عبداللطيف مهنا

حرب ولا كل الحروب، هذه هي التي تدور الآن في لبنان، وهي كذلك بالنسبة لطرفيها الذين يخوضانها: العرب التي تشن عليهم، ممثلون في المقاومة اللبنانية حصراً، أو فقط لاغير، والأمريكان الذين يشنونها ممثلون في أداتهم الإسرائيلية دون مواربة هذه المرة... وهي ولا كل الحروب، نظراً لما كشفت أو ستكشف عنه مستقبلاً من حقائق ضاعت أو ضُيعت عمداً في تلافيف العقود السابقة، حيث غطتها صروف من الأضاليل المبثوثة بدأب، وضروب من متاهات الأوهام التي ترسخت، والتي غذتها المشاريع المعادية ذات الإستهدافات التي تخدمها عادة سياسات وأكاذيب موجهة ومبرمجة في غالبها... وهي ولاكل الحروب نظراً لما أسفرت عنه يومياتها الدائرة من وقائع مذهلة و مفاجآت حتى لطرفيها اللذين يتواجهان على الأرض. أو ما راكمه وما ستراكمه تلك الميدانية من هذه الوقائع تحديداً، وبالتالي حق توقع ما سيزاح لامحالة من تلك الأضاليل التي ترسخت والأوهام التي لطالما تلبدت، وعليه فلسوف يكون لهذه الحرب مابعدها...

نحن هنا لسنا في وارد التعرض لطبيعة العدوان وإستهدافاته التي غدت معروفة أو وحشيته المغرقة في همجيتها، أو هذا الشق الإسرائيلي من هذه الحرب، والذي يعكسه مشهد الدمار الشامل بشراً وحجراً وشجراً وبنى تحتية في مجمل الخارطة اللبنانية، التي غدت كلها ساحة مستباحة على مدار الأسابيع الأربع الماضية، ولا مارافق أيامها الدامية من مجازر لم تقتصر فحسب على بلدات قانا أو صريفا أو ضواحي بعلبك، أو قرية القاع، وإنما شملت مجمل تلك الخارطة، أو عملياً هذه المجزرة المتنقلة والمستمرة على مدار ساعات تلك الأربعة أسابيع المنصرمة التي مر بها لبنان، وربما الآتي أعظم. وهي أمور لا غرابة فيها لأن من شأنها أنها تلازم بالضرورة فعائل هكذا عدو له هكذا طبيعة عدوانية، ولأنها تنسجم مع دوره ووظيفته في خدمة المشاريع الاستعمارية في المنطقة، لاسيما وأنه يتفرد بكل هذا الحقد المزمن الموغل في أسس تكوينه غير الطبيعي، والمستمد من أساطيره وخرافاته، فالملازم بالتالي لوجوده المفتعل. ولا نحن أيضاً في وارد التعرض لهذه الملاحم البطولية التي ترتقي إلى مستوى الأسطورية التي يسجلها المقاومون اللبنانيون البواسل نيابة عن أمتهم ودفاعاً عنها، رغم الإختلال الهائل البيّن في موازين القوى، بين غازٍ بجيوش جرارة توفرت له أعتى ترسانات الموت في العالم وأكثرها تطوراً، وعصائب من المجاهدين الأشاوس المسلحين بإيمان عز نظيره، أو انعدم مثيله لدى الطرف الباغي الذي يواجهونه...

