بدا قصر الحكومة، عقب الهجوم الانتحاري الذي استهدفه وخلف 12 قتيلا و118 جريح، كبناية قديمة وقد تحطم جناح بأكمله، وانتشرت عبر أرجائه شظايا السيارة المفخخة وزجاج النوافذ• وخلف الهجوم خرابا تاما على مستوى عدة طوابق أعلى مدخل القصر، فيما أتلفت مكاتب الطابق الأول والثاني الذي يضم مكتب رئيس الحكومة ومصالحه•

عاشت العاصمة عمليات تفجيرية استعراضية، أعادت إلى الأذهان صور السيارات المفخخة التي نفذتها ’’الجماعة الإسلامية المسلحة’’ في منتصف التسعينات• حيث استهدف قصر الحكومة بهجوم انتحاري في حدود العاشرة و45 دقيقة، وفاجأ منفذ الهجوم رجال الأمن الذين يحرسون مبنى رئاسة الحكومة بسيارة تسير بسرعة متوجهة صوب الباب الرئيسي للمبنى، فأطلقوا عليها النار محاولين إيقاف السائق، لكن الأخير كان قد اقتحم المبنى مفجرا نفسه على بعد نحو مترين من مركز الاستقبال الذي عادة ما يحرسه عدد من رجال الشرطة في زيهم الرسمي• وقد تنقلت ’’الخبر’’ إلى موقع الانفجار، ووقفت عند حجم الدمار الذي خلفه وحالة الذعر التي تركها في نفوس السكان المجاورين، والذهول الذي ميز تصرفات رجال الأمن الذين لم يكونوا يتوقعون عملية انتحارية•

وتشير روايات شهود إلى أن منفذ الهجوم كان يقود سيارة من نوع ’’كليو خضراء اللون’’، إلا أن أعوان أمن ذكروا أن الهجوم تم بواسطة سيارة نفعية، وتوجه بسرعة نحو المدخل الرئيسي، بشكل يعكس نوايا تفجيرية، مما أثار رد فعل لدى رجال الأمن، الذين وجهوا نحوه وابلا من الرصاص قبل الانفجار، وخلف هذا الأخير حفرة قطرها قرابة المترين عند موقع التفجير مباشرة، بشكل يعكس قوة وحجم التفجير• كما أدت العملية إلى تهديم واجهة قصر الحكومة وواجهة الطوابق السبعة التي تعلو مركز الاستقبال مباشرة، وعلم أنها تضم مكتب الوزير المنتدب المكلف بالجماعات المحلية دحو ولد قابلية، ومكاتب خاصة باللجنة الوطنية للانتخابات، بما في ذلك ملفات تشريعيات ماي المقبل، وذكر إطار لـ’’الخبر’’، يعمل بالمصلحة المذكورة، أن عددا مهما من الملفات الخاصة بالتشريعيات قد أتلفت، بما في ذلك المودعة ضمن أرشيف الإعلام الآلي•

ولوحظ، عند مدخل قصر الحكومة، شظايا السيارة التي تفجرت وقد تطايرت أجزاؤها على مساحة 200 متر من موقع التفجير• في حين شوهدت ست سيارات وقد تفحمت عن آخرها بالقرب من ذات المكان، ونجا بأعجوبة عدد من الطلبة كانت حافلة تقلهم نحو أعالي العاصمة، تكسر جميع زجاجها• وعكف رجال الشرطة العلمية على البحث عن أشلاء ضحايا الحادث، وسط برك من الدماء، فيما ظل أفراد عائلات موظفي قصر الحكومة يتدفقون على المبنى للاطمئنان على ذويهم•

