طالما نظرنا الى الثقافة كشأن فوقي، يمثله مجموعة من "المتفذلكين" ومحبي الكلام والشعارات، وحددنا لهؤلاء امكنة ومهرجانات وجوائز، وجعلنا لهم مستنقعا يلغبصون فيه كيف يشاؤون، وراح عن بالنا ان الثقافة شأن مجتمعي يدفع المجتمع دما ثمن عزلها او عدم تصديقها مهما بلغ الاحتفاء بها او تعنيفها او تمجيدها او تحقيرها.

فالثقافة هي الوقود الحقيقي الذي يدفع بمجتمع ما الى الهاوية او يرفعه الى مستوى البشر، لأنها وببساطة تسطيع صنع الوجود المجتمعي الحقيقي ... واليوم ومع كل الادعاءات والنقيق الذي يحمل الاستعمار بكافة اشكاله القبيحة مسؤولية ما يجري على الارض، فانه لا يعفيي ثقافتنا من الضحالة والسخف والانحطاط، فبعد معرفتنا بالطائفية ونتائجها بل ونبذها وادانتها على كل الالسن وفي كل الالسن، وبعد تأسيس (دولنا) بعشرات السنين، وبعد تبادل تبويش الشوارب والظهور بالمناسبات.

وبعد كل التمثيليات التي تظهرنا كفهمانين، نعود الى همجية الذبح وكأننا ولدنا هكذا من طينة مختلفة عن البشر، لنسارع في القول ان الحق على الاميركان والاسرائيليين وكأن ذلك يكفي لتبرير الدماء المسالة على قارعة الطوائف والقبائل، وكأن المؤامرة غير معروفة ولا مكشوفة، وكأن السنوات التي قضيناها في التأسيس للعيش المجتمعي غابت عن شاشة الوعي الخلبي، ليظهر وعينا الحقيقي وعينا المدمر للانسان والحضارة والكلمة. وهكذا هزمت ثقافتنا في العراق وفلسطين ولبنان، وبان عيبها وزيفها وهشاشتها ... فقط كي نثبت لكونديلسا رايس انه ليس هناك ما يسمى فوضى خلاقة .. وانما فوضى ... فوضى فوضى