LL.M. لندن محام في سوريا / ألمانيا مدير مؤسسة استشارات إصلاح القوانين الاقتصادية

الدستور النافذ في سوريا تم وضعه بتاريخ 31/1/1973 من قبل مجلس الشعب آنذاك، وتم عرضه على الاستفتاء الشعبي بتاريخ 12/3/1973 حيث اقترن بتأييد أغلبية الناخبين. بشكل عام، تم بناء الدستور السوري، كمعظم الدساتير الحديثة في العالم، على أساس الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، حيث أناط الدستور السلطة التشريعية، بشكل رئيسي، بمجلس الشعب، وأعطى رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية مع بعض السلطات التشريعية ضمن قيود معينة. على الرغم من أن البناء العام للدستور السوري يماثل بناء أغلبية الدساتير الحديثة، فإن هناك خصائص معينة لهذا الدستور لابد من ملاحظتها من أجل تفهم طبيعة صلاحيات وأداء المؤسسات القائمة بالسلطتين التشريعية والتنفيذية فيه، وهذه الخصائص تنبع من كون الدستور السوري قد زاوج بين مبدأ الحزب القائد، حيث نصّ في المادة الثامنة منه على أن (حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية) من ناحية، وبين المبدأ الديمقراطي من ناحية أخرى، حيث ينص على أن (السيادة للشعب ويمارسها على الوجه المبين في الدستور) (المادة 2/2) وأن مجالس الشعب مؤسسات منتخبة انتخاباً ديمقراطياً يمارس المواطنون من خلالها حقوقهم في إدارة الدولة وقيادة المجتمع (المادة 10)، كما أن رئيس الجمهورية نفسه يتم ترشيحه من قبل مجلس الشعب بناءً على اقتراح القيادة القطرية لحزب البعث ويعرض الترشيح على الاستفتاء الشعبي. الصفة الثانية التي تميز الدستور السوري، والتي نود الإشارة إليها هنا، هي أنه، وعلى الرغم من أن بناءه العام يقوم على الفصل بين السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، إلا أنه، مثل باقي دساتير الدول الاشتراكية، يأخذ بما يسمى بالتفرقة بين الوظيفة السياسية والوظيفة الإدارية لمؤسسات الحكم، حيث أن حزب البعث والجبهة الوطنية التقدمية إضافةً لمجلس الشعب ولرئيس الجمهورية يقومون بتولي الوظيفة السياسية للدولة، بينما يتولى مجلس الوزراء الوظيفة الإدارية، حيث تعرّف المادة /115/ من الدستور هذا المجلس على أنه (هو الهيئة التنفيذية والإدارية العليا للدولة...).

