للمرة الثالثة تتهم صادرات الغزول القطنية السورية.. بالإغراق. ففي ظل الحديث عن تدني قيمة الصادرات السورية والتحديات التي تواجه الإنتاج السوري في الأسواق العالمية جودة وسعراً، تأتي هذه الأخبار لتبعث في نفوس الكثيرين غير المختصين كثيراً من الثقة بالمنتج السوري، فعندما يفرض رسم إغراق، فهذا يعني المنتج السوري منافس بقوة ومطلوب.. وفي الوقت ذاته، فمثل هذا الخبر يبعث القلق لدى الجهات المعنية التي تعلم ماذا لديها.. وتأثيرات مثل هكذا قرار عليها!!.

في البداية جاءت التهمة في العام2001 من دول الاتحاد الأوروبي، التي لاحظت المفوضية الأوروبية آنذاك أن هناك تدفقا كبيراً من صادرات الغزول القطنية السورية من النوعية الجيدة والمترافق مع انخفاض مستمر بالأسعار حتى أنه أصبح أقل بكثير من المعدل، وباتت أسعاره بالتالي أقل من أسعار باقي الموردين إلى الاتحاد، الأمر الذي أدى إلى إخراج عدد من المنتجين من السوق في الاتحاد الأوروبي، وفي تركيا التي ترتبط بالاتحاد الأوروبي باتفاق اتحاد جمركي، وهذه التهمة التي بدأت بتقديم عدد من تجار موردي الغزول إلى الاتحاد الأوروبي باعتراضات على أسعار الغزول القطنية السورية، وحلت بطريقة دبلوماسية لم تمنع أحد المسؤولين في المفوضية من القول (لا نريد أن نهدد ولكننا لا نريد أن تبدأ العلاقات بين سوريا والاتحاد الأوروبي بقضية مكافحة إغراق قد تكون مؤلمة جداً..) علماً أن صادرات سوريا الإجمالية من الغزول القطنية والأقمشة كانت بحدود 76 ألف طن وبقيمة تصل لنحو 177 مليون دولار.

التهمة الثانية للغزول القطنية جاءت في العام 2002 من قبل وزارة التجارة والصناعة المصرية التي قررت فرض رسوم إغراق بنسبة 150% لمدة سنة على الغزول السورية وذلك استجابة لشكاوى المصانع المحلية، وآنذاك أكدت المؤسسة العامة للصناعات النسجية أنها منذ الشهر العاشر من العام 2001 وحتى فرض رسوم الإغراق في نيسان 2002 لم تصدر أية كميات إلى مصر بسبب الرسوم التي فرضت آنذاك من الجهات المصرية تحت تسمية تحسين الأسعار، وكانت نسبتها تصل لنحو 17% إضافة للرسوم والضرائب، علما أن صادرات المؤسسة خلال العام 2000 لم تسجل سوى تصدير 13 ألف طن وفي العام 2001 وحتى نهاية الشهر العاشر كانت صادراتها نحو 6654 طناً، وتم آنذاك حل الأزمة بين الجانبين.. لكن كما علم الجانب السوري في العام 2002 عن طريق التلفزيون بفرض رسوم الإغراق علم هذه المرة.. إنما عن طريق الصحافة المصرية التي نشرت خبر فرض رسوم إغراق على الغزول القطنية السورية؟!.

من وجهة مصرية!

المشكلة كما يرويها تقرير جهاز مكافحة الدعم والإغراق والوقاية المصري والذي حصلت (أبيض وأسود) على نسخة خاصة منه تشير إلى أنه في شهر آب من العام الماضي تلقت الإدارة المركزية للسياسات التجارية الدولية – جهاز مكافحة الدعم والإغراق والوقاية - شكوى مؤيدة مستندياً من الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج والملابس تدعي فيها أن الزيادة في حجم الواردات المغرقة من صنف الغزول المصدرة من أو ذات منشأ سوري سببت ضرراً مادياً للصناعة المحلية تمثلت مظاهرة بانخفاض متوسط أسعار البيع المحلي، زيادة نسبة التكلفة إلى سعر البيع، انخفاض حجم الإنتاج، انخفاض حجم المبيعات، انخفاض القدرة على استغلال الطاقة المتاحة، تحقيق خسائر للصناعة المحلية، انخفاض الحصة السوقية للصناعة المحلية، انخفاض معدل العائد على الاستثمار، انخفاض في التدفقات النقدية، وانخفاض معدلات النمو والقدرة على زيادة رأس المال.. وفي بداية شهر تشرين الأول الماضي أعدت سلطة التحقيق تقريراً للعرض على اللجنة الاستشارية التي قامت بدورها بإعداد تقرير للعرض على وزير التجارة والصناعة متضمناً التوصية باتخاذ إجراءات بدء تحقيق مكافحة الإغراق، وقد وافق الوزير على ذلك ليتم في منتصف الشهر المذكور الإعلان عن بدء تحقيق مكافحة الإغراق في الواردات المغرقة من صنف الغزول المصدرة من أو ذات منشأ سوري بالوقائع المصرية (الجريدة الرسمية).

