الاتحاد / باتريك سيل

تبدو القمة العربية المتوقع انعقادها في العاصمة السعودية الرياض، خلال يومي 28 و29 من مارس الجاري، أكثر وعداً وتبشيراً، إلى حد ما، من سابقاتها الكسيحة. ذلك أنها ربما تمثل دفعة باتجاه حل جملة من النزاعات والأزمات الإقليمية العربية المستعصية، سواء كانت في العراق ولبنان ودارفور، أم في تعثر عملية السلام الإسرائيلي- الفلسطيني، التي انتهت إلى طريق مسدود تقريباً. والسبب الرئيسي الذي يدعو إلى التفاؤل الحذر بالنتائج التي ستفضي إليها هذه القمة، هو الثقل الدبلوماسي الذي تلقي به المملكة العربية السعودية وراء القمة المذكورة، بالنظر إلى كل ما للمملكة من وزن اقتصادي ونفوذ ديني عالمي. فقد كان لها قصب السبق في عقد صفقات تفاوضية بين فصيلي "فتح" و"حماس" المتناحرين في فلسطين، وكذلك في خوض الحوار المباشر مع طهران، بغية تجنيب المنطقة شر نشوب نزاع طائفي سُني- شيعي، لا يبقي ولا يذر. والملاحظ أنه لم يجرؤ أحد على مس المملكة ولو بكلمة تجريح واحدة، بما في تلك الأطراف، واشنطن وتل أبيب، لكونها وسيطاً إقليمياً قائداً، له وزنه وقوته. على أن الوعد الرئيسي المرتقب من القمة، أن تكون مناسبة لحل النزاعات بين القادة العرب، وإشهار المنطقة، جبهة عربية متحدة، في نظر العالم كله. ومن هنا فإنه يتوقع للرئيس السوري بشار الأسد، أن يضع حداً لخلافاته مع كل من العاهل السعودي الملك عبدالله والرئيس المصري حسني مبارك، مع العلم بأن علاقاته مع كليهما قد دبت فيها الجفوة والفتور. غير أن الأزمة اللبنانية، تظل مصدراً رئيسياً للخصومة والخلاف بين القادة العرب. ذلك أن سوريا لا تزال على ضيقها وتبرمها بتدخل المملكة العربية السعودية وجامعة الدول العربية، فيما يجري في لبنان. ومن رأي دمشق أن حل تلك الأزمة يجب أن يرتهن إلى نفوذها هي، وعليه فإن من الواجب تسويتها، وفق شروطها هي. وبين هذا وذاك، لا يزال اللبنانيون في خلافهم الداخلي، حول من يجب أن يمثلهم في قمة الرياض المرتقبة: هل هو رئيسهم إميل لحود، المعروف بولائه لدمشق، أم رئيس وزرائهم فؤاد السنيورة، المعادي لسوريا، أم كلاهما؟ ومن القضايا الرئيسية التي يتوقع إثارتها في هذه القمة، إعادة إطلاق مبادرة السلام التي كان قد تقدم بها الأمير عبدالله "العاهل السعودي الحالي"، وأجازتها قمة بيروت المنعقدة في مارس من عام 2002. وقد نصت تلك المبادرة على منح إسرائيل السلام وتطبيع العلاقات مع الاثنتين وعشرين دولة عربية، فيما لو انسحبت إسرائيل إلى حدود عام 1967، وقبلت بتسوية عادلة ومتفق عليها لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين. ولذلك فإن المتوقع من قمة الرياض أن تجدد الدعوة لإسرائيل، من أجل التفاوض على تسوية سلمية مستدامة للنزاع، على أساس مبادرة السلام العربية هذه. لكن وكما هو في حكم العادة دائماً، فإن الأمل في إحراز طفرة حقيقية في هذا المنحى، يبقى ضئيلاً. والسبب هو أنه لا واشنطن ولا تل أبيب، تبديان حرصاً جدياً على المبادرة العربية هذه، حتى وإن لم تستبعداها كلية. بل لقد ذهب رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت إلى أكثر من ذلك بقوله: على رغم عدم قبولنا للكثير من شروطها وبنودها، فإنها تظل أساساً لا بأس به، للحفاظ على اتصالاتنا بالمعتدلين من العرب. وعلى رغم خواء هذا التعبير ولا معناه، فإن القصد