هل تعتزم أميركا ضرب إيران؟ وهل تعتزم إسرائيل ضرب سوريا؟ ولماذا تنفي إسرائيل «شائعة» ضرب سوريا؟ أسئلة صعبة، وأصعب منها الإجابة عنها. لذلك تكثر التحليلات والترجيحات والتكهّنات. وهي، في معظمها، لا تصدر عن أصحاب العلاقة، أميركا وإسرائيل وإيران وسوريا، بل عن سياسيين وعسكريين وإعلاميين في دولٍ ليست بالضرورة طرفاً في الصراع.

روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي نفى قبل أكثر من أسبوعين وجود خطة لدى البنتاغون لضرب إيران. إيهود أولمرت رئيس حكومة إسرائيل نفى بدوره «أية نية لدى إسرائيل لمهاجمة سوريا في الصيف». إيران لا تنفي ولا تؤكد أخباراً وروايات متداولة عن ضربة أميركية مقبلة لها، لكنها تحرص على التأكيد أنها مستعدة لكل الاحتمالات. سوريا تحذو حذو إيران فلا تتحدث عن التحدي الماثل بل تستعد لمواجهته.

ظاهر الحال ومنطق الأحداث يشيران إلى صعوبة قيام إدارة بوش بفتح جبهة جديدة تنضاف إلى الجبهات الأخرى التي تستنزفها عسكرياً وسياسياً واقتصادياً. فهي غارقة في وحول العراق، ومستنزَفة في جبال أفغانستان، ومتورطة في اضطرابات الصومال، ومنشغلة بأحداث فلسطين ولبنان والسودان.

إسرائيل منهمكة هي الأخرى في لعق جراح حرب تموز الفاشلة على لبنان صيف العام الماضي. رئيس حكومتها ووزراؤه وجنرالات جيشه منشغلون في الإجابة عن أسئلة لجان التحقيق وتبرئة أنفسهم من مسؤولية الفشل المدوّي في إدارة العدوان. فوق ذلك، يبدو جيشها وكأنه موضع إعادة نظر شاملة تتناول قادته وتدريباته وأسلحته وأساليب قتاله.

غير ان المعوّقات المشار إليها لا تلغي خيار الصدام العسكري مع إيران، ذلك ان الجمهورية الإسلامية أصبحت في واقع الأمر قوة إقليمية مركزية في وسعها أن تهدّد في الوقت الحاضر كما في المستقبل المصالح النفطية لأميركا وأوروبا واليابان، ويهدد امتلاكها المحتمل للسلاح النووي أمن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة وأمن إسرائيل الغارقة في صراعٍ مرير مع منظمات المقاومة الفلسطينية واللبنانية والإسلامية.

ثم هناك حساب تكلفة الحرب. إذ حتى لو تمكّنت أميركا وإسرائيل من معالجة مسألة المعوقات فإن مسألة أخرى أشد تعقيداً تنتصب بقوة في وجه المروّجين للحرب والمخططين لها. إنها مسألة التكلفة، ذلك ان الحرب قد تتسبب في تدمير صناعة النفط في المنطقة أو، على الأقل، في تعطيلها، الأمر الذي قد يرفع سعر برميل النفط إلى أكثر من 200 دولار ويضرب تالياً الاقتصاد العالمي برمته. صحيح ان أميركا وأوروبا واليابان بنت احتياطا نفطياً استراتيجياً يكفيها لمدة 18 شهراً، لكن مَن في وسعه الجزم أن الصدام العسكري، بما فيه إغلاق مضيق هرمز وقطع خطوط نقل النفط، سينتهي في 18 شهراً؟

كل هذه المعوّقات والمخاطر قد لا تُثني جورج بوش، في التحليل الأخير، عن ضرب إيران مدفوعاً بعاملين: الأول اقتصادي، لحماية مصالح أميركا النفطية من تهديد إيراني محتمل، والثاني إيديولوجي لدرء خطر «الإسلام الراديكالي» على الغرب، حضارةً ومصالحَ ونفوذاً. غير أن تعثّر سياسات بوش في العراق وسائر أنحاء المنطقة من جهة، وصعود المعارضة في الداخل الأميركي ضد سياساته الفاشلة من جهة أخرى، يعرقلان، وقد يمنعان، اتخاذه قراراً بضرب إيران من دون مسوّغٍ مقنع للرأي العام الأميركي. من هنا، يميل بعض الخبراء الاستراتيجيين إلى الاعتقاد بأن توفير المسوّغ ربما يتمثّل في الإيعاز إلى إسرائيل بضرب مفاعل بوشهر النووي الإيراني أو بضرب سوريا، ما سيؤدي، غالباً، إلى قيام إيران بالردّ على إسرائيل بضربة صاروخية، الأمر الذي يشكّل لإدارة بوش الذريعة الكافية لتوجيه ضربة جوية وصاروخية لإيران لا تتجـاوز مدتها 36 ساعة. ويأمل بوش، وقبله نائبه ديك تشيني واضع هذه الخطة، أن تقضي هذه الضربة على قاعدة إيران الصناعية وما يتيسّر من منشآتها النووية، فتعود بذلك القهقرى 10 أو 15 سنة إلى الوراء، وتفقد بالتالي دورها كقوة إقليمية مركزية فاعلة.

