خبران إسرائيليان يعنيان الكثير، الأول، مضمونه اعتراف يثير الآن ضجة اسرائيلية كبيرة، فهو في هذه الأيام والمقبل منها مثار مزايدات بين السياسيين ومادة جدل إعلامي يتصاعد، مصدره ما جاء على لسان رئيس الوزراء إيهود أولمرت وهو يواجه أسئلة ما يعرف ب"لجنة فينوغراد" الموكل لها التحقيق في إخفاقات الحرب الإسرائيلية العدوانية الأخيرة على لبنان. قال أولمرت للمحققين متنصلاً هو وحكومته من مسؤولية تلك الإخفاقات ما مفاده أن هذه المسؤولية إنما تقع مناصفةًً على كاهل كل من الجيش الغازي والولايات المتحدة، أي التي هي أصلاً، كما هو معروف، صاحبة مشروع الحرب الحقيقية وراعيتها بعد أن شُنّت، ثم مانعة إيقافها ومطيلة أيامها فيما بعد... لكن الأهم هو اعترافه بأن قرار الحرب، الذي قال إنه نوقش على المستويين السياسي والعسكري قبل اتخاذه و"تم بتروٍ"، قد أصبح جاهزاً ومعداً للتنفيذ قبل أربعة أشهر من حادثة أسر الجنديين الإسرائيليين من قبل المقاومة اللبنانية، أي قبل تاريخ شن تلك الحرب المعروف، الأمر الذي يفضح هذه الذريعة المزعومة كمسبب لشنها وما رافقها من أضاليل ضُخّت لتبريرها إبان اندلاعها وبعد توقفها وإلى يومنا هذا.

...والخبر الثاني، هو الإعلان عن تطوير جندي آلي إسرائيلي لاستخدامه ضد الفلسطينيين وحزب الله اللبناني، يتم الآن الترويج له بتعداد مزاياه، تلك التي ليس أقلها أنه سوف يوفر باستخدامه الخسائر في صفوف جنود الاحتلال ويسد النقص في عديدهم... لعل الهدف من هذا الترويج واضح هو حض الولايات المتحدة على المسارعة لاقتنائه، بمعنى أو بآخر ضمان تمويل عملية إنتاجه، ويؤكد هذا قولهم بأنه يصلح للعمل في كل من العراق وأفغانستان!

من نافل القول أن هذين الخبرين يكشفان عن طبيعة عدوانية متأصلة في كيان استعماري استيطاني إحلالي عنصري، وينفيان وهم المراهنين على احتمالات مزعومة لجنوحه يوماً ما إلى السلم، بل هما يعيدان الاعتبار إلى مقولة أن وجوده أو قيامه أصلاً إنما هو نقيض لمفهوم السلام، وبالتالي يؤشران على استحالة مراهنة هؤلاء المراهنين على إمكانية التعايش معه... لن نتعرض هنا إلى قضية هي في حكم المطروحة هذه الأيام وتتصاعد تداعياتها، تتمحور حول آخر ما تم الكشف عنه من مسلسل جرائم عمليات إعدام الأسرى المصريين والفلسطينيين إبان الحروب الإسرائيلية العربية، والتي هي على أية حال تظل مسألة قديمة جديدة. لكننا، وفي غمرة ما يدور من لغط حول ضرورة التوافق الصعب على تشكيل ما تدعى "حكومة الوحدة الوطنية"، أو إذا ما تتبعنا حالة التجاذب والمناورات التي طالت بين طرفي النزاع في سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود حول الأمر، وما يثار على هامش ذلك من كلام حول الفوارق بين معاني الالتزام أو الاحترام أو القبول بالاتفاقات الأوسلوية التسووية والتصفوية مع إسرائيل، لاسيما في غمرة الكلام الأمريكي الإسرائيلي وبعض الإقليمي مجددا عن ضرورة مواصلة "مفاوضات السلام"، سوف نتوقف، ويجدر بنا ذلك، أمام بعض ما جاء في تقرير صادر عن مركز المعلومات الوطني الفلسطيني حول ضحايا الاحتلال في الفترة الزمنية التي تمتد منذ اندلاع انتفاضة الأقصى وحتى نهاية الشهر الأول من هذا العام، ومن ذلك:

