لم نشأ انتظار ما تحمله الصناديق الانتخابية من نتائج لنسأل عما نريده من مجلس الشعب الجديد، فصورة المجلس كما يفترض أن تظهر في بيانات المرشحين وأفكارهم وتطلعاتهم التي يفترض أنها كانت الدافع للترشح لمجلس الشعب، ومنهج العمل الذي سيقنع المرشح من خلاله ناخبيه لاصطفائه دون الآخرين ليمثلهم تحت قبة المجلس. الأمر على هذا النحو بديهي لا يحتاج إلى براهين، وعليه كان علينا أن نصوغ أسئلة الشارع الملحة على أساسها، كأن نسأل المرشحين عن أكثر القضايا حساسية والتصاقاً بناخبيهم، ماذا يعرفون عنها، وكيف سيطورونها لمصلحة ناخبيهم، أو يدافعون عنها في حال تعرضها لانتقاص.

بعد أن تباينت التصريحات الحكومية حوله كيف سيواجه مرشحو المجلس ضبابية مشروع (رفع الدعم الحكومي)..؟

قضية رفع الدعم الحكومي لبعض المواد، بدت أكثر الأسئلة إلحاحاً، وقد ارتفعت أصوات الحكومة بها في نهاية الدور التشريعي الثامن للمجلس، مبررة مشروعها هذا بأن الدعم يذهب إلى مستحقيه، حيث تستفيد نظرياً جميع الشرائح الاجتماعية على اختلاف مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية من ما مقداره (150 مليار) ليرة سورية ترصدها الدولة سنوياً للدعم، في حين أثبت الواقع العملي أن 10% من الشريحة الأغنى في سوريا تستفيد بـ52 ضعفاً من الدعم مقارنة بما تستفيد منه الشريحة الفقيرة.

ولأن الأصوات ارتفعت في نهاية الدور التشريعي الثامن ولمنح الفرصة للحكومة بطرحه على المجلس، بات من المؤكد أن مسألة رفع الدعم تنتظر الدور التشريعي التاسع لتكتسب ملامحها النهائية وصفتها القانونية.

ماذا عن رأي مرشحي المجلس بهذه القضية، كيف سيواجهونها في حال عرضت على المجلس وكانوا من أعضائه، وأكثر من ذلك ما الذي يعرفونه عن الدعم. لابد في البداية من الإشارة إلى التصريحات الحكومية الأخيرة حول رفع الدعم، والتي جاء معظمها، على لسان عرّاب المشروع الأستاذ عبد الله الدردري نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، والذي قال في معرض إجابته عن سؤال (أبيض وأسود) عن رفع الدعم الحكومي (نشر الحوار معه في العدد 213 بتاريخ 18/3/2007): (إن هذا الدعم غير مجد اقتصادياً، فهو يشكل عبئاً هائلاً على الموازنة، وهو غير عادل اجتماعياً أيضاً، فلماذا نستمر به؟ إن المواطن السوري العادي أولى بإعادة توزيع هذا الدعم عليه وخصوصاً أننا سنعمل على توزيعه بشكل دفعات نقدية (كاش) على كافة الأسر السورية، فترتفع حصة الفقيرة والمتوسطة منها على حساب أصحاب الدخل العالي.

نحن نعمل على تنفيذ قرار المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث، بإعادة توزيع الدعم لمستحقيه، ولا نتحدث أبداً عن إلغاء الدعم، والعملية سيتم البدء بها هذه السنة، لتنفذ على مراحل، الأمر الذي سيساعد على تحسين المالية العامة، وتحسين عدالة توزيع الدخل، وتحسين كفاءة الاقتصاد السوري بشكل عام، وتحسين الخدمات التي نقدمها للمواطنين مجاناً أو بأقل من التكلفة كالطاقة الكهربائية والصرف الصحي ومياه الشرب والتعليم والصحة، إضافة إلى دفع المواطن للاعتماد على الطاقات البديلة)، وكان الأستاذ الدردري قد قال في تصريح آخر لوكالة رويترز البريطانية: (إن الحكومة ستعلن قريباً برنامجاً مدته عامان لخفض الدعم لبعض السلع التموينية والمحروقات..).

