ما يجري منذ اسابيع في قطاع غزة، وفي جنوب لبنان يتجاوز في حجمه ودلالاته وآثاره على مستقبل فلسطين ولبنان وجميع الدول العربية – كل ما عرفتُه المنطقة والفته صور العدوان الاسرائيلي الذي تتابعت حلقاته عبر السنين ومن ثم فان التعامل معه من اي طرف عربي في هدوء غير مبرر ومجاملة الاطراف مسؤولية عن العدوان او مشاركة فيه بالتحريض والمؤازرة او حتى بالصمت والإغضاء. هذه المجاملة لن تساعد مطلقا على ردع العدوان، ووقف عملية التدمير والتخريب والابادة التي يتعرض لها الشعبان الفلسطيني واللبناني بل انها لن تؤدي الى اي تحسن – صغير او كبير – في علاقة هذه الاطراف العربية بالدولة التي مارست العدوان، والاطراف الاخرى التي تغاضت او حرضت عليه وشاركت فيه بالمؤازرة السياسية وغيرها من صور المؤازرة.

وهذا التحليل الموجز يهدف الى توضيح امور نخشى ان تغيب عن رؤية الجماهير العربية في ظل الظروف السياسية السائدة داخل الاقطار العربية، والظروف البائسة المحزنة التي يمر بها العمل العربي المشترك والمحنة التي تواجهها الجامعة العربية التي لا تملك، ولا يملك امينها العام ان يتجاوز الحقيقة الثابتة وهي ان الجامعة ظل لأصل لا تملك ان تتجاوزه، وصدى لأصوات متنافرة غير متناغمة لا يتصور ان يصدر عنها لحن واحد له معنى يمكن فهمه او تذوقه.

مواقف الاطراف

_- ونبدأ باسرائيل وحكومتها وجيشها فالثابت الذي لا يقبل اثبات العكس، ان قضية الجنود الثلاثة المأسورين في غزة وعلى الحدود اللبنانية الاسرائيلية، لا يمكن ان تكون مبررا حقيقيا للعدوان الشامل والغزو العسكري الحاشد الذي قامت به اسرائيل، فضلا عن ان يكون مبررا لعمليات الابادة الجماعية والتدمير الشامل للبنية الاساسية ولمرافق الحياة اليومية للشعب اللبناني، في ما يشكل جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وانتهاكا صارخا لحقوق الانسان المقررة في القانون الدولي والانساني في سائر مواثيق حماية حقوق الانسان.

_- وننتقل الى الولايات المتحدة التي يبدو ان ادارتها الحالية التي تسيطر عليها قلة من اقطاب اليمين المحافظ المتطرف قد أدمنت ارتكاب الاخطاء الفادحة في الحساب والتقدير على نحو غير مسبوق في التاريخ الاميركي كله منذ اعلان الاستقلال عام 1776 حتى يومنا هذا. وقد ضربت هذه الادارة الرقم القياسي في اتخاذ القرارات الخاطئة القائمة على حسابات غير دقيقة في زمن قياسي. فمن غزو افغانستان الى غزو العراق، الى مباركة الغزو الاسرائيلي الاخير، ومنحه ضوءا اخضر وتشجيعا لا سبيل الى اخفائه ولا سبيل امامنا لوصفه بغير اسمه الحقيقي وهو انه نوع من المشاركة غير المباشرة في هذا العدوان وعلى الادارة الاميركية ان تتحمل المسؤولية السياسية والقانونية والاخلاقية عنه.

وانا مثل كثيرين عاجز تماما عن فهم تصور بعض السياسيين الاميركيين ان العالم كله وان العالمين العربي والاسلامي سيكونون من الغفلة والسذاجة بحيث يضعون هذه المباركة وهذا التأييد في اطار الحملة العالمية لمواجهة الارهاب متجاهلين ان هذا الامر امر مقاومة مشروعة للاحتلال، وان الحقائق تصل الى الشعوب كل الشعوب من وراء عمليات السعي لغسيل الادمغة وتغيير الحقائق واهمال بعضها واظهار بعضها الآخر على النحو الذي يسوغ ما تقوم به اسرائيل. وفي مقدم هذه الحقائق ان القرار الاسرائيلي بغزو لبنان وتدمير وقتل مئات المدنيين الابرياء منفصل في توقيته واسبابه عن حكاية الأسرى الثلاثة.

وقد اصاب موقف الادارة الاميركية. هذا مجمل الدور الذي تسعى الولايات المتحدة للقيام به باعتبارها القوة الكبرى الوحيدة التي تملك التأثير الفعال على مسار الازمات الاقليمية التي تمتلىء بها الساحة الدولية، وترتب على هذا المسلك الغريب انهيار شبه تام لصدقية الادارة الأميركية في كل ما تقول وما تفعل. واعتقد انه لا يوجد عربي واحد ولا مسلم واحد قادر على فهم اسباب ومبررات الانحياز الكامل وغير المشروط للولايات المتحدة لسياسات اسرائيل وبرامجها واهدافها في المنطقة، او فهم المصالح الاميركية التي يحققها هذا الانحياز غير الاخلاقي الذي صار العرب والمسلمون ينظرون معه الى الولايات المتحدة باعتبارها صديقا قديما جرى اختطافه من جانب قوى يمينية عمياء تملأها رؤى متطرفة تناقض – تماما – كل ما كان يمثله ذلك الصديق القديم في نظر العالم.