لن نتعرض إلى هذا وذاك، لأن ما لن نتعرض له قد أصبح حديث الساعة على طرفي المواجهة وتعداهما إلى العالم، أو أصبح أمراً مفروغاً منه. وإنما مايهمنا هنا هو هذه الدروس التي تسطرها هذه الحرب لنا ولأجيالنا من بعدنا، وأيضاً لعدونا، ولمن يهمه الأمر في هذا العالم... دروس لنا ولأعدائنا على السواء... ولنبدأ بما هو لنا، وأولها: أن بلداً عربياً صغيراً محدود الإمكانيات في أوجهها المختلفة، اقتصاداً وعديداً ومساحة وتسليحاً، لكنه أثبت أنه غير محدود الإرادة والقدرة على الصمود، رغم تلقيه من حمم الموت و الدمار ما فارب أو حتى فاق القدرة التدميرية لما لاقته هيروشيما ونجزاكي اليابانيتين اللتين تمر هذه الأيام ذكرى كارثتهما، يستطيع أن يرفض الإملاءات المذلة التي يراد لها أن تفرض عليه، وأن ينتصر على العدوان رغم اختلال موازين القوى، وما لحق به من ويلات. والإنتصار هنا هو بمعنى عدم سماحه بتمكن الغزاة المعتدين من فرض املاءاتهم عليه أي إفشال استهدافات الغزو التي شنوا حربهم عليه بغية تحقيقها... بمعنى آخر، هو أنه حتى مجرد جزء صغير من هذه الأمة الكبيرة المغيبة قسراً، لكنها العريقة تاريخاً المتسعة قدرةً والعظيمة إمكانياتً والكبيرة أحلاماً، يمكنه وهو المستفرد أن يقول نيابة عن أمته للطغاة المعتدين لا كبيرة ومدوية، ويسمعها للعالم بأسره. فكيف، والحالة هذه، لو كانت هذه اللاء تتعالى واحدة موحّدة على امتداد خارطة كل هذه الأمة وتند عن كامل كتلتها الكبرى ؟!!

هذه اللاء الصغيرة، لكنها المدوية، قالها نيابة عن لبنان وبالتالي عن الأمة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في آخر إطلالة إعلامية له، عندما أكد على رفضه لٍفرض أية شروط مذلة على لبنان، كنتيجة لهذه الحرب ومهما طالت، وزاد فقال: أن لبنان لن يكون أمريكياً ولا اسرائيلياً، ولاموقعاً فيما يسمونه بالشرق الأوسط الجديد... وبهذا لخص، ليس ارادة المقاومة اللبنانية فحسب، وإنما عكس توق أمة بأسرها.

...وثانيها: إن أي فصيل مقاوم من فصائل الممانعة العربية في أي ساحة من ساحات المواجهة مع أعداء الأمة، سواء في فلسطين أو العراق أو لبنان، إذا ما اجتمعت له الإرادة السياسية المشفوعة بالعزيمة النضالية المستندة إلى الإيمان بالقضية التي يحمل أهدافها ويضحي من أجلها، ومع توفر ضروب الإعداد السليم للمعركة والإستعدادات المطلوبة لمواجهة الشدائد، وما يردف هذا بالضرورة من وعي عال بجسامة المهمة، و الحرص على الإفادة إلى أبعد حد ممكن من مايتوفر من القدرات البشرية والمادية المحدودة التي يمتلكها، و طبعاً كل هذا في ظل احتضان شعبي، وتحت قيادة حكيمة ذات حنكة وصلابة وتدير معركتها بأعصاب باردة، أي بعيداً عن ردود الفعل، حيث تصعد المواجهة مع عدوها وتخفضها، كما هو الحال في المثال اللبناني، حيثما لزم وبمقاييس مدروسة ومؤثرة... فصيل كهذا لن ينتصر فحسب وإنما سوف يشكل سابقة تحتذى بل رافعة سيكون لها أثرها العميق في مجمل إرهاصات نهوض أمة يشتعل تحت رماد صمتها الخادع غضب هائل يتبدى أواره في كل هذا التأييد الشعبي الجارف الذي نشهده اليوم في الشارع العربي للمقاومة اللبنانية، والذي غدت مظاهره بادية للعيان في طول الشارع العربي وعرضه ومن المحيط إلى الخليج... هذا الشارع الذي يكفيه مجرد انتصار صغير، وحتى محدود، ليتفجر صداه لديه عطاءً كبيراً لايحد... ...وثالثها: ماأثبتته كل هذه المواقف الأمريكية المعلنة المتعلقة بهذا العدوان، وكذا مجمل التحرك الأمريكي الديبلوماسي في المنطقة وفي العالم على هامشه، وتحديداً في الأمم المتحدة، من أن هذه الحرب هي أمريكية بالدرجة الأولى، تشنها إسرائيل بالوكالة وبالسلاح والتغطية الأمريكية، بل وبأمر عمليات أمريكي مباشر، و حيث تخدم استهدافات أمريكية و إسرائيلية مشتركة، لكنها هذه المرة أمريكية أولاً، و إسرائيلية ثانياً، بعكس ما سبقها من حروب خدمت مصلحتيهما معاً في بلادنا.