أن الشهداء الفلسطينيين من ضحايا الاحتلال في هذه الحقبة فحسب قد بلغوا 550 شهيداً. أما الجرحى فكانوا 49760 جريحاً... في التفاصيل، الأطفال من بين هؤلاء الشهداء كانوا 937 شهيداً. ومن استشهدوا جراء سياسة الاغتيالات والتصفيات الجسدية 481 شهيداً، وكان عديد الشهيدات 351 شهيدة... أما المرضى اللذين قضوا على الحواجز العسكرية جراء المنع أو طول الانتظار، وهم من الأطفال والشيوخ، فقد بلغ 150 شهيداً. أما الشهداء جراء اعتداءات قطعان المستعمرين فقد بلغ عددهم 66 شهيداً... وقد يكون لافتاً أن شهداء أطقم الإسعاف كانوا 36 شهيداً، والعاملين في الحقل الإعلامي 9 شهداء، والحركة الرياضية 220 شهيداً...

التقرير يشير إلى أن الأسرى، الذين لا زالوا في المعتقلات الإسرائيلية، البالغة 30 سجناً ومعتقلاً، هم 10400 أسيراً، من بينهم 118 أسيرة، وإن 1150 من هؤلاء الأسرى يعانون من أمراض مزمنة... ومن بين هؤلاء الأسرى 1175 طالب وطالبة، 330 منهم أطفالاً، أما من هم من المدرسين أوموظفي وزارة التربية والتعليم فقد بلغوا 106 ما بين معلم وموظف. ويعرض التقرير إلى عدد المباني العامة والمقرات والمنشآت الأمنية المتضررة، فيحصي 645 مقراً عاماً ومنشأة. أما المنازل ف72437. أما عدد المدارس والجامعات التي تم إغلاقها بأوامر عسكرية فقد كان 12 مدرسة وجامعة. أما تعطيل الدراسة بسبب من العدوان فلقد لحق ب1125 مدرسة ومؤسسة تعليم عالي. أما تلك المتعرضة للقصف فكانت 359 مدرسة ومكاتب تربية وتعليم وجامعة. كما حوّل الاحتلال 43 مدرسة إلى ثكنة عسكرية لقواته...

ويمضي التقرير، فيكشف عن إجمالي مساحة الأراضي الزراعية التي تم تجريفها، فيذكر 80712 دونماً، أما الأشجار التي تم اقتلاعها فقد بلغ 13,572,896 شجرة... وهنا يأتي التقرير على أرقام تفصيلية مذهلة حول الهدم المتعمد في أغلبه للمخازن الزراعية والدفيئات والحظائر ومزارع الدواجن التي تم تدميرها، وعن الأعداد التي نفقت من الحيوانات والطيور وخلايا النحل، والآبار الارتوازية، ومنازل المزارعين، وشبكات الري والبرك والخزانات، والأسيجة والمشاتل، والجرارات والمعدات والورش، وحتى البسطات إلخ.

كما يعرج على نسبة العاطلين عن العمل بسبب الاحتلال فيقول أنها بلغت 30,3% من عديد المواطنين في الضفة والقطاع. أما نسبة الفقر فقد غدت 70%. ويحصي 5001 حاجزاً عسكرياً أقامه الاحتلال، ويعدد الانتهاكات بحق الصحفيين التي بلغت 1147 حالة اعتداء، أما قصف الأحياء السكنية فقد بلغ 36724، كما لم تسلم 432 منشأ صناعية من الأضرار الناجمة عن تلك الاعتداءات...

ونذكّر هنا أن التقرير قد اقتصر على المدة الزمنية المشار إليها، ولم يتعرض بالطبع إلى ما تلا من تقتيل واعتقالات وانتهاكات تصاعدت خلال الشهر المنصرم والجاري، كما هو الحال في مدن نابلس وجنين وسواهما. كما لم يذكر، مثلاً، إجمالي خسائر الاقتصاد الفلسطيني التي بلغت ستة عشر ملياراً وخمس مائة وثلاثة وستون مليون ومائة ألف دولار أمريكي بسبب الحصار المفروض على الحكومة الفلسطينية الراهنة.

