شكل المؤتمر الذي عقد في أنقرة مؤخرا بمشاركة المئات من المثقفين والسياسيين الأكراد والأتراك خطوة مهمة نحو وضع (خارطة طريق) لحل المشكلة الكردية في تركيا بعد عقود من المواجهات الدموية بين السلطات التركية وحزب العمال الكردستاني.

السؤال الأساسي الذي طرحه الجميع في المؤتمر هو كيف السبيل إلى حل هذه المشكلة سلميا ؟ ومع ان المؤتمر لم يقدم إجابة جاهزة أو مفصلة الا انه رسخ القناعة بأهمية إنجاز الحل السلمي المنشود انطلاقا من ضرورته لتحقيق الأمن والاستقرار أولا. واعترافا بحقائق الواقع التاريخي ومعطياته الثقافية والاجتماعية والسياسية ثانيا. وخدمة لخيارات الدولة السياسية والاجتماعية ثالثا, فضلا عن ان مثل هذا الحل بات يشكل مطلبا أوروبيا لتحقيق انضمام تركيا إلى العضوية الأوروبية, إذ سبق ان أكد رئيس الوزراء التركي الأسبق مسعود يلماظ ان الطريق إلى الاتحاد الأوروبي تمر في دياربكر التي تحولت إلى ساحة اختبار سياسية مفتوحة بين الأكراد والأتراك في البحث عن هوية تركيا وخياراتها. دون شك,القناعة بأهمية الحل السلمي وضرورته تعنى عدم جدوى النهج الأمني الاقصائي في حل مشكلة داخلية تاريخية متشعبة, كما انها تعني في الوقت نفسه توفر مستويات متقدمة من التطور السياسي والاجتماعي في إطار ديمقراطي يسمح بالانفتاح على القضايا الإشكالية وحلها سلميا,ومثل هذه القناعة تعني على المستوى الاستراتيجي أهمية إنجاز حل للقضية الكردية من داخل المنطقة بدلا من تركها ثغرة استراتيجية يمكن للخارج الذي له مشاريع إمبراطورية استخدام هذه القضية ضد دول المنطقة وشعوبها بما في ذلك الأكراد أنفسهم كما يحدثنا التاريخ في العديد من محطاته وتجاربه. في الحديث عن حل سلمي للمشكلة الكردية ينبغي التوقف عند ثلاثة عوامل أساسية

1- ان تركيا بعد نهاية فترة الانقلاب العسكري الذي قام به الجنرال كنعان ايفرين عام 1980 ومن ثم مجيء سلسلة من الحكومات المدنية المعتدلة ولاسيما في عهد الرئيس توركوت أوزال الذي وصل به الأمر إلى الحديث عن فيدرالية كردية في تركيا.. منذ هذه الفترة بدأت تركيا تشهد سلسلة من الخطوات وان كانت بطيئة في التأسيس لثقافة من شأنها وضع المشكلة الكردية على سكة الحل السلمي, فقد عدلت الحكومات التركية المتتالية منذ ذلك الوقت مئات القوانين التي كانت تقصي الأقليات القومية فضلا عن التيار الديني, وبفضل هذه التعديلات وصل تيار الإسلام السياسي المتمثل في نجم الدين أربكان ومن ثم رجب طيب اردوغان إلى السلطة, وعلى صعيد المسألة الكردية اعترفت أنقرة باللغة الكردية وسمحت بإصدار مطبوعات بها فضلا عن البث الإذاعي والتلفزيون وباتت الحركة السياسية الكردية تظهر إلى العلن ولو تحت واجهات وطنية تركية .