ويلاحظ أنه من مقتضيات مبدأ الحزب القائد المكرسة في الدستور أن غالبية مرشحي مجلس الشعب (167 مرشحاً) يتم ترشيحهم من قبل أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية بما فيها حزب البعث، وباقي المرشحين (83 مرشحاً) يترشحون كمستقلين. وبالنتيجة فإنه من المفهوم بأن الأكثرية المطلوبة في مقررات مجلس الشعب (باستثناء تعديل الدستور) هي في يد أحزاب الجبهة، بل أكثر من ذلك، إن عدد نواب حزب البعث لوحدهم (133 نائباً) يكفي لتشكيل الأغلبية العادية في المجلس. بشكل عام، ومع الأخذ بعين الاعتبار الطابع العام للدستور السوري المشار إليه أعلاه، فإن مجلس الشعب هو صاحب السلطة التشريعية في الدولة، وقد أمّن الدستور الإطار القانوني والمؤسساتي والضمانات الأساسية التي تضمن لمجلس الشعب القيام بموجبات السلطة التشريعية. فأعضاء مجلس الشعب يتم انتخابهم بشكل عام ومباشر وسري ومتساو وفقاً لأحكام قانون الانتخاب (المادة 50/2) كما أن عضو مجلس الشعب يمثل الشعب بأكمله ولا يجوز تحديد وكالته بقيد أو شرط وعليه أن يمارسها بهدىً من شرفه وضميره. وقد ضمن قانون الانتخاب حرية الناخبين بانتقاء ممثليهم وسلامة الانتخاب، حق المرشحين في مراقبة العمليات الانتخابية ومعاقبة العابثين بإرادة الناخبين. كما أن أعضاء مجلس الشعب لهم حصانة، فلا يسألون جزائياً أو مدنياً بسبب الوقائع التي يوردونها أو الآراء التي يبدونها أو التصويت في الجلسات العلنية أو السرية وفي أعمال اللجان (المادة 66). ويعطي الدستور لأعضاء مجلس الشعب حق اقتراح القوانين وتوجيه الأسئلة والاستجوابات للوزارة أو أحد الوزراء. كما أن اختصاص مجلس الشعب يشمل إقرار القوانين، مناقشة الوزارة، إقرار الموازنة العامة وخطط التنمية، إقرار المعاهدات الدولية وحجب الثقة عن الوزارة أو عن أحد الوزراء للمجلس أن يؤلف لجاناً مؤقتة من بين أعضائه لجمع المعلومات وتقصي الحقائق في المواضيع التي تتعلق بممارسة اختصاصه. بالإجمال، لمجلس الشعب ذات الوظائف والصلاحيات التي تعطيها أغلب الدساتير لبرلماناتها وهي تشمل صلاحيات التشريع، والتي تعتبر أهم وظائف الدولة على الإطلاق لأن التشريع هو الذي يضع المبادئ الأساسية والأطر المالية لباقي المؤسسات في الدولة من تنفيذية وقضائية لممارسة عملها وأداء دورها، وصلاحية الرقابة المستمرة على أداء السلطة التنفيذية الإدارية لضمان قيامها بعملها على الشكل الصحيح. بغض النظر عن أي وجهة نظر في طبيعة الدستور السوري، ومع الأخذ بعين الاعتبار المبادئ الأساسية التي يرتكز عليها، فإن هذا الدستور يؤمن إطاراً قانونياً مناسباً ومساحة كافية لمجلس الشعب ليؤدي دوره كسلطة تشريعية للدولة من ضمن النظام الدستوري السياسي للدولة الذي يوجده الدستور نفسه. والسؤال المطروح هو عن مدى نجاح مجلس الشعب في أداء دوره كسلطة تشريعية وفي ملء المساحة المعطاة له في البنية السياسية والدستورية للدولة السورية.

إذا أخذنا المجلس السابق المنتهية دورته التشريعية الثامنة مؤخراً، يكون السؤال بشكل خاص عن الدور الذي قام به في مشروع الإصلاح القائم في سوريا منذ سنوات. طبعاً أسباب ودوافع انطلاق هذا المشروع الإصلاحي عديدة ومتشعبة والبحث فيها يخرج عن نطاق هذا المقال الذي سوف يحاول الإضاءة على المفاصل الأساسية للمشروع الإصلاحي، والتي هي برأينا المنطلق النظري للمشروع، إطاره التشريعي و المؤسساتي، ومستوى الأداء والكفاءة في تنفيذه، فقط لغايات بيان رأينا لجهة مدى وكيفية إسهام مجلس الشعب حتى الآن في إنجاز مراحل هذا المشروع على ضوء مقتضيات الصلاحيات التشريعية والرقابية المعطاة لهذا المجلس من قبل الدستور.

البعد الأول لأي مشروع إصلاحي هو – إن صحت التسمية – (نظرية المشروع الإصلاحي) ونعني بذلك فكرة المشروع الإصلاحي والبعد النظري الذي ينطلق منه مشروع الإصلاح ويستند إليه. نحن نسلم بأنه عملاً بمبدأ الحزب القائد المكرس في الدستور، كما بينا أعلاه، فإنه، و بغض النظر عن العوامل العديدة المباشرة وغير المباشرة التي أدت إلى توليد وتطوير نظرية الإصلاح، المفترض أن تصدر هذه النظرية عن الحزب القائد ومؤسساته والجبهة الوطنية التقدمية. ولكن على الرغم من أن الحزب يعتبر المصدر للنظرية والفكر الذي سيقود الدولة، إلا أن هذا الدليل النظري والفكري يأخذ مشروعيته كمعبر عن الإرادة العامة للشعب السوري من خلال نواب حزب البعث ونواب الأحزاب الأخرى في الجبهة في مجلس الشعب الذين يفترض بهم أن يكونوا قد ترشحوا على أساس أنهم قد توافقوا على برنامج انتخابي واحد يفترض أن يكون حصيلة مقررات حزب البعث وأفكار ومقررات الأحزاب الأخرى، وأن نجاحهم في الانتخابات وصيرورتهم أعضاءً في مجلس الشعب يعني أن إرادة الشعب قد اختارت برنامجهم ليتم إعماله في الدولة من خلال مؤسساتها المختلفة وعلى رأسها مجلس الشعب. أما المرشحين المستقلين فيفترض بهم طبعاً أن يكونوا قد ترشحوا بناءً على برامجهم الانتخابية الخاصة بهم.