كما أنها، ولها مثل هذا الوضوح، قد انعكست فرزاً بطيئاً وغير واضح المعالم، حتى الآن، بدأت خطوطه بالإتساع في ثنايا الإصطفافات الدولية المتداخلة، والتي أخذت في سبيلها إلى التشكل الخجول مبتعدة في مواقفها نسبياً عن مواقف الولايات المتحدة، وذلك بالتوازي مع استمرار الصمود اللبناني واتضاح هول المشهد التدميري البشع الذي أسفر عنه هذا العدوان. والذي بلغ حداً من الهمجية إن لم يحرج متعهديه أو من يقومون بالمهمة نيابة عنهم، فهو بلا شك قد أحرج المنحازين لاستهدافاته والمتواطئين لإنجاحه والصامتين عليه. وعليه يبدو اليوم شيئاً فشيئاً أن هناك ثلاثة وكأنما هم يقفون في مواجهة العالم، هم بوش وأولمرت و بلير، حيث قاد هذا الأخير الملتحق بالأول والمتحمس لنصرة الثاني، ثلاثة دول من دول الإتحاد الأوروبي هي ألمانيا وهولندا وتشيخيا مقابل الاثنين والعشرين الباقية من دوله الأعضاء الخمسة والعشرين، ليفشل مشروع قرار يصدر عن هذا الإتحاد يطالب بوقف إطلاق النار وليس الحرب، بل أن رئيس الوزراء البريطاني قد رفع ضمناً شعاراً هو، أن لاوقف لإطلاف النار دونما تحقيق الأهداف الإسرائيلية من وراء العدوان.

...ورابعها: أنه كان لبطولة المقاومين اللبنانيين وصمودهم الرائع وتضحياتهم الكبيرة وانصرافهم لمواجه العدو، وإيمانهم بأن ذلك إنما هو نيابة منهم عن أمتهم ودفاعاً عنها، صدى هائلاً في الشارع العربي تجلى فيما يمكن اعتباره هذه الأيام، وفي هذه اللحظة المصيرية التي تمر بها هذه الأمة، أولوية، بل أسمى منجز هي اليوم في حاجة حقيقية إليه، ألا وهو إفشال مكائد المخططات المعادية الخبيثة التي أرادت زجها في أتون صراعات طائفية بغيضة وخطرة تسهم في مزيد من تفتيتها وشل ما تبقى من قدرتها على الحفاظ حتى على الحد الأدنى من متطلبات وجودها المهدد. ولعل أكثر ما عبر خير تعبير عن مثل هذا الفشل أو ما بشر بوئد مثل هذه الفتنة المرادة من قبل أعداء الأمة في مهدها، هو ماتبدى في رمزية رفع صور السيد حسن نصر الله في ساحة الأزهر الشريف في القاهرة، ومظاهر الإلتفات الشعبي في الشارع العربي الذي رسخته المناسبة اللبنانية الدامية والبطولية في آن حول فكرة المقاومة، الأمر الذي كان فيه ضمناً أبلغ رد على محاولات إشعال نيرانها، التي بدا لوهلة كأنما هي لاقت بعض أصدائها المبتغاة في عراق مابعد الإحتلال، أو في مقولات راجت مثل، الهلال الشيعي... وصولاً إلى النفخ الأمريكي الإسرائيلي وإمتداداته في فزاعة الخطر الإيراني، ولدرجة كدنا فيها أن نشهد إستبدالاً لما درج على أنه الصراع العربي الصهيوني بالصراع العربي الإيراني!

