قد تكون ظاهرة أزدياد الفضائيات الغنائية التي لا تجد من يكبح جماح تعدادها المفرط وحجم الحرية المنفلت عن عقاله آفة العصر وأحد اسلحة الهدم و الدمار الشامل لعقول شبابنا وشيبنا معاً, تلك الفضائيات التي تقدم الأغنية السلبية وتعمل على اضمحلال الفن الملتزم الذي سعى عبر أزمنة طويلة من تقديم رسالته النبيلة , ما يعرض الآن وبشكل طاغي شيئ ما يمكن تسميته أي شيئ الإ أن يكون غناءً أو فناً ذات رسالة وللأسف الكل يقف مكتوف الأيدي مندهش الحال زائغ العينين محمر الوجنتين رافض في ذاته وفي نفس الوقت متابع ومشاهد درجة أولى , متعذرا عن عجزه بإيقاف بث هذه السموم سواء للعامة أو إلى حجرة بيته بإلقاء اللوم على الجهة التي تقف وراء عملية التمويل و الدولة التي تسمح ببث هذه الفضائيات على أراضيها , لعليّ لا أبالغ القول أو بعض التوصيف على حجم الدمار الذي سببته ولازالت مستمرة في عقول أبناء المجتمع برمته وفئة الشباب المتلقي الأول لهذه المادة الإعلامية عبر العرض المبتذل لكليبات و ما يتخلله مشاهد فاضحة من عريّ ولحم ابيض متوسط, يقف وراء ذلك شركات كبرى برأسمال أكبرمفسدون وتجاروحتى بعض رجالات السياسة يشاركونهم , إن لم يديروها بأنفسهم فلورثة تركة ونصيب حتى في عوالم الغناء بل بعضهم يعتبرون انفسهم الأب الحاضن للكثير من هذه الأصوات النشاز

لست ضد الغناء حتى لا أتهم بذلك ولكن هناك قضايا ذات اهمية تعرضها هذه الأغنيات واجب على الكل الوقوف أمامها لمعالجتها بكثير من الحذر لأن نتائجها الوخيمة تهددنا جميعا , سأكتفي الحديث عن الصورة النمطية السائدة ( وهو صورة المرأة الجسد ) وأشياء أخرى على أمل التواصل بذكر اضرارها ومساوئها ونتائجها المدمرة في جزء لاحق , بنظرة بسيطة يمكن لأي متابع عادي أن يركز على بعضاً من الآتي

هناك تفاقم غير طبيعي وغير سوي في عدد الفضائيات الغنائية بل حتى البرامج التي تهتم بالفنانين الجدد ممن يجد في جيب والده بضع دراهم أو تتوفر عنده بعض الملكات الربانية كالشكل الذي يتم مسخه بعملية تجميل وتنفيخ وتسمين وتنحيف وكإن المطلوب هو ذات الشكل ليس إلا, فتكتمل الحلقة حتى يصمم كليبا ويصبح له جمهور وتتهافت عليه الصحافة وقنوات التلفزيون وجلّ مايقدمونه لا يمت لعالم الغناء الشفاف الذي يغذي الروح ويخاطب الضمائر ويوقظ في نفوس الناس قضايا مجتمعهم ذات الأولوية والأهمية بشيئ , وهم أصلاً ومن يروجون لهم بعيدين تمام البعد عن أخلاقيات مهنة الصحافة الواعية الملتزمة بقضايا الناس ,لا هم لهذه الفئات التجارية سوى الربح السريع وتدمير أخلاقيات مجتمعاتنا التي تنهار بل آيلة للسقوط بين لحظة وأخرى عبر ازماته السياسية والإقتصادية الإجتماعية المتتالية , وكإن المواطن المسكين الذي فقد كل وسائل الدفاع عن نفسه لا هم له ولا شاغل سوى ( أشرب أزوزة مشربشي الشاي ) والمواطن نفسه لايجد في جيبه ثمناً للكازوزة أو أجراً لشراء كيلو من الشاي الجيد لا عويل له ولانحيب على نكسات واقعه وهو متكيف في مخيمات وطنه والملاجئ أو في المهاجر وحتى مع حالة الفقر الذي يقرع ناقوس الخطر ولا من منتبه أ ومكترث مستمراً في تسجيل أرقامه القياسية في مجتمعاتنا المتخلفة والفقيرة اصلاً , وبالتالي لا يكون لهذا المواطن هم سوى هذه التفاهات, وذات المطرب يغتني ويصبح له صيت بين عامة الناس تفوق شهرته من قضى سنوات عمره وراء القضبان مناضلاً وسجينا لأجل الكلمة الحرة على عكس كلمات الأغنية الهابطة التي اكتسحت البيوت والمحلات التي ازدادت حتى ترافق القول لكل مواطن فنان بل تجد الرسائل القصيرة الأكثر من ساذجة تترافق مع تلك الأغاني و تغزو الإطار السفلي للشاشات تصوّت لذاك الصوت الفارغ وتلك المغنية الشكل فقط, وكما قال أحد الأصدقاء أين كل هؤلاء حينما نناديهم للتوقيع على عريضة لأجل الكلمة الحرة أو تضامناً مع معتقل رأي أو تنديداً بممارسة خاطئة هنا وهناك