وبالنتيجة، فإنه يفترض بأن نواب الجبهة في مجلس الشعب قد تبنوا برنامجاً واحداً يعبر عن فكر أحزابهم في مشروع الإصلاح بعد الانتخابات والسؤال الأول هنا، هل أعلن فعلاً مرشحو الجبهة برنامجهم المشترك وتم انتخابهم على أساسه؟ هذا السؤال وغيره من الأسئلة التي ستلي لا ننوي الإجابة عنها في هذه المقالة بل نطرحها هنا على المرشحين الحاليين للدورة القادمة لمجلس الشعب، خاصةً مرشحي الجبهة. كما أن السؤال مطروح أيضاً للناخبين بشكل عام.

وبعد الانتخابات وتشكيل الحكومة، يفترض بالحكومة أن تكون قد أعدت أولاً الخطط والسياسات التي تعبر عن برامج الأكثرية وهم أحزاب الجبهة وتقدمها لمجلس الشعب لمناقشتها ولإقرارها بحسب الصلاحية الدستورية المعطاة له، حيث تنص المادة /71/ من الدستور على أنه من ضمن اختصاصات مجلس الشعب مناقشة سياسة الوزارة وإقرار خطط التنمية. وعملياً، فقط تم إعداد خطة للدولة للسنوات القادمة تم عرضها على مجلس الشعب وإقراراها. والسؤال هنا هو: بغض النظر عن مضمون وجودة الخطة التي طرحت، هل قام النواب بمناقشتها قبل إقرارها للتأكد من أنها معبرة عن برنامجهم الانتخابي الذي ترشحوا على أساسه؟ وعلى افتراض أن هذه الأحزاب لم تقدم برنامجاً معلناً وأن برنامجها هو أفكارها ومنطلقاتها ومقرراتها الحزبية، فهل الخطة التي طرحت والتي تتبنى اقتصاد السوق الاجتماعي تعبر عن أفكار هذه الأحزاب التي بمعظمها لا زالت ترفع لواء الاشتراكية؟ ومع ملاحظة أن حزب البعث كان الأجرأ بين أحزاب الجبهة لجهة تطوير منطلقاته في المؤتمر الأخير الذي تمخض عن تطوير مجموعة من المنطلقات النظرية والفكرية والمقررات التي تشكل دليلاً لمسيرة الدولة خلال المرحلة القادمة بما فيها تبني مبدأ اقتصاد السوق الاجتماعي، فهل قامت الأحزاب الأخرى صاحبة الأفكار الاشتراكية بتطويرات مماثلة لأفكارها لتتبنى اقتصاد السوق الاجتماعي؟ وإن لم تفعل ذلك وهي لا زالت لا تقبل اقتصاد السوق الاجتماعي، فلماذا لم تعترض على الخطة عندما عرضت على المجلس؟ كل هذه الأسئلة مطروحة أيضاً على المرشحين الحاليين والناخبين على السواء.

