيلي>، رئيس حركة ميرتس يوسي بيلين الذي كتب مقالة في <معاريف> أشار فيها إلى أنه <كما كنت من قادة النضال من أجل الخروج من لبنان، قلت آنذاك رأيي ولم يتغير: منذ اللحظة التي خرجنا فيها من لبنان إلى آخر سنتيمتر من الحدود الدولية، ازداد حقنا في العمل في الشمال لمقاومة كل من يرفع يده على إسرائيل>. وقد اعتبر بيلين أن الهجوم على البنى التحتية اللبنانية ومعامل إنتاج الطاقة خطأ لا ينبغي لإسرائيل الوقوع فيه لأنه عقاب جماعي. وأنه مقابل ذلك فإن <العملية المباشرة ضد حزب الله هي أكثر الأمور إلحاحاً؛ ولست من يرفض أيضا عملية موجهة إلى أهداف عسكرية في سوريا. فسوريا هي الجهة التي تسمح بنشاط حزب الله في لبنان، والتي تمنع نزول جيش لبنان إلى الحدود الإسرائيلية اللبنانية. سوريا هي المفترق الذي تلتقي عنده المنظمات الإرهابية الفلسطينية بالمنظمة الإرهابية اللبنانية، في حين تتأرجح الإدارة نفسها بين التشجيع المعلن وغض الطرف وتشجيع الهدوء>. وفي اليوم نفسه طالب معلق يعبر عن رأي أوساط يمينية هو الدكتور غاي باخور الذي كتب في <يديعوت> أن إسرائيل تتعرض لحرب من جبهتين. وأن قيادة هذه الحرب موجودة بعيدا <يعلم الجانب العربي أن قواعد اللعب مصانة: فهو لا يُعرض أبدا قيادته للخطر، ولا استقراره ولا قدراته على الاستمرار في استنزاف إسرائيل>. وأشار إلى أن <الوقت حان لتغيير قواعد اللعب>. وكتب أن <المسؤولة المباشرة عن التصعيد في قطاع غزة وفي جنوبي لبنان هي سوريا. وقد حذر كاتب هذه السطور في الماضي، أنه طالما بقي الرئيس بشار الأسد ونظام حكمه على حاليهما، فلن يتحقق استقرار، لا مع الفلسطينيين ولا مع اللبنانيين، وسيستمر العراق في تجريب حرب أهلية شديدة وسيعاني الأردن أيضا من دس لا ينقطع. لا يوجد الكثير من المعنى للإصابات داخل قطاع غزة إذا كانت قيادة حماس تمكث محمية في دمشق، وإذا كانت سوريا تعلم أنها تصرف الانتباه إلى إسرائيل>. ويشدد باخور على أنه <في اليوم الذي يحصل فيه النظام في سوريا على توضيح عسكري لا يحتمل اللبس، من إسرائيل أو من الولايات المتحدة، بأن استقرار الحكم العلوي مُهدد ستنقطع عمليات حماس وحزب الله الموجهة إلى إسرائيل، في اليوم نفسه. أما إذا لم تحدث الضربة فإن العمليات ستزداد قوة... منذ 1973 عرف الجانب العربي كيف يستغل ضعف إسرائيل: محاربة الإرهاب داخل سكان مدنيين. لهذا لا تنتصر إسرائيل. حان الوقت لنقل القتال إلى جانب يقوى فيه الجيش الإسرائيلي: القتال التقليدي. تجب محاربة نظم الشر في المنطقة، وردعها كذلك>. ويخلص إلى أن الواقع يتطلب <تغيير قواعد اللعب في الشرق الأوسط وجود حلف مع ائتلاف أميركي غربي، في حين تكون الصلة واضحة بين الاستقرار في إسرائيل وبين الاستقرار في العراق أو في سوريا، التي تستحق أيضا نظاما جديدا، حتى لو لم يكن مستقرا في بدايته>. غير أن مثل هذه الدعوات أثارت اعتراضات من جانب معلقين آخرين. وقد كتب عاموس غلبوع وهو من رجال الاستخبارات سابقا، في <معاريف>، أن الساسة والمعلقين الذين يطالبون بضرب سوريا لا يقدمون <نصيحة متزنة> كما أن هذا كلام عديم المسؤولية. ويعدد أسباب وجوب مواصلة الحكومة الاسرائيلية لموقفها الحالي من سوريا: أولا: كل إجراء عسكري موجه إلى سوريا، وإذا توسع يقيناً سيقود إلى إطلاق الصواريخ السورية على دولة إسرائيل (من هضبة الجولان حتى غوش دان). ثانيا: كل الجبهة الداخلية لدولة إسرائيل ستصبح جبهة متقدمة. لن تكون نبياً لتدرك أنه ستكون هنا كارثة. جبهتنا الداخلية في الشمال تصمد لأنها تعرف أن حربنا عادلة، ولا خيار. فما الذي سيُثّبت جبهة غوش دان الداخلية؟ ثالثا: ستكون النتيجة المصاحبة الأخرى كما يبدو انهيار الاقتصاد وهروب المستثمرين الأجانب. وهو يمشي مشياً وئيداً الآن، وسيسهل إذاً أن نتكهن ماذا سيحدث عندما يكون المركز المالي ومركز ال<هاي تيك> الإسرائيلي تحت وابل الصواريخ. رابعا: الصدوع الدقيقة التي تبدو في حكومة إسرائيل، ستتسع اتساعا ملحوظا. سيتحطم الإجماع الحالي الهام الذي يميزنا كثيرا الآن. خامسا: إن من يعتقد أن هذا سيكون سهلا، يبدو أنه يعيش في عالم الأغبياء. في الحقيقة أن الجمهور قد قُدم إليه لسنين رأي فحواه أن الجيش السوري صدئ وقديم وضعيف. لكن هذا صحيح جزئيا فقط. سيكون من الصعب القضاء على نظام الصواريخ السوري، ويجب أن نتذكر أيضا أن سلاح الجو في لبنان يعمل في واقع الأمر وحيدا. وستكون القصة مغايرة في سوريا. سادسا: إذا كنا نتمتع الآن بحرية عمل دولية وبأن الدول العربية صامتة، فإن مهاجمة سوريا ستُغير هذا الوضع بمرة واحدة. ربما يسعد الأميركيين أن تقوم إسرائيل بعملهم في سوريا، ولكن هل نحن <الهندي الأحمر> الذي يُضحي بنفسه من أجل سيده؟ سابعا: هل قلنا شيئا عن رد إيراني محتمل؟>. ويطالب غلبوع بالعمل مع الولايات المتحدة والدول العربية لإبعاد سوريا عن <محور الشر>. ويخلص إلى أن <هذا غير سهل بالطبع، وهناك صعوبات كثيرة، لكن دبلوماسية كهذه، حتى إذا فشلت، ستكون أفضل دائما من مغامرة عسكرية موجهة إلى سوريا. تعالوا نحصر اهتمامنا في حزب الله!>. وهذا تقريبا موقف رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الأسبق أوري ساغي الذي تولى مسؤولية ملف التفاوض مع سوريا في الماضي. وفي مقابلة مع صحيفة <هآرتس> بدا ساغي معارضا لدعوة بيلين ضرب سوريا واعتبر أن التفاوض معها هو الخيار الأفضل. وأشار عكيفا ألدار الذي أجرى المقابلة مع ساغي إلى أن <ساغي يدّعي طوال سنوات أن التوصل إلى اتفاق مع الدول العربية، ومن بينها سوريا أسهل من عقد التسوية مع الفلسطينيين، ذلك لأن الصراع معهم مفتوح في قضية الأماكن المقدسة والعقيدة. <تخيل بينك وبين نفسك لو أننا خضنا الصراع مع حزب الله وحماس، بينما كانت لنا اتفاقية سلام مع سوريا ومصر والأردن>. ساغي يذكر أنه كان قد تم الاتفاق خلال المفاوضات مع سوريا على إغلاق مكاتب المنظمات الإرهابية الفلسطينية في حال التوصل للاتفاق. هو يذكر أن الأسد كان صعب المراس في المفاوضات، إلا أنه كان يلتزم بكل كلمة يوافق عليها>. ويقول ساغي <أرجو أن لا تفهموا من قولي هذا أنني أعتقد أن السوريين صدّيقون، ولكنني أعتقد أننا لو تفاوضنا معهم وأقنعنا أميركا بمساعدتهم اقتصاديا وإعفاء الأسد من قضية الحريري، فإن بإمكان سوريا، مع كل ضعفها، أن تكون عامل استقرار في المنطقة>. في ذروة المعارك الصاروخية يُصر ساغي على أن الاستقرار والسلام هما <عامل أمني من الدرجة الأولى>، ومن لا يُصدق قوله هذا عليه حسب اقتراحه أن يذهب للتنزه على حدود مصر والأردن. ويعتبر ساغي القطيعة مع سوريا <خطأ قاتلا>. إسرائيل حسب رأيه تسير مثل الأعمى خلف الأميركيين الذين يعتقدون أن من الممكن تجاهل سوريا، لأن وزنها قد تناقص. وهو يرى أن إسرائيل، لشدة الأسف، أغلقت قناة الحوار مع دمشق منذ ايهود باراك، وفقدت رافعة التأثير على حكومة لبنان. <إسرائيل تشعر بالإهانة، ولذلك تستخدم القوة في لبنان. وهذا مهم، وربما ضروري، ولكن من دون تسوية جديدة في لبنان ستذهب مكاسب مثل هذه العملية هباء منثورا. كل واحد يدرك أن الأطراف الوحيدة القادرة على تغيير التسوية هي سوريا وإيران>. ويشدد ساغي على اقتناعه بأن <مفتاح المشاكل الأمنية الإسرائيلية البعيدة المدى موجود بيد سوريا، بالإضافة إلى إزالة التهديد السوري ذاته وعقد التسوية مع لبنان وفتح نافذة من خلالها نحو إيران>. وتتزايد في إسرائيل الأصوات الداعية إلى التفكير باستقلالية بعيدا عن التصورات الأميركية لأهداف الحرب. وهكذا فإن اسحق ليئور في <هآرتس> يكتب عن التداخل بين البعدين فيشير إلى أن <مدير قسم الشرق الأوسط في اللوبي اليهودي في أميركا عيران ليرمان، يوصي من الآن بشن الحرب على سوريا. من يصغِ إلى الأحاديث حول الحاجة لمهاجمة سوريا (باسم <الاستراتيجية>) يدرك أن الاستراتيجية بالنسبة لهؤلاء الناس تعني توسيع دائرة القتال بما في ذلك ضرب السكان. ما لدى <الاستراتيجية> في إسرائيل هو اقتراح تدمير بلد آخر. علينا أن نتجنب ظهور جيل من الزعران تتلمذ على يد جنرالات التلفاز، وأن نبتعد عن الجرائم التي تُنفذ باسمنا جميعا. يكفي أن نرى تدمير العراق وما نجم عنه. الأميركيون لا ينوون العيش هنا، أما نحن فنعيش هنا>.