_- الموقف العربي: لقد كشفت الاسابيع الاخيرة عن حجم الازمة التي يعيشها العالم العربي، كما تعيشها الانظمة العربية وهي تدير شؤونها الداخلية، وحين تواجه ضغوطاً داخلية وتحديات اقليمية ومناخاً سياسياً عالمياً يتطلب منها أن تراجع اوضاعها السياسية والاجتماعية والثقافية وعلاقتها بشعوبها وبالدنيا من حولها مراجعة شاملة تمكنها من استعادة القدرة على البقاء ومواصلة العطاء. واذا لم يكن من أهداف هذا الحديث أن نتناول بالتحليل والتعليق حالة النظم العربية ومشاكلها فإننا لا نملك – في سياق البحث في الازمة الحادة الراهنة – وفي ظل الارتباط الحتمي بين اوضاعنا الداخلية وقدرتنا على الحركة والتصرف في علاقاتنا الخارجية الا أن نذكر بالحقائق الآتية:

اولاً: ان المبادرة الى الاصلاح الداخلي هي المنطلق الذي لا يستغنى عنه لتحقيق اي نجاح او انجاز في مواجهة التحديات الخارجية. والمدخل لهذا كله ان ندرك جميعاً، حكاماً ومحكومين وانظمة وشعوباً أن الدنيا قد تغيرت من حولنا خلال العقود الثلاثة الاخيرة تغيراً هائلاً وان الجمود على الموجود انتحار بالأمة كلها. ان رياح التغيير توجهنا نحو إشراك الجماهير في صنع مستقبلها وممارسة حقوقها وحرياتها الدستورية. والاعتصام بسيادة القانون قد صار الخيار الوحيد الذي يتيح الخروج من الازمات ومواجهة التحديات وتحقيق التطلعات. واذا جاز لنا ان نستخدم تعبيراً مجازياً لا يبتعد عن الحقيقة لقلنا ان المارد الشعبي قد خرج اخيراً من القمقم الذي حبس فيه ازماناً طويلة، والتاريخ لا يعرف مارداً عاد الى القمقم او أعيد اليه. وهذا المارد الشعبي العربي مارد خير ليس من اهدافه الدخول في مواجهات أو مصادمات مع انظمته وحكامه. وانما هدفه الاكبر في هذه المرحلة هو التساند مع انظمته على اساس عقد اجتماعي يحمي مصالح الأمة ويؤمن المسيرات الوطنية نحو النمو والتقدم والنهضة والسبيل الوحيد لتحقيق أي تقدم على هذه المسارات يبدأ بتحقيق مصالحات وطنية عامة داخل كل قطر عربي، مصالحة تشمل جميع الهيئات والمؤسسات الدستورية وتضم جميع الطوائف والمنظمات الاهلية والاحزاب السياسية وجموع المثقفين والساسة المشتغلين بالهم العام. ان الهواجس الامنية المبالغ فيها والانتماءات الايديولوجية التي صار كثير منها غير منتج، لا يجوز مطلقاً أن تقف عقبة في سبيل تحقيق هذه المصالحات الوطنية التي يتعذر في غيابها تحقيق أي انجاز حقيقي في المستقبل القريب.

ثانياً: ان الحاجة اصبحت ماسة الى اعادة النظر في الأطر المؤسسية التي تمثل الشعوب العربية، وتلك التي تمثل الشعوب المسلمة. وأشير في وضوح الى الجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الاسلامي. واذا كان صحيحاً ما قررناه في صدر هذا الحديث من أن المنظمات لا تملك أن تتجاوز حقيقة الواقع الذي تعبر عنه، وان اصلاحها كمنظمات جامعة سيظل حرثاً في البحر وطحناً في الهواء ما بقيت الاوضاع الداخلية للاقطار العربية والاسلامية على حالها الذي نعرفه، فإن مما صار معلوماً لكل أحد ان مكانة هذه المنظمات عند الشعوب التي تمثلها وصلت الى أقصى حالات التراجع والتدني وربما كانت منظمة المؤتمر الاسلامي أحسن حالاً في الفترة الاخيرة من الجامعة العربية، واذا كانت الازمة الاخيرة القائمة قد كشفت عن عدم جدوى الاستقواء بالاجنبي أو طلب الامان في رحابه، او الاحتماء بصداقته – ولو كانت زائفة – عن خصومته التي لا قبل لنا بتحمل آثارها، فإن النتيجة التي لا مهرب من استخلاصها ان الامن العربي لا يتجزأ، وان النهضة العربية – بدورها – لا تتجزأ، وأن الحاجة الى اصلاح نظام الجامعة العربية والمؤتمر الاسلامي لا تقل عن حاجة نظام هيئة الأمم المتحدة الى اعادة نظر تستجيب لتطورات عالمية هائلة استغرقت حتى الآن ستين عاماً كاملة.