بعد إقرار الخطط والسياسات العامة، تكون الخطوة العملية الأولى للإصلاح بإصدار تشريعات وتنظيمات جديدة تهدف إلى تغيير الإطار التشريعي والمؤسساتي القائم باتجاه النظام الاقتصادي والسياسي الجديد المنشود وهذا الإصلاح التشريعي والمؤسساتي يتم تنفيذه من خلال ثلاثة أمور رئيسية هي: إلغاء بعض التشريعات والمؤسسات القائمة وجعلها متناسبة مع النظام الجديد إيجاد تشريعات ومؤسسات جديدة من أساسها لم تكن موجودة وأصبح وجودها ضرورة للنظام الاقتصادي السياسي الجديد. وبالفعل فقد تم الإعلان رسمياً أن مجلس الشعب في دورته التشريعية الثامنة الماضية قد أقر /537/ مرسوماً وقانوناً وهذه القوانين والتشريعات رسمت الطريق للمرحلة القادمة. طبعاً هنا تجب الإشارة إلى أن مشروعات القوانين التي ينظر بها مجلس الشعب إما أن تحال له عن طريق الحكومة، حيث أن المادة /127/ من الدستور تجعل مهمة إعداد مشاريع القوانين من ضمن اختصاصات الحكومة، أو يتم اقتراح مشروعات القوانين من قبل مجلس الشعب نفسه، حيث أنه وبحسب المادة /7/ من الدستور والمادة /97/ من النظام الداخلي لأعضاء مجلس الشعب حق اقتراح القوانين ويجب أن يكون الاقتراح مؤيداً من عشرة أعضاء على الأقل. وعلى ضوء ذلك، السؤال المطروح هو عن مدى جدية مناقشة أعضاء مجلس الشعب لمشروعات القوانين المحالة إليهم من قبل الحكومة من أجل التأكد أن هذه المشروعات منسجمة مع الخطة التي تمت الموافقة عليها و كم من القوانين الـ/537/ المذكورة تم اقتراحه من قبل أعضاء مجلس الشعب أنفسهم بحسب الصلاحية المعطاة لهم في الدستور؟ أسئلة نطرحها على القارئ بغض النظر عن مضمون وجودة القوانين الصادرة، وهي، برأينا، بمعظمها قوانين ممتازة، ولكن يبقى السؤال إلى أي مدى كان هناك مساهمة، أو على الأقل مواكبة، من قبل مجلس الشعب لهذه القوانين ومضمونها والآثار التي تتركها على الحياة العامة، أم أن العملية التي قام بها مجلس الشعب لم تتعدَّ إقرار ما قدمته الحكومة له بدون أي مناقشة أو إضافة؟

المهمة الأساسية الثالثة لمجلس الشعب بعد إقرار الخطط العامة والتشريع هي الرقابة على أداء الحكومة للتأكد من أنها تنفذ الخطط والسياسات والقوانين التي أقرها مجلس الشعب وتؤدي عملها على الوجه الصحيح. وقد أمن الدستور لمجلس الشعب كل الوسائل الممكنة من أجل أداء هذا الدور. الدستور يعطي مجلس الشعب صلاحية استجواب الوزارة أو أحد الوزراء (المادة 73) وصلاحية تأليف لجان مؤقتة من بين أعضائه لجمع المعلومات وتقصي الحقائق في المواضيع التي تتعلق بممارسة اختصاصه (المادة 73). ولمجلس الشعب بالنتيجة أن يحجب الثقة عن الوزارة أو عن أحد الوزراء بناءً على اقتراح يقدم من خمس أعضاء المجلس، وفي حال حجب الثقة عن الوزارة يجب أن يقدم رئيس مجلس الوزراء استقالة الوزارة إلى رئيس الجمهورية كما يجب على الوزير الذي حجبت الثقة عنه تقديم استقالته (المادة 72). وقد فصل النظام الداخلي للمجلس في كيفية ممارسة المجلس لهذه الصلاحيات. بالنتيجة، فإنه من صلاحية مجلس الشعب، وواجبه، بصفته المعبّر عن الإرادة العامة للسوريين، أن يتابع أداء الحكومة للخطط والسياسات والقوانين المقررة وأن يحاسبها على تقصيرها. والسؤال الكبير المطروح هنا للقارئ أيضاً هو عن مدى وكيفية ممارسة مجلس الشعب السابق لهذا الدور، ونعتقد بأن المواطنين في سوريا لم يلحظوا أي دور رقابي يذكر لمجلس الشعب على أداء الحكومة.

على الرغم من أي وجهة نظر في طبيعة الدستور السوري وبنائه، فإن هذا الدستور ينيط بمجلس الشعب صلاحية تحديد الخطوط الأساسية لمسيرة الدولة، إضافةً للتشريع والرقابة على أداء الحكومة، ويجهزه بالأدوات اللازمة لذلك، ويبقى لنا أن نعمل على أن يقوم مجلس الشعب بهذا الدور، وأهم وأول خطوة في هذا المجال أن نعمل الآن على أن يصل لمجلس الشعب القادم المرشحون الواعون لدوره والمؤهلون للقيام بهذا الدور والذين لديهم الإرادة لذلك.