أما تلك الدروس الأخرى التي قلنا أنها المتعلقة بأعدائنا، فلعل أولها يكمن في كون أن هذه الحرب الدائرة قد كشفت وقائعها سريعاً عن هشاشة دولة مصطنعة لكيان يظل جسماً عدوانياً طارئاً مرفوضاً بإعتباره قد زرع ذات يوم عنوة في قلب كتلة عربية لا يقوى وجدانها على تقبله داخل أحشائها، أوهي ليست في وارد أن تسلم باغتصابه لحقوقها، كما هو حال ما كان منها عبر التاريخ حيال ما سبق من غزاة طارئين جاؤوا ثم رحلوا. و لعل مايزيد من هذه الهشاشة هو إدراك الإسرائيليين لذلك، بالإضافة إلى تأصل عقدة عدم الإطمئنان الوجودي التي تلتاث بها دولتهم ذات الطبيعة الغيتوية أو رهينتها، تلك المتبدية في مشاريع أسوارها العازلة وما شابه من ما تعتقد انه قد ينجيها من الخطر الديموغرافي العربي، إلى جانب إدراكها لما يعنيه إعتمادها كلياً في وجودها وإستمرارها على الغرب، سياسياً واقتصادياً، وكذلك تغطيتة لعدوانيتها، مع تكفله بحماية أمنها، إلى جانب مدها بما ضاقت به ترسانتها العسكرية مما تشتهيه من آلة الموت المتطورة.

لعل، هذه الهشاشة تبدت في إقامة أكثر من ثلث سكانها على إمتداد الحرب في الملاجىء واكتظاظ الطوابير منهم أمام السفارات الأجنبية للحصول على تأشيرات الرحيل إلى البلدان العديدة التي يحملون جنسياتها، أو هذه الجنسية الثانية التي يحملها أغلب الإسرائيليين، الأمر الذي حد بالخارجية الإسرائيلية أن تتمنى على هذه السفارات عدم الإفصاح عن عديد هؤلاء الراحلين الحاصلين على تأشيراتها. ...وثاني هذه الدروس أنه، وكما فشلت التوسعية الإسرائيلية، عندما انكفئت إسرائيل مندحرة لأول مرة قبل ستة أعوام من الجنوب اللبناني المحرر على يد ذات المقاومة التي تقارعها اليوم، مؤذنة بهذا الإنكفاء بانحسار المشروع التوسعي الصهيوني، وذلك بعد أن تأكد في هذا الجنوب عدم قدرته على احتلال المزيد من الأرض العربية والبقاء فيها، فقد أثبتت المعركة الدائرة اليوم وللأسبوع الرابع، وحيث تكسرت في الأمتار الأولى من التراب اللبناني الملاصق لفلسطين المحتلة هجمات ستة ألوية من نخبة الجيش الغازي مدعومة بالدبابات الأكثر تطوراً في العالم ومساندة القوة الجوية الهائلة، أن زمن الإنتصارات السريعة الإسرائيلية قد ولى. الأمر الذي دعى حتى الإسرائيلين لإطلاق تسمية الحرب الأكثر غباءً و فشلاً على هذا العدوان الإسرائيلي القائم.