ويضيف التقرير المذكور أنه وخلال شهر تشرين الأول الماضي تم إرسال قوائم الأسئلة للمنتجين والمصدرين المعروفين لسلطة التحقيق وكذلك إلى السفارة السورية بالقاهرة لتوزيعها على المنتجين والمصدرين السوريين تنتهي في 25/11/2006، كما تم إرسال قوائم الأسئلة إلى كل من الصناعة المحلية والمستوردين ووفق ما يذكره التقرير فإن سلطة التحقيق تلقت رداً على قوائم الاستقصاء من الصناعة المحلية، كما تلقت رداً من بعض المنتجين والمصدرين الأجانب للمنتج المعني في سوريا ورد من مستورد وحيد من المستوردين المعروفين.

ووفق البيانات التي عرضها التحقيق فقد اتضح لجهاز مكافحة الدعم والإغراق والوقاية أن حجم الواردات المدعي بإغراقها من سوريا خلال فترة تحليل الضرر بلغت 68% من إجمالي الواردات من كافة دول العالم وبالتالي تزيد عن الحد الأدنى 3% ومن ثم لا تعتبر قليلة الشأن.

وفي بند تحقيق الإغراق ذكر التقرير في نسخته السرية أسعار التصدير للشركات السورية العامة والخاصة والشحنات المصدرة من كل منها إلى مصر والقيمة العادية وهامش الإغراق وحجم الواردات والآثار السعرية والاقتصادية والعلاقة السببية بين الواردات المغرقة والضرر اللاحق بالصناعة المحلية ورسوم مكافحة الإغراق المؤقتة والتي كانت كنسبة مئوية من القيمة CIF كالتالي:

- الشركة العامة للخيوط القطنية 14.56%.

- شركة جبلة الحديثة للغزل 13.6%.

- شركة حلب لغزل العوادم 0%.

- شركة البركة للغزل والصناعات النسجية 0%.

- الشركات الأخرى 14.56%.

هذه أبرز المعطيات من وجهة نظر الجانب المصري والتي استند عليها لفرض رسوم إغراق على صادرات الشركات السورية من الغزول القطنية باستثناء شركتين هما شركة حلب لغزل العوادم وشركة البركة للغزل والصناعات النسجية، إذ أنه ووفق ما جاء في التقرير وبيانات الشركتين فإن صادراتهما لمصر تمت لشركات تابعة لهما.

والتفنيد السوري:

بعد صدور قرار وزير التجارة والصناعة المصري بفرض رسوم إغراق على صادرات الغزول القطنية السورية، رفض وزير الصناعة الدكتور فؤاد عيسى الجوني اقتراحاً قدمه السفير المصري بدمشق لعقد اجتماع للجنة الصناعية المشتركة بين البلدين قبل أن يتم إلغاء القرار المذكور، لاسيما وأن هناك أكثر من 60 حاوية تنتظر في الميناء بعد منعها من الدخول إثر القرار المفاجئ، فيما توجد في البحر 20 حاوية أخرى.. وبنتيجة الاتصالات بين الجانبين تم الاتفاق على قيام وفد فني من المؤسسة العامة للصناعات النسيجية بزيارة القاهرة لبحث الموضوع مع الجهات المصرية المعنية وليعلن بعد عدة أيام عن اتفاق تم بموجبه إيقاف القرار المذكور، ويؤكد الدكتور جمال العمر مدير عام المؤسسة العامة للصناعات النسيجية ورئيس الوفد لـ(أبيض وأسود) أن (الجانب السوري قدم خلال الاجتماعات التي جرت في وزارة التجارة والصناعة المصرية شرحاً وافياً عن صناعة الغزل والنسيج في سوريا والأمور المتعلقة بشكل خاص بالتكاليف والتسعير في السوق الداخلية والذي يتم تدقيقه كل ثلاثة أشهر أو عند الضرورة..) مؤكداً أنه تم إعلام الجانب المصري (أنه من خلال الاستمارات التي تمت الإجابة عليها من قبل الشركات السورية لم يكن هناك مبرراً لفرض رسوم إغراق، مع الإشارة بأنه تم رد جميع الادعاءات التي يدعي الجانب المصري بأنها سببت الإغراق وبالوثائق والثبويتات، وأنه كان يجب على الجانب المصري التأكد من كافة المعلومات المتعلقة بالاستبيان قبل إصدار قانون الإغراق..).