في سياق الإعداد لهذه الضربة وتنفيذها تحاول إدارة بوش، كما إسرائيل، توفير الأجواء السياسية اللازمة لتفادي ردود الفعل المؤذية، عربياً وإسلامياً ودولياً. ولعل أبرز ما قامتا به في هذا السبيل التدابير الآتية: * التغاضي عن سعي السعودية وبقية دول الخليج إلى الإيحاء لإيران بأنها ليست طرفاً في مخططات أميركا ضدها وغير موافقة على أية ضربة عسكرية تستهدفها. * صرف النظر عن تعديل مبادرة السلام العربية في قمة الرياض بقصد الإيحاء للعرب بأنها جادّة في حمل إسرائيل على تقديم تنازلات محسوسة من أجل إقامة دولة فلسطينية. * معاودة الاتصالات السياسية مع سوريا بقصد طمأنتها إلى عدم وجود مخطط لمهاجمتها، والتلويح لها بدور ما قد يُسند إليها في العراق إن هي كفّت عن دعم حزب الله لوجستياً وأقلعت عن معارضة نظام المحكمة الخاصة بمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري. وكذلك دعوة السعودية ومصر إلى معاودة التعاون معها سياسياً واقتصادياً لاحتوائها وتحييدها وإخراجها تالياً من تحالفها الاستراتيجي مع إيران.

في هذا السياق، حرص أولمرت على تحميل مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل رسالة إلى الرئيس السوري بشار الأسد مفادها «أن إسرائيل لا تنوي مهاجمة أحد، وكل ذلك مجرد شائعات من دون أساس. فهي لا تخطط لشن هجوم على سوريا، ولا تنسّق مع الولايات المتحدة لشن هجوم على إيران». لهذا النفي وظيفة أخرى هي محاولة تبديد مخاوف سوريا من الاستعدادات والتحركات غير العادية التي يتخذها الجيش الإسرائيلي في منطقة الجولان المحتلة، ذلك ان الجنرال عاموس يادلين رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية «أمان» كان قد قدّم تقريراً إلى الحكومة الإسرائيلية جاء فيه أن إيران وسوريا وحزب الله يجرون استعدادات دفاعية لاحتمال نشوب حرب في الصيف المقبل تقوم بها أميركا لا إسرائيل ضد إيران، وأنه يقتضي تفسير ما تقوم به إسرائيل من تحرّكات بأنه استعدادات احترازية ليس إلّا وأنها ليست في صدد التخطيط لمهاجمة سوريا أو حزب الله!

بعبارة أخرى، تريد إسرائيل طمأنة سوريا (وحزب الله) إلى أنها لا تنوي مهاجمتها، وأنها راضية عن معاودة اتصال أوروبا وأميركا بها، بل إن أولمرت على استعداد للاجتماع مع كل الزعماء العرب من أجل إحلال السلام في المنطقة.

هذا الموقف الإسرائيلي اللفظي لا يُلزم أميركا بشيء لجهة ما تعتزمه تجاه إيران من ضربة محتملة ولا لجهة سوريا وما تعتزمه تجاهها من تحركات في سياق سياساتها المعتمدة في فلسطين والعراق ولبنان. وهو موقف لا يمنع أميركا، بطبيعة الحال، ولا حتى إسرائيل من توجيه ضربة إلى إيران أو إلى سوريا إذا اقتضت ذلك مصالحهما الاستراتيجية والاقتصادية. لذلك كله لا يُسقط قادة إيران وسوريا وحزب الله احتمال توجيه ضربة أميركية أو إسرائيلية إليهم متّحدين أو منفردين من جهة، ومن جهة أخرى لا يخدعهم ولا يضلّلهم التهويل بالحرب الذي يمكن أن تكون أميركا وإسرائيل تتقصّدانه بغية حملهم على تقديم تنازلات محلية أو إقليمية أو الانشغال بدعاوى التهدئة والسلام بغية تسهيل تنفيذ الضربة المنتظرة ضدهم.

هذا مع العلم أن نجاح الضربة ليس مضموناً البتة. لكن يبقى سوء الظن بأميركا وإسرائيل دائماً من حُسن الفطن. أليس هذا درس التاريخ؟ * نائب ووزير لبناني سابق