الغد

ثلاث أسابيع من المعارك بينما يرفض البعض وضع الحدث في إطار الحرب ... بينما يظهر الجهد الدولي في إعطاء ما يحدث سمة خاصة تحمل "شرق أوسط كبير" ... أو ربما أصغر مما نتوقع لأنه يرسم الجميع على مساحة صغيرة من العمل السياسي القادر على اجتزاء الجغرافية، أو وضعها في سجن من "الأحلام" المريضة، بينما تتسع الحرب في الفكر الاستراتيجي بعيدا عن التصريحات التي قتلتنا قبل أن تبدأ الطائرات بالقصف. وخلال يومين هناك وعود أمريكية بوقف إطلاق النار .. وهناك صور إسرائيلية عن حسم يستغرق أسبوعا أو أكثر، وليس مهما من نصدق لأن علينا في البداية حسم المعركة داخلنا، أو الاقتناع بأن ما نقدمه من أجساد اللبنانيين أو شهداء حزب الله لن يكون كافيا حتى نفكر بالمستقبل، بل ربما علينا إعادة النظر بالصورة التي نرسمها لأنفسنا بعد أن سرقتنا أحلام الديمقراطية أحيانا أو "السلام" تارة أخرى، بينما يفكر البنتاغون بـ"شرق أوسط كبير" لا نعرف ماذا يحمله، أو لم نحاول التفكير بجدية بأن آلياتنا "السياسية" تحتاج إلى أكثر من التصريحات والرغبة بوقف إطلاق النار حتى نعرف ماهية هذا "الشرق الأوسط".

المشاهد الإعلامية كانت رائعة ... وربما القدرة على خلق صور متناقضة، لكن الفشل الحقيقي اليوم هو عدم قدرتنا على "الوعي" ... لأن صخب الشارع غضب وليس وعيا قادر بالفعل على رسم اتجاهات لاستيعاب ما يحدث ... بينما تظهر سخرية السياسة وكأنها الرهان الأخير بأن الطاقة الاجتماعية غير قادرة على رسم ملامح للمستقبل، وسيبقى الغد في أفواه القادرين على الحديث أمام الميكرفونات وعدسات الفضائيات.

إذا كانت الحرب الحالية تكرارا لكل الحروب فإنا رغم كل "الانتصارات" ستفشل في وضع المستقبل أمامنا ... وإذا كانت ردة للماضي فإنها ستحيل كل أحلامنا إلى زاوية منسية ... ولأننا قادرون على رؤيتها اليوم بشكل مفصل عبر "شبكة المراسلين" فإننا لا نستطيع البقاء مشاهدين، وكأن ما يحدث دراما تنقلها هوليود لمدمني الفضائيات.

وعود وقف إطلاق النار مرعبة أكثر من حجم القتل لأنها تضع الاستحقاق السياسي أمامنا ... بينما لا تبشر المؤشرات السياسية بأي لون جديد طالما أن الغطاء الحقيقي للمقاومة مازال يتشكل، أو ربما يتمزق من التصريحات التي تزرع القلق فينا ثم تتدعنا نراقب المعركة لأنه اللون الوحيد الذي حرك فينا الغضب ... وربما يدفعنا للوعي ...