وحول الاتفاق الذي تم الاتفاق عليه وبنوده أوضح الدكتور العمر (توصلنا بعد المداولة، والتي كان يطلع عليها بشكل مستمر وزير الصناعة الدكتور فؤاد عيسى الجوني، إلى ضرورة طي قرار الإغراق الصادر عن وزير التجارة والصناعة وهو ما يعني ضرورة سحب الشكوى المقدمة من الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج والملابس وتم بالفعل ذلك، كما تم وضع لائحة أسعار اعتبرت كحد أدنى لأسعار الغزول الموردة للسوق المصري من كافة الدول المصدرة للغزل وتعميم هذه الأسعار على كافة الجهات ذات العلاقة ومنها إدارة الجمارك المصرية لاعتمادها منعا لتزوير الفواتير الحقيقية.. وتأييداً لهذا الحل الودي تم الاتفاق على تشكيل لجنتين الأولى بين كل من الشركة القابضة والمؤسسة العامة النسجية ومهتمها بحث سبل التعاون والتكامل في قطاع الصناعات النسيجية والمراجعة الدورية كل ثلاثة أشهر لأسعار الحد الأدنى المتفق على تطبيقها والواردة سابقاً، واللجنة الثانية تشكل من مجموعة من الخبراء من الجانبين ويرأسها وكيل بوزارة التجارة والصناعة المصرية ومعاون وزير الاقتصاد والتجارة السوري ومهتمها بحث كافة العقبات والصعوبات التي تعترض المبادلات التجارية بين البلدين وإيجاد الحلول المناسبة لها وتجتمع كل ستة أشهر.. إضافة إلى الاتفاق على التعاون في مجال تبادل الخبرات وفيما يتعلق بشكل خاص بموضوع الإغراق والدعم والوقاية بين كل من جهاز مكافحة الإغراق والدعم والوقاية المصري ووحدة مكافحة الإغراق والدعم والوقاية لدى مديرية تسهيل وكفاءة التجارة في وزارة الاقتصاد والتجارة السورية..) واصفاً الاتفاق بالمفيد لكلا الطرفين ومصالحهما وعلاقاتهما الاقتصادية.

والنجاح في حل مشكلة فرض رسوم الإغراق والذي تم لاحقاً بقرار رسمي من وزير التجارة والصناعة المصري، فتح الباب أمام اقتراحات جديدة للتعاون بين البلدين إذ أبدى الجانب السوري، كما يشير الدكتور العمر، استعداده للتعاون مع الجانب المصري في مجال صباغة وتجهيز الأقمشة نظراً لتوفر الإمكانية الفنية المتطورة في بعض شركات المؤسسة وعدم توفرها لدى الجانب المصري، وفي الطرف المقابل توفر الخبرات الجيدة لدى الفنيين في مصر.

أخيراً..

مشكلة الإغراق،التي حلت باهتمام مصري على أعلى مستوى،تفتح باب من التساؤلات عن وضع الغزول القطنية السورية وأسعارها..

قبل أن نوضح هذه الناحية نشير إلى أن إحصائيات المؤسسة العامة للصناعات النسيجية تشير إلى أن صادرات شركاتها إلى جمهورية مصر العربية خلال الفترة الممتدة من بداية شهر تموز العام 2005 ولغاية نهاية شهر حزيران الماضي، وهي فترة اتهام الغزول القطنية السورية بالإغراق، بلغت نحو 25064 طناً مشكلة بذلك 12.53% من حجم استيعاب السوق المصرية التي تبلغ وارداتها السنوية نحو 200 ألف طن.

مقارنة بأسعار صادرات العديد من الدول كالهند وأندونيسيا تحافظ أسعار الصادرات السورية من الغزول القطنية على مستوى مرتفع، يتحرك تبعا للسوق العالمية انخفاضا أو ارتفاعا إنما يبقى هو الأعلى، إنما عامل الجودة الذي يميز الإنتاج السوري عن غيره يمنحه فرصة المنافسة والتقدم، وبالتالي فإن تحديد حد أدنى لأسعار الصادرات المتوجهة إلى مصر بما فيها الصادرات السورية يمنحها ميزة أخرى للمنافسة في مواجهة صادرات الدول الأخرى المتجهة نحو السوق المصرية.