اصلاً، ما كانت القمة السعودية – الايرانية لتنعقد لو لم تكن مقومات نجاحها انجزت قبل انعقادها. وما كان الرئيس نجاد ليحل ضيفاً على الملك عبدالله لو لم تنه الدوائر المساعدة في طهران والرياض التباينات والخلافات التي كانت تحول دون التقائهما من قبل. مجرّد الاجتماع يعني ان القمة توجت المهمة التي عمل طويلاً على ولادتها علي لاريجاني والامير بندر، ويكفي جلوس الرئيس والملك ثلاث ساعات متواصلة معاً للقول ان صفحة التوتر في العلاقات بين القطبين الاسلاميين قد طويت وان صفحة جديدة من التعاون قد فتحت.

الصمت الرسمي المطبق في العاصمتين بعد القمة وعدم صدور بيان ختامي يلخص ما دار فيها (كما جرت العادة في مثل هكذا مناسبات) قد يشجع البعض، وخصوصاً في لبنان، على التزام الحذر والتشكيك في ان حل الأزمة بات على الابواب. بيد ان عدم حصول ذلك قد يعني ايضاً اتفاقاً ضمنياً من نوع آخر، وهو ان اخراج الحل اللبناني - في حال التوصل اليه - قد تُرك للمملكة حتى يأتي عربياً برعاية سعودية، تماماً كما حصل في اتفاق مكة الفلسطيني. ومن شأن ذلك اظهار حسن النية الايرانية وان طهران لا تتدخل في شؤون عربية وان دورها "مساعد" ويقتصر على المساهمة في نزع فتيل التوتر المذهبي ليس الا. بارقة التعاون المستجد بين المملكة والجمهورية الاسلامية برزت ملامحها الاولى في اتفاق مكة والذي لولا "التسهيل الصامت" من طهران و"المَوْنة" الايرانية الضمنية على "حماس" لما انجزت مسودته المؤجل تنفيذها بعد. اما المحطة الثانية فكانت في لبنان بالحض على التهدئة بعد احداث "الخميس الاسود" ثم بالعمل الحثيث لانهاء الازمة. اما تتويج التعاون فلا يزال دونه ملفان شديدا التعقيد: العراق والبرنامج النووي، وهما كفيلان في حال تعثرهما باطاحة كل ما انجز حتى الآن. ومع ذلك فإن لا في لبنان ولا في فلسطين يمكن لاي حل ان ينضج من دون اولاً "المساعدة الداخلية" وثانياً "المساعدة الخارجية" من اطراف فاعلين ومؤثرين بدءاً من الولايات المتحدة وصولاً الى سوريا القادرة على العرقلة في اكثر من مكان لا سيما وانها معنية مباشرة بأصل من اصول المشكلة اللبنانية وهو المحكمة الدولية. كما وان علاقتها باللاعب الرئيسي واشنطن شديدة السوء وبـ"الطباخ العربي" للحلول شديدة التوتر.

حتى الآن، لم يصدر عن المعنيين الآخرين بانضاج الحلول اي مؤشرات ايجابية توحي بالاستعداد لتسهيل وصول التعاون السعودي الايراني الى خواتيمه "السعيدة"، ومن بين هؤلاء دمشق التي لم يصدر عنها سوى اقوال حسن النية غير المسنودة بافعال والمعلقة في انتظار ما ستحمله نتائج المؤتمر الاقليمي للعراق والقمة العربية... لا بل في انتظار ان تنجح طهران في تسويقها لدى الرياض واعادة وصل ما انقطع بينهما.

دمشق مرة اخرى في قلب المعادلة الايرانية – العربية لكن هذه المرة في الموقع المعاكس. فبعدما كانت سوريا طوال العقود الثلاثة التي اعقبت الثورة الاسلامية جسر طهران الى العرب والبوابة التي دخلت منها ايران الى فلسطين ولبنان، باتت الآن تستعين بالمعبر الايراني للعودة الى العرب وتحديداً الى الرياض التي شكلت على الدوام احدى اكثر البوابات اغلاقاً في وجه ايران.

ربما يكون من السذاجة الاستخفاف بمتانة العلاقة السورية – الايرانية وعمق التحالف الاستراتيجي بين هاتين الدولتين ومحوريته بالنسبة الى دمشق وطهران. كما ان التواصل الوثيق بين العاصمتين لا يزال حاجة ملحة وضرورية تفرضها المواجهة الصعبة التي تستهدفهما معاً، لكن هل يضير طهران ان تفتح باباً آخر على العرب وتقيم علاقة مباشرة وبلا وسيط معهم بعدما كانت هذه العلاقة "اجبارية" عبر ممر واحد؟ وكيف اذا كان المدخل هو البوابة السعودية الاكثر اتساعاً والمؤدية الى طرق كثيرة حتى ولو ترتب على عبورها اثماناً غالية؟

حسن العلاقة بين الجانبين تظل قائمة ما دامت المعادلة الجديدة تحفظ المصلحة الكاملة لكل منهما لكنها سرعان ما تختل اذا غلّبت مصلحة طرف على مصلحة طرف آخر. وفي الحالة اللبنانية الحالية هل ان قلب الادوار بين ايران وسوريا يظل يحفظ لدمشق ما كانت تحصله عندما كانت الممر الاجباري الوحيد؟ وهل ان الاختلال الحاصل في ميزان العلاقة يساعد الحل المنشود او يعرقله؟

مصادر
النهار (لبنان)