ثالثاً: أن الخطر الاسرائيلي قد كشف عن حقيقته التي كانت تتوارى حول مشروعات للتسوية السلمية، يلقي بها الى ساحة العمل السياسي كلما اشتدت مقاومة الاحتلال من جانب الشعوب العربية التي تقاسي وطأته. وقد انفقت الشعوب العربية خمسة عقود كاملة تناقش وتفاوض حول مشروعات لم يكن يراد لأي منها أن يرسي اسساً صالحة لتحقيق سلام عادل في المنطقة وتبين ان الحديث عن دولة فلسطينية مستقلة وكاملة السيادة على أرضها تقوم جنباً الى جنب مع دولة اسرائيل، كان حديثاً يراد به فض المجالس، وان التخطيط غير المعلن كان متجهاً طوال الوقت نحو تمكين اسرائيل من تحقيق أمن مطلق على حساب غياب مطلق للأمن على الجانب العربي، وتمكينها فوق ذلك من الهيمنة العسكرية والاقتصادية والسياسية على سائر جيرانها. وقد كان خطأ فادحاً من جانب أكثر العرب في تقدير كاتب هذه السطور، أن تملأ الدنيا حديثاً عن أن السلام هو الخيار الاستراتيجي الوحيد للعرب وان حرب اكتوبر 1973 ستكون آخر الحروب، ذلك انه اذا كان قرار الحرب لا يحتاج الاّ الى ارادة واحدة هي ارادة المعتدي فان قرار السلام يحتاج – على الاقل – الى ارادتين. ولم نرَ - نحن العرب – في السلوك الاسرائيلي الذي صاحب هذا الكلام الكثير عن مشروعات التسوية السلمية، ما يشير – من قريب أو بعيد – الى صدق النية في التوجه نحو سلام عادل يحقق مصالح جميع اطراف النزاع، واذا كانت الازمة الاخيرة كشفت في وضوح كامل عن هذه الحقائق، فان الحاجة قد صارت ماسة الى وقفة مراجعة واستدراك توضع فيها الحقائق الجديدة بكل تفاصيلها وشواهدها ودلالاتها امام راسمي السياسة العربية على المستويين الاقليمي والداخلي في كل دولة. وبحيث تتحرك هذه السياسات كلها لخدمة الاهداف المحددة والمتفق عليها، وبحيث يرتب لقاء دوري لمراجعة كل ما جرى من نشاط وما اتخذ من قرارات تحقيقاً لهذه الاهداف.

رابعاً: في تقديري ان الحل الجذري الوحيد القادر على اطفاء لهيب الحروب والصراعات والعنف المتبادل في هذه المنطقة من العالم انما هو علاج الخطأ الكبير، بل الخطيئة التي قامت على اساسها دولة اسرائيل فقد قامت من يومها الاول – ولا تزال تقوم – كياناً غريباً وشاذاً في طبيعته، فهي مزيج من الدولة والحركة الايديولوجية والمعسكر المدجج بالسلاح المستعد على الدوام للجوء الى العنف والاستخدام المفرط للقوة العسكرية مستقوياً بأمرين اثنين أولهما حيازته وحده – دون سائر جيرانه – اسلحة دمار شامل يمكن استخدامها اذا وقعت ظروف تاريخية لم تتحقق بعد، ولكنها يمكن ان تتحقق في مستقبل قريب أو بعيد جوهرها عجز الاسلحة التقليدية التي يملكها عن حسم نزاعاته مع جيرانه. والثاني تمتعه بتاييد غير مشروط وغطاء كامل يتجاوز مداه احياناً ما يمارسه من استعلاء واستقواء وتشدد وتجاوز للحدود في الاصرار على فرض شروطه في كل موقف وعند كل خلاف، وأعني بذلك التأييد الاميركي الذي تحدثنا عنه طويلاً.

وما لم يجبر المجتمع العالمي اسرائيل على تغيير طبيعتها بالقرارات الملزمة، فستظل مهما ارادت وأرادت معها الولايات المتحدة وأي قوة دولية أخرى كياناً غريباً ومعزولاً يعيش أهله وسكانه وسط بحر لا آخر له من كراهية جيرانه وتربصهم به، وعزوفهم عن تطبيع العلاقات معه. هذا اول الطريق، نحو التعايش الطوعي ونحو السلام الحقيقي، والاستقرار المستدام في هذه المنطقة. وما عدا ذلك هو قبض من قبض الريح وباطل من الاباطيل.