صورة واحدة ستجذبك للكليبات وهو ما يدعو للأستنكار واتخاذ موقف صارم من قبل كل المسؤولين وأفراد المجتمع المتلقي المباشر لهذه المواد و التي تتعرض لهذا التسفيه , هو إن هذه الثلة لتنجح في سياستها وأهدافها المعلنة وغير المعلنة إنها تستخدم كل المؤثرات الممكنة والمستباحة منها وحتى الغير مستباحة في التركيز على حضور الأنثى الجسد عبر مشاهد تخدش الحياء وفي أكثر من إيماءة وتلميحة غرائزية مزعجة ومقيتة تخاطب الشباب مباشرة وبإسفاف متقصد , عبر مجموعة من الراقصات الكاسيات العاريات الملونات وديكور مغري بات لغة السرير أو وجود المرأة وطريقة نومها واستيقاظها وحمامها وتشليحها وتلبيسها عبر تصميم لافت هو الهدف الأهم لإنجاح الأغنية التي لا تجد الرقيب لإيقافها فتجد الطريق سالكا عبر قصص مبتذلة أخرى في كليبات هابطة وشطحات من الأصوات المزعجة كزمور السيارات, هذه الصورة المتكررة كل يوم وفي كل القنوات والتي تقتحم كل بيت وكل اسرة وكل غرفة طفل وحتى غرفة الكبار لا بل غرفة النوم أيضا لا يجد من يقف أمام سيله الجارف وضربه لكل القيم بعرض الحائط , لا بل المشاهدة لا تستلذ كما قال أحد المتابعين إلا حينما تنطفئ الأضواء ,تجسدالمرأة بدورها في هذه الأجواء المعتمة ( نموذجاً معيناً ) أبشع أدوارها بل نصيب القول إنها ليست المرأة العقل التفكير النضوج الأم الأخت الزوجة التي تعلم أبنائها على القيم ومتغيرات المجتمع ومجاراة التكنولوجيا والإبداع والتمرد على سطوة التخلف الغريزي الموروث واللاحق, في أغلب هذه الأغاني المصورة بحرفية ودقة ذات المضمون السطحي والتافه لا وجود حقيقي لكيان المرأة سوى إنها منبع عذب مشبع لحاجات الرجل الذي يجسدها بصورة الجارية , المدللة اللعوب فلا معنى ولا رسالة ولا هدف من تلك الأغاني سوى صوت فارغ ومجموعة اجساد عارية أو ربما يكتفي الرجل المخرج مع وجود مخرجات إما مسترجلات أو تائهة عن قيم مجتمعها الأخلاقية والمعرفية ولديها غاية ستحققها طالما تجد من تقبل لنفسها هذه الأدوار السيئة , سيكتفي المخرج بواحدة على سرير النوم في ترويج فاضح لثقافة مكبوتة أصلاً تنفجر بحرية عبر شاشة الفضائيات وإن تجرأ أحدا ما في الحديث عن هذا المحرم مع الدين والسياسة فإن مصيرا آخراً ينتظره , لفت انتباهي تعليق احد النقاد على على هذه الكليبات التي تكثر بل يستلذ بها السياسيون حتى يلتهي بها المواطن المسكين عن لقمة عيشه وحقيقة ما يجري حوله ومن فوقه وحتى من تحته ( إنها ثقافة الفريسة والذئب )ويشير متابع آخر إنها قنوات السل في سل و السم بي سم يقدمه المفسديون وليس التلفزيون الذي يفترض أن يتطور لصالحنا وليس لتدميرنا