وتحدثت ’’الخبر’’ مع موظف بمكتب الوزارة المنتدبة المكلفة بالجماعات المحلية، كان في رحلة بحث عن هاتف نقال للإتصال بعائلته فقال: ’’قبل شروعنا في عملنا، بلغنا التحية لرجال الأمن العاملين بالمدخل وعدنا بعد الانفجار لنجدهم يسبحون في دمائهم’’، وتحدث عن إصابة عدد كبير من الموظفين بجروج نتيجة تطاير زجاج النوافذ وتحطيم أبواب وجدران أغلب المكاتب، وكذا سقوط بعض الأسقف، وقد تسبب هرع العشرات من الموظفين نحو باب الخروج في إصابة عدد كبير منهم، إثر التدافع والازدحام’’•

ودخلت ’’الخبر’’ قصر الحكومة، حيث تركن في الموقف المقابل عشرات السيارات وقد أصيبت بأضرار وتكسرت واجهاتها الأمامية، ولوحظت شظايا التفجير في جميع أرجاء الموقف، حيث عكف أعوان مختصون على جمعها، فيما أغلق الباب الرئيسي الذي يعبر من خلاله رئيس الحكومة نحو مكتبه، حيث تكسرت أغلب النوافذ الزجاجية• وتبين أن أكثر الأضرار قد أصابت الطابق الأول المخصص للاستقبالات وكذا الطابق الثاني، الذي يضم مكاتب التشريفات وديوان رئاسة الحكومة، وكذا مكتب عبد العزيز بلخادم، فيما أصيبت الطوابق الخمسة الأخرى بأضرار أقل وتضم مكاتب وزارة الداخلية، وكانت الحصيلة مرشحة للارتفاع لولا تدخل فرق مختصة من شركة ’’سونلغاز’’ إثر إصابة أنابيب توزيع الغاز•

أغلب الوجوه الحكومية تنقلت إلى مبنى الدكتور سعدان عقب الهجوم الانتحاري بدقائق، تنقل أعضاء في الحكومة إلى المبنى الذي يحتضن اجتماعهم الأسبوعي، وفضل رئيس الحكومة، عبد العزيز بلخادم، التعليق على الهجوم بشكل مقتضب، حيث قال: ’’إنه عمل إجرامي وجبان ولا يمكن إلا أن يوصف بالغدر والجبن•• هذا في الوقت الذي يطالب فيه الشعب الجزائري بالمصالحة’’• ولم يحدد بلخادم الجهة التي وصفها بالغدر• أما وزير الداخلية، نور الدين زرهوني، والمدير العام للأمن الوطني، العقيد علي تونسي، فقد فضلا معاينة بقية البنايات التي تشكل قصر الحكومة• وتضاربت الأنباء حول ما إذا كان رئيس الحكومة ووزير داخليته، بمكتبيهما ساعة التفجير أم لا• وقال موظفون ’’إن بلخادم كان بمكتبه، وكان بقصر الحكومة أيضا كل من وزير النقل محمد مغلاوي ووزير السياحة نور الدين موسى’’•

وشوهد عدد من أعضاء المكتب الولائي للأرندي بعين المكان، حيث لا يبعد المقر عن قصر الحكومة إلا بأمتار، حيث تنقل كل من شهاب الصديق ومصطفى براف وعبد الكريم حرشاوي إلى المبنى، وجاء تباعا كل من الوزراء، بوجمعة هيشور، عبد العزيز زياري، بوعبد الله غلام الله، الطيب لوح وجمال ولد عباس وأبو جرة سلطاني آخر وزير يلتحق• ويعتبر التفجير الانتحاري الذي وقع أمس، أولا من نوعه، حيث لم يسبق أن استهدف قصر الحكومة منذ بداية العشرية السوداء، كما لم يسبق أن تم تنفيذ عمليات انتحارية، وتوصف العملية على أنها تحمل تحولا هاما في مسار العمل الإرهابي الذي شهد تصاعدا خطيرا في الشهور الأخيرة• ورجح أمنيون أن يكون هجوم أمس، يحمل بصمات تنظيم ’’القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي’’، ويعتقد أن يكون التنظيم استعان بأشخاص بالعاصمة غير مبحوث عنهم من طرف مصالح الأمن، ومن المتوقع أن يشن الأمن اعتقالات في صفوف المشتبه بضلوعهم في العملية•