في الوقت الذي كانت وسائل الاعلام تكشف عن مذكرة سرية للسفارة البريطانية في بغداد تتوقع نشوب حرب اهلية في العراق، كان قائد القيادة المركزية الاميركية الجنرال جون ابي زيد لا يستبعد هو الآخر انزلاق العراق الى حرب أهلية.

لكن هذا لا يمنع طوني بلير من الاصرار على ان الحروب الدائرة، من افغانستان الى العراق فلبنان وفلسطين، لا تهدف فقط الى تغيير الانظمة وانما ايضاً الى "تغيير القيم"، ولا تمنع جورج بوش من تصنيف الحرب التي تشنها اسرائيل على لبنان بانها جزء من الحرب على الارهاب في العالم، وعلى انها حرب بين المدافعين عن الحرية وكارهيها. وهذا هو الشعار الذي يردده بوش منذ شن الحرب على افغانستان عقب هجمات 11 ايلول 2001.

وغداً سيتباهى بوش، على جاري عادته ، بانه تمكن من تعميم تجربته "الناجحة" في العراق على لبنان ، وانه يريد نقل هذا "النجاح" ايضاً الى سوريا وايران وفلسطين. وغداً سيقول بوش، كما كان يقول عن العراق، ان لبنان بات "الجبهة المركزية في الحرب على الارهاب". بل ان وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس ترى ان شرق اوسط جديداً يتشكل على انقاض المجازر التي ترتكبها اسرائيل في لبنان. وربما من اجل تسهيل ولادة هذا الشرق الاوسط الجديد، تمنع اميركا مجلس الامن من اتخاذ قرار بوقف فوري للنار في لبنان.

ومرة اخرى الرهان الاميركي هو على الوصول الى حال "الفوضى الخلاقة" في كل دول المنطقة، التي تعتبرها ادارة بوش افضل من حال الاستقرار، التي تعتقد انها كانت السبب في نشوء التطرف الاسلامي الذي قاد الى 11 ايلول 2001، علماً بأن مآثر "الفوضى الخلاّقة" بادية للعيان في العراق وافغانستان.

والى ان تتغير القيم التي يسعى بلير الى تغييرها، والى ان ينتصر بوش في حرب الافكار التي ينادي بها، فإن المعركة تبدو طويلة جداً، مع ما سيسفر عنه ذلك من حروب مفتوحة لا قرار لها، ومهما طالت فإنها لن تأتي بالديموقراطية الموعودة ، ولن تنشر سوى القتل والدمار والمجازر والحروب الاهلية.

وما دام شعار الحروب الاميركية هو الصراع بين الخير والشر، فإن الافق السياسي يبقى مسدوداً. إذ انه من وجهة النظر الاميركية، ايران دولة ترعى الارهاب ويجب حرمانها التكنولوجيا النووية، وسوريا هي ايضاً دولة راعية للارهاب في التصنيف الاميركي وتالياً يجب عزلها ومعاقبتها، اما "حزب الله" و"حماس" فهما في التصنيف الاميركي حركتان ارهابيتان ولا تعبّران عن واقع سياسي. ويتعمق هذا المأزق مع اصطفاف اوروبا وراء الولايات المتحدة في التعامل مع قضايا الشرق الاوسط، ولا سيما في لبنان وفلسطين بحيث يبرز التطابق التام تقريباً في عزل "حماس" والمطالبة بتجريد "حزب الله" من السلاح، من دون حصول اللبنانيين او الفلسطينيين على اي ثمن سياسي يتمثل في الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي اللبنانية والفلسطينية.

فضلاً عن ذلك يعتبر بوش ان "حزب الله" و "حماس" هما "جذر المشكلة" في الشرق الاوسط، وان لاسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها. ولا يبدو ان بوش ميّال الى الاقتناع في يوم من الايام بان الاحتلال الاسرائيلي هو جذر المشكلة، فان الكثير من الحروب ستجري في المنطقة بينما فكرة الشرق الاوسط الجديد ستبقى شعاراً يبحث بوش عنه كما بحث عن اسلحة الدمار الشامل العراقية ليكتشف من بعد انها غير موجودة الا في ذهنه فقط.