إن كانت الحقيقة كذلك لما بقي موقف الرجل سلبيا من تغيير هذه النمطية السائدة , لما باتت شقائق الرجال والتي كرمها الله في كل الديانات الصورة الممسوخة المستباحة في أذهان الكثيرين على إن المرأة ليست أكثر من مساحيق تجميل ومنفخات ,لما لا يفكر كل الرجال الذين اثبتو عجزهم في السياسة بالعمل المجتمعي لما تركوا المكان شاغراً ليسكنها هؤلاء الفارغون , أليس تقديم هذه الصورة المهانة للمرأة تحتاج لحملات إعلامية رافضة على كل المستويات ضد من يعتبرون أنفسهم اصحاب رسالة فنية وتركوا أصحابها الحقيقيين في العجلة الخلفية , هل هذه هي الفطرة التي تربينا عليها كل الناس بغض النظر عن الإنتمائات المذهبية والدينية والطائفية وحتى القومية لما لم يناهض احد ما المعادلة السالبة التي تقتحم كل بيت واسرة وتدمر عقول شبابنا الضائعين أصلاً في متاهات وأزمات الواقع المستفحلة , على إن المرأة هي الرغبة والجسد والخيانة والعاطفة التي لا تنطفئ , أليست المرأة بكل صورها ميزان العائلة التي كتب عنها ونبه عليها قبل قرن من الآن قاسم أمين وكونها الميزان في كل المعادلات فيعني مشكلتها أساس كل المشكلات الإجتماعية الأخرى, ولا يجب الإكتفاء بالقول والنوايا للبدء بالإصلاح إنما السبيل الوحيد هو تعرية العيوب وليس تعرية المرأة التي فقدت كنوزها المفقودة بظهورها المفرط المبتذل على شاشة الفضائيات فلم تبقى السر الميتافيزيقي الذي أعجز الفلاسفة والفنانين ذات زمان في البحث عن سرها وحقيقة ذاتها اللغز , لذا لابد من تكاتف الجميع لدراسة الوسائل المجدية ومخاطبة أعلى السلطات في كل مكان حول ملاحقة من ينشر هذه الثقافة الإستهلاكية والدخيلة المستنسخة من مخلفات ثقافة الغرب التي تركوها والتفتوا لغزو الفضاء فوصلوها وأما نحن نرث مخلفاتهم بطرقنا الخاصة والخاصة جداً

والموقف الآخر هي المرأة نفسها لما ترتضي لنفسها أن تصور ذاتها وكإنها حقاً الفريسة في سوق نخاسة يلغى ذاتها وكيانها على حساب حضور الرجل القوي, وحوله جاريات حسان, وكإن تلك الصورة المشوهة للرجل المخنث أيضاً هي صورة فارس احلام اية أمرأة ,لما تقبل ان تبتذل وتهان وكإنها في حالة رقود سريري مطول وحالة لاوعي غير مدركة وإن كانت لا تمثل سوى نفسها ولكنها بذلك تشوه نفسها والأخريات معها يمكن القول إن ما نتعرض له فقاعة أو مفرقعات أو زوبعة في فنجان ولكن حالما تنفجر هذه الفقاعة ألا ترمي ببعض الشذرات التي تؤذينا حقاً هنا وهناك