2- ان حزب العمال الكردستاني الذي دخل في حرب دموية مع الدولة التركية منذ عام 1984 ورفع شعارات ثورية تدعو إلى إقامة دولة كردستانية في المنطقة, ان هذا الحزب ومنذ اعتقال زعيمه عبدالله أوجلان في شباط عام 1998 تراجع عن شعار الانفصال وإقامة دولة كردية مستقلة وانتهج صيغة سلمية تقوم على تحقق الهوية الثقافية القومية الكردية في إطار وحدة الأراضي التركية, وعلى هذا الأساس طرح الحزب سلسلة من الهدن على أمل ان تعترف به الدولة التركية ومع ان مثل هذا الأمر لم يحصل حتى الآن, الا انه يمكن القول ان اعتقال أوجلان وفر فرصة للحل السلمي بعد ان شكل هذا الاعتقال منعطفا في شعارات الحزب وأسلوبه وطرق ممارساته السياسية وخطابه الأيدلوجي.

3 – ان الحكومات التركية المتتالية وسعيا إلى خيار العضوية الأوروبية حاولت التقرب من مشكلتها الكردية ولو شكليا, ومع انها لم تتخلى نهائيا عن نهجها الأمني الا انها حدت منه خاصة بعد إعادة هيكلة مجلس الأمن القومي التركي الذي كان معظم أعضاءه في السابق من قادة الجيش, وبعد التعديلات الأخيرة والتي جرت بضغوط أوروبية أصبحت قيادة المجلس مدنية بعد هذه التعديلات بات من الصعب القيام بعمليات عسكرية ضخمة كما كانت تجري في التسعينيات من القرن الماضي والتي خلفت دمارا واسعا في مناطق جنوب شرق تركيا ( المناطق الكردية ). ويضاف إلى هذا العامل ما جرى في العراق بعد احتلاله, إذ باتت الحالة الكردية هناك تشكل قلقا تركيا دائما خاصة في ظل العلاقات الأمريكية – الكردية العراقية والتي أحدثت تحولا سلبيا في العلاقات الأمريكية - التركية, وبسبب هذا التحول وتداعياته باتت تركيا تدقق أكثر فأكثر في المشكلة الكردية ككل بعد ان كان اجتياح شمال العراق لم يكن يتطلب سوى قرارا رئيس هيئة أركان الجيش.

في الواقع , لسان حال الأكراد والأتراك يقول ألا يكفي كل ما حصل من قتل وتدمير ...كي يتم التوصل إلى حل سلمي عادل للمشكلة الكردية, حل يضمن الهوية للأكراد والاستقرار لتركيا ؟

سؤال يحمل في مضمونه جوابين , الأول : ضرورة التخلي عن العنف بعدما أكدت التجارب التاريخية عقمه في تحقيق حل سلمي منشود . والثاني: لا يعني التخلي عن العنف تأجيل القضية الكردية أو انتظار الحل السلمي إلى ما لا نهاية لأن مثل هذا الأمر بات يحتوي على خطورة بالغة بعد ان وصلت القضية الكردية إلى مستوى حساس محليا وإقليميا ودوليا

في جميع الأحوال , مؤتمر أنقرة الذي خصص للبحث عن حل سلمي للمشكلة الكردية يشكل إشارة تركية قوية للبدء بحل هذه المشكلة وفقا للأطر القانونية والدستورية, والفرصة هنا تبدو في تلك الدعوات المطالبة بتعديل القانون الانتخابي من خلال خفض نسبة العشرة في المائة من الأصوات اللازمة للتمثيل في البرلمان إلى خمسة في المائة, وأهمية هذه الدعوات أنها تأتي قبيل أشهر من الانتخابات الرئاسية التي يتحضر لها رجب طيب اردوغان ومن ثم الانتخابات البرلمانية في تشرين الثاني والتي يراد من نتائجها استحقاقات سياسية على صعيد حل المشكلة الكردية سلميا عبر تمثيل حزب كردي فيه .

طريقة قانونية قد لا تستفز الجنرالات , كما انها تنسجم والشروط الأوروبية وحتى الرغبات الأمريكية وفي الوقت نفسه تحقق التطلعات الكردية.