لعل فيما تقدم ما يظهر بعضاً من وقائع "هولوكوست" فلسطيني مستمر ومبرمج يرتكبه الإسرائيليون ومن يدعمهم ويغطي عدوانيتهم بحق أصحاب الأرض الفلسطينية المغتصبة الصامدين فيما تبقى منها، لكن هناك أيضاً "هولوكوست" من نوع آخر يجري بصمت ضد الأرض الفلسطينية التي تُهوّد على مدار الساعة ويتم ابتلاع المزيد منها، لن نتحدث هنا القدس التي خلت من المؤسسات العربية التي تهودت أو جرى وضع اليد عليها، ولا عن الأقصى الشريف الذي ينبش التراب من تحت أساساته تمهيداً لهدمه وبناء الهيكل المزعوم مكانه، وإنما تكفي الإشارة إلى المذبحة التهويدية المسماة بالجدار العازل، الذي بدأ بنائه عام 2000 والذي أنجز 60% منه حتى الآن، والذي يبلغ طوله عند إتمام إنجازه 730 كيلومتراً، و80% من مساره يقع داخل الضفة، أي خارج حدود المحتل من فلسطين عام 1948، حيث يتوغل في هذا الداخل، مثلاً، إلى مسافة 22 كيلومتراً عند مستعمرة أريئيل. وهو عندما ينجز فلسوف يبتلع 47% من مساحة الضفة، وسيعزل 90 تجمعاً فلسطينياً ما بين مدينة وبلدة وقرية ومخيم، بسكانها البالغين 260 ألف نسمة، يضافون إلى 200 ألف مواطن مقدسي، أو من سكان منطقة القدس وحدها... أي كنتيجة مترتبة على إقامته فلسوف يتم عزل نصف مليون فلسطيني يحشرون بينه وبين حدود عام 1948... وما دمنا نتحدث عن العزل، فلا بد لنا من ذكر أن 28% من مساحة الضفة التي هي منطقة غور الأردن، أو ما يعتبر المخزن الغذائي والمائي لها، قد غدت معزولةً فعلاً منذ عام 2003. كما عزلت منطقة قلقيلية المسماة بدورها سلة غذاء الضفة. هذا بالإضافة إلى عزل 4% من مساحة الضفة عندما عزلت القدس، والتي سيخرِج الجدار آلاف الفلسطينيين منها في رأس خميس. وأخيراً، لسوف يُرحَّل بسببه أهالي 14 قرية فلسطينية في مناطق أخرى، بدأ ذلك بقرية عزبة الطبيب في منطقة قلقيلية.

نحن هنا لا نحتسب الطرق الالتفافية ولا البوابات والمناطق الصناعية وكل ما يدخل في حساب المستعمرات التي لا يضمها الجدار، ولا الحي الاستعماري الجديد المزمع إنشاؤه على مشارف القدس والذي سوف يضم 11 ألف وحدة سكنية للمتدينين اليهود قرب مخيم قلندية، ولا النفق الذي سوف يشق تحت قرية كفر عقب لربط هذا الحي الاستعماري بسواه من المستعمرات المقامة خارج الجدار العازل... والمهم أن لهذا الجدار التهويدي، الذي يكلف كل كيلومتر واحد منه 2 مليون دولار فقط، والذي هو سياسي وليس أمني كما يزعم الإسرائيليون، عدة أهداف تهويدية تبرر كلفته لدى من يقيمونه أو من يمولونه ويدعمونهم في إقامته، يمكن اختصارها فيما يلي:

ضمان ضم المستعمرات التي يقيم فيها 360 مستعمر، والذين 87% منهم يقطنون 74 مستعمرة، بالإضافة إلى القدس و أجزاء حيوية أخرى من الضفة، بحيث تغدو المستعمرات والأراضي والأحواض المائية في الجانب الإسرائيلي، أما التجمعات السكنية الفلسطينية التي أصبحت جزراً أو كانتونات ممزقة معزولة فتظل نظرياً في الجانب الفلسطيني، وبالتالي تتأكد على أرض الواقع استحالة قيام الدولة الفلسطينية العتيدة، التي سيصبح من العبث الحديث عنها لاحقاً، أقله لاستحالة رسم حدودها ناهيك عن انتفاء مقومات وجودها... وعليه، عند الانتهاء من إقامة هذا الجدار، هل من داع أو جدوى للتفاوض حول حدود تلك الدولة الموهومة؟!

في اعترافات أولمرت، ورفد جيش الاحتلال بجنود آليين... والمذبحة الفلسطينية المتواصلة ضد البشر والشجر والحجر، وأسوارهم التهويدية العازلة الزاحفة، ما يؤشر بلا لبس على طبيعة عدوانية استعمارية عنصرية تساوي في محصلتها تسوية موهومة وسلام مستحيل!