النهار / رندة حيدر

كلما تصاعدت حدة الاشتباكات الدموية بين الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، وكلما برز تصعيد جديد على الحدود بين اسرائيل ولبنان، بدا أكثر فأكثر الى اي حد لا يملك الإئتلاف الحكومي الذي يحكم اسرائيل اليوم برئاسة ايهود اولمرت سياسة واضحة ومتفقاً عليها لمواجهة هذه الازمات وانما هناك مزيج مختلف من الآراء والمواقف التي قد تبدو في بعض الاحيان متعارضة. وأبرز مثال على ذلك الموقف من المواجهات الدموية الدائرة منذ مدة بين حركتي "فتح" و"حماس" والأفق السياسي للخروج من المأزق. ثمة اطراف في الحكومة الاسرائيلية ترى في الاقتتال الدموي الدائر مصلحة واضحة لإسرائيل، لا بل هناك جهات شجعت عليه على أمل ان تؤدي المواجهة المسلحة الى حسم الصراع على النفوذ والسلطة بين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الحكومة اسماعيل هنية وتقليص سيطرة "حماس" وتهميشها. ويشدد هؤلاء على ان المصلحة الاسرائيلية تقتضي تقوية موقف عباس بكل الوسائل وصولاً الى تحقيق هذا الحسم. في المقابل هناك من يرى داخل الحكومة وبصورة خاصة وزيرة الداخلية ووزير الدفاع أن الخروج من المأزق يفرض على اسرائيل البحث عن سبل أخرى للتعامل مع الواقع الجديد الذي نشأ مع وصول حركة "حماس" الى السلطة بحيث لا تتحجر المواقف الاسرائيلية عند شرط ضرورة اعتراف "حماس" بحق اسرائيل في الوجود، وان هناك طرقاً أخرى مثل اعلان الحركة قبولها الاتفاقات المعقودة مع اسرائيل كسبيل للخروج من هذا المأزق وفتح قنوات الحوار السياسي التفاوضي المقطوعة مع اسرائيل منذ نجاح "حماس" في الانتخابات قبل سنة. ولكن هذا لا يمنع ان هناك جهات رسمية اسرائيلية بدأت تعد العدة لإحتمالات دراماتيكية في حال لم تثمر اجتماعات مكة عن اتفاقات ملزمة وفشلت الوساطة السعودية في ايجاد تسوية داخلية، من بينها احتمال احتلال الجيش الاسرائيلي قطاع غزة من جديد لوقف التدهور ولجم الفوضى، مما يعني السقوط النهائي لاتفاقات أوسلو والعودة الى الوراء أي الى زمن الاحتلال الاسرائيلي للمناطق الفلسطينية كأن الانتفاضة لم تحدث ولا السلطة الفلسطينية المستقلة نشأت، بعدما تبيّن بالملموس ان الفلسطينيين عاجزين عن حكم انفسهم بأنفسهم. والراهن ان حكومة اولمرت التي تعاني الكثير من المشكلات الداخلية عاجزة عن حسم موقفها السياسي لأنها أضعف من ان تقوم بذلك. فهي توحي للإدارة الأميركية أنها تؤيد احياء خطة "خريطة الطريق" من جديد، وتعلن التزامها تنفيذ ما تطلبه منها الخطة، ولكن عندما ينوي وزير الدفاع اخلاء بعض المواقع الاستيطانية "غير القانونية" تقوم القيامة على وزير الدفاع وتعرقل عملية تنفيذ الاجراءات. وعندما تلمح وزيرة الخارجية تسيبي ليفني الى انفتاحها على ايجاد قناة للتحاور مع "حماس" تتعرض لحملة انتقادات هوجاء تشكك في قدراتها على الحكم. وحتى محاولات اولمرت الانفتاح على ابو مازن تجابه من جانب اليمين بالنقد الشديد الذي يذكر بأن ماضي "فتح" لا يقل دموية في مواجهة اسرائيل عن ماضي"حماس". يحذر العديد من المراقبين الاسرائيليين أن الانهيار الكامل للأوضاع الأمنية في القطاع وسيادة الفوضى المسلحة والفلتان الأمني لا بد أن تكون لهما انعكاسات على اسرائيل عاجلاً أم آجلاً، وأنه ليس من مصلحة اسرائيل في شيء عودة جنودها من جديد الى شوارع غزة لأن من شأن هذه الخطوة اظهار احتلال اسرائيل للأراضي الفلسطينية باعتباره السبب لانعدام الاستقرار في المنطقة في الوقت الذي تسعى فيه اسرائيل بشتى الوسائل لتبرهن ان عدم الاستقرار في الشرق الاوسط وراءه توسع النفوذ الايراني وصعود الحركات الأصولية الاسلامية. تحصد اسرائيل ثمار فشل السياسة التي اتبعتها تجاه السلطة الفلسطينية منذ نشوب انتفاضة الأقصى قبل ستة أعوام حين عمدت الى اضعافها ومحاصرة زعيمها وتهميشها وقطع الاموال عنها. واليوم ترتكب اسرائيل خطأ فادحاً آخر عندما تعتقد انها قادرة بدعمها لمحمود عباس على اضعاف "حماس" وتهميشها. وهذا مجرد اخفاق آخر يضاف الى السلسلة الطويلة لإخفاقات حكومة اولمرت.