لقد انعكس هذا ارباكاً إسرائيلياً بادياً يزداد منسوبه بإزدياد تعثر الحملة البرية وتعاظم كلفتها، ويترجم ارتكاباً لمزيد من الجرائم الدموية على إمتداد أيام العدوان، أو جرائم الحرب ضد الإنسانية الترويعية المقصودة بهدف إفراغ الجنوب اللبناني من أهله، والمتمثلة في مسلسل المجازر وتدمير البنى التحتية واستهداف المدنيين وحتى المدارس والمستشفيات، بالتوازي مع ضخ الأكاذيب المفضوحة لستر عورة انكشاف أكذوبة جيشهم الذي لايقهر... ومن ذلك على سبيل المثال مزاعم شمعون بيرز في واشنطن، من أنهم دمروا 70% من الصواريخ البعيدة والمتوسطة التي يمتلكها حزب الله، و20% من القصيرة المدى، وألف بناية هي عبارة عن مقرات قيادة ومراكز اتصالات وغرف إدارة عمليات تابعة لهذا الحزب... ويضيف معدداً إنجازات عدوانه: "وحققنا انتصارات استخبارية كبيرة" ، ليثبت اليوم التالي على إطلاق هذه المزاعم أنها لا تعدو جملة من الأكاذيب إذ سقط في هذا اليوم وحده أكثر من ثلاثمائة صاروخ على المستعمرات الإسرائيلية شمالي فلسطين المحتلة، ولتصل هذه الصواريخ إلى بيسان في غور الأردن على بعد 70كم من الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، ولتطال أكثر من مائة منها أهدافها المختلفة والمتباعدة دفعة واحدة وبتوقيت واحد... ثم ليعلن فيما بعد السيد حسن نصر الله، بدء توازن رعب جديد، وذلك عندما أطلق معادلة قصف تل أبيب مقابل قصف بيروت، ولتصل بعيد الإعلان عن هذه المعادلة صواريخ المقاومة إلى الخضيرة شمال تل أبيب والأقرب إليها... أما الإنتصارات الاستخبارية التي تحدث عنها بيريز فتجلت في البحث عن انتصار معنوي مهما خف وزنه وغلى ثمنه، قاد الغطرسة الإسرائيلية إلى مذبحة ضواحي بعلبك وحكاية إنزال مستشفى دار الحكمة الواقع على أطرافها، حيث أسفرت هذه الإنتصارات الإستخباراتية عن إختطاف مواطن لبناني مع أربعة آخرين، بعد أن قتلت من قتلت من الأطفال والنساء والشيوخ، والعودة به كغنيمة حرب لأن اسمه كان حسن نصر الله!!

لم تنتهي هذه الحرب العدوانية المفتوحة ضد لبنان بعد، و الفشل العسكري فيها الذي أعقب ماسبقه من الفشل السياسي، ومن ثم العكس، هو ما أنتج هذه الحركة الأممية التي تقودها الولايات المتحدة للخروج من الورطة وذلك بإبتزاز قرار يصدر عن مجلس الأمن يرسل بموجبه قوات أطلسية أو متعددة الجنسيات مهمتها هي حماية إسرائيل من المقاومة ونزع سلاح الأخيرة... حيث يدور الجدل الآن بين الأمريكان والفرنسيين من يكون أولاً: العربة أم الحصان... وقف إطلاق النار كما يريده الفرنسيون بداية ً، أم قبله يكون التوافق على تشكيل هذه القوة ومهمتها ، أي فرض شروط الحل الأمريكي الإسرائيلي على اللبنانيين كما ترغب الولايات المتحدة؟! إذن المقاومة في لبنان تستبسل وتزيد مفاجآتها التكتيكية من تفاقم المأزق الإسرائيلي، وها هم اللبنانيون يضحون ويصمدون ويحرج صمودهم العالم وتدين تضحياتهم مظاهر التهاون الرسمي العربي... أما دولياً وإقليمياً فبازار استثمار دمائهم ما انفك معقوداً... حيث الوفود بدأت تترى على بيروت، منها من يرطن بصراحة بما هو ترجمة فورية عن العبرية، أما غالبها فيسعى ضمناً لتحقيق مالم يحققه جيش حالوتس وبيرتس... وأكثرها يهدف إلى دك ركائز ما بدأ يتشكل على ضفاف العدوان من وحدة وطنية لبنانية...

في لبنان تسطر المقاومة وقائع ميدانية لا يبدو أن هناك ما يربطها من علاقة بما يدور في أروقة مجلس الأمن الذي قد يصدر قراره قريباً... وهناك على أطراف ركام القرى اللبنانية المحترقة المتاخمة للحدود مع فلسطين المحتلة تنشأ حالة غير مسبوقة من العنفوان تنذر بمنعطف صراعي لاعلاقة له بحالة الانحدار العربية الرسمية التي من أهم مظاهرها شبه الغياب حتى عن القمة الإسلامية بعد وئد مطلب القمة العربية... والمفارقة هنا أن الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز أعلن سحب سفير بلاده من تل أبيب احتجاجاً على حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على لبنان وفلسطين وعلى الدعم الأمريكي لهذه الإبادة... لكن لا يبدو أن الدم العربي المسفوح في كل من لبنان وفلسطين يكفي بعد لأن ينسحب النظام العربي ناجياً بجلده قبل رعاياه من تداعيات إستشراء حالة ذلك الإنحدار!!!