منه، تحديد موقف احترازي إسرائيلي، من أية ضغوط فعلية ربما تمارسها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس على تل أبيب، فيما يتعلق بدعوتها إلى التفاوض الجاد مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. والحقيقة أن "أولمرت"، لا يزال أبعد ما يكون، من الاستعداد الفعلي للانخراط في مفاوضات جادة مع الفلسطينيين بوجه عام، وبدرجة أقل من ذلك، مع "أبو مازن". أضف إلى ذلك حملة الانتقادات التي تحاصر "أولمرت" من كل جانب الآن، وانحدار شعبيته إلى الحضيض، ما يشير إلى احتمال عدم بقائه طويلاً في منصبه الحالي. وها هو ذا، يتفادى أي اتصال ما أمكنه ذلك، مع قادة حكومة الوحدة الفلسطينية الجديدة، ما يشكل تناقضاً صارخاً مع ترحيبه الشكلي الاسمي بمبادرة السلام العربية! وكانت "رايس" قد سجلت زيارتها التاسعة للمنطقة، في عطلة نهاية الأسبوع الماضي. لكن وبدلاً من أن تكرس زياراتها المكوكية هذه، للدفع قدماً بعملية السلام الإسرائيلي- الفلسطيني برمتها، نراها تكتفي بذلك الهدف المتواضع، الرامي لبدء حوار مشترك بين "أولمرت" ومحمود عباس. وبعيداً عن الموقف الإسرائيلي المتمسك بمقاطعة الحكومة الفلسطينية إجمالاً، فقد أعربت "رايس" عن استعدادها للتفاوض مع أعضائها خارج حركة "حماس". وقالت "رايس" في ذلك، موجِّهة خطابها إلى لجنة فرعية من لجان مجلس النواب الأميركي، في الأسبوع الماضي: "أعتقد أنه من الأهمية بمكان، أن نظهر التزام أميركا بفتح أفق سياسي هناك، حتى يدرك الفلسطينيون أن مستقبلهم بيد قياداتهم العربية المعتدلة من أمثال أبومازن، وليس بيد قوى التطرف". أي بعبارة أخرى، أن "رايس" تبدو كما لو كانت تعمد إلى شق حكومة الوحدة الفلسطينية الجديدة التي شكلت للتو. وهي سياسة بعيدة من أن توصف بأنها بناءة. "رايس" التقت وزراء خارجية دول "الرباعية العربية": المملكة العربية السعودية، مصر، الأردن، والإمارات العربية المتحدة، في أسوان يوم 25 مارس الجاري. وفي هذا اللقاء أبدى ممثلو "الرباعية العربية"، حرصاً خاصاً على اختبار مدى جدية "رايس" وعزمها على الضغط على تل أبيب، ودفعها إلى طاولة المفاوضات، بناءً على مبادرة السلام العربية. لكن من أسف أن يكتشف هؤلاء، أنها ليست على استعداد للمضي بعيداً إلى ذلك الحد. والسبب أن غاية ما تطمح إليه "رايس" من ذلك اللقاء، ليس الدفع بعملية السلام الإسرائيلي- الفلسطيني، وإنما رص صفوف المعتدلين العرب، وتعبئتها ضد طهران. القمة المرتقبة جذبت إذن إليها الكثير من الاهتمام العالمي، بالنظر إلى عمق وتشعب الأزمات التي تعصف بالمنطقة. وضمن هذا الاهتمام، فإنه يتوقع للأمين العام للأمم المتحدة، "بان كي مون"، أثناء رحلة العشرة أيام التي يمضيها في المنطقة، أن يتعرف عن كثب على قضاياها ومشكلاتها. وضمن الرحلة نفسها، فإنه يتوقع له أن يزور كلاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة، والقاهرة وبيروت. أما في العراق، فقد لامس بنفسه طرفاً من العنف المستشري فيه، عندما سقط صاروخ في المنطقة الخضراء التي كان يلقي فيها كلمته. وربما نصحه مستشاروه بضرورة حث الإسرائيليين، ولاسيما "إيهود أولمرت"، على التفاوض مع جيرانه العرب، في سبيل البحث عن وسيلة لصب الماء في نيران المنطقة ونزاعاتها، فضلاً عما يعود به هذا التفاوض، من إنقاذ للمصير السياسي لأولمرت نفسه.