ضبابية الرؤية، التي تعكسها التصريحات الحكومية المتباينة حول الدعم، تتطلب بالضرورة رؤية واضحة بالسلطة التشريعية التي ستمنح القوانين حكماً شرعية تنفيذها، وبالتالي كان سؤال المرشحين عن الدعم الحكومي مشروعاً.. وقد حملت الأجوبة انسجاماً على نحو عام، بين المرشحين على أهمية الدعم الحكومي، مع تفاوت ظهر بين الآراء بفهم (الدعم) وتفاصيله، وهو الأمر الذي أوحى بضبابية أخرى للمشروع تنتظر تحت قبة المجلس: الدكتور محمد فاروق أبو الشامات، عضو القيادة القطرية السابق لحزب البعث، وأحد مرشحي الجبهة الوطنية التقدمية بدمشق قال إن (هذا القرار تدرسه القيادة القطرية والحكومة من خلال مؤسساتها، ومن ثم سيجري البحث في توازن بين الإيجابيات والسلبيات ومن ثم يتخذ القرار، وبالنهاية الغاية المرجوة هي رفع الأذى عن المواطنين ولن يتخذ قرار ارتجالي بل يجب أن يكون مبنياً على أرقام وإحصاءات دقيقة، وأنا ملتزم بقرار القيادة).

ويرى مرشح الحزب الشيوعي السوري- جناح يوسف فيصل (ماهر الجاجة) في قائمة مرشحي الجبهة الوطنية التقدمية بحمص: أن الوقت ليس مناسباً الآن للحديث عن إلغاء الدعم، وفي هذا الصدد يقول: (في ظل عدم التوازن بين الأجور والأسعار المرتفعة حتى للمواد الأساسية للمواطن لا يمكن الحديث عن رفع سعر أي مادة أخرى وخاصة المشتقات النفطية (المازوت، البنزين، الغاز المنزلي)، بل إننا نطالب الدولة على الدوام أن تتدخل بشكل جدي لتخفيض أسعار المواد ولا نجد مبرراً على الإطلاق لهذا الارتفاع الكبير في الأسعار، فكيف نتحدث عن هذا الموضوع؟ وأنا من وجهة نظري أرى أن يتم إرجاء الحديث في موضوع كهذا.

في ظني أن عدم رفع الدعم عن الأسعار ضرورة وطنية واجتماعية وأي حديث عن بدائل أخرى كما يقال مثل التعويض المادي، هذه البدائل غير ملموسة إطلاقاً وأرى أنه في ظل هذه الظروف لن يكون ثمة بدائل، أما من يمتلك بدائل فينبغي أن يقدمها لتتم مناقشتها جماهيرياً واختيار الأنسب لمصالح الأغلبية الساحقة من الشعب، وذلك ضمن المنابر الشعبية المتعددة وعبر الوسائل الإعلامية والعصرية المتاحة كالصحافة وبرامج الإذاعة والتلفزيون ومنتديات شبكة الإنترنت).

أما المرشح عماد غليون عن قائمة مرشحي الجبهة الوطنية التقدمية بحمص، وهو مع رفع الدعم إلا أنه أوضح ذلك بالقول: (إن موضوع الدعم الحكومي للمواد الأساسية بحاجة بالدرجة الأولى إلى حل تدريجي، وليس عبر استخدام الحلول المطروحة حالياً والتي تتمثل بدفع تعويضات مالية للمواطنين بعد معرفة مدى كميات استهلاكهم من المشتقات النفطية على سبيل المثال. ومن شأن اتباع طريقة الإلغاء المفاجئ أو الفوري على المواد الضرورية للمواطن هزة كبيرة في السوق السورية وهو الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير جداً لا يمكن السيطرة عليه بسهولة. لذلك يفضل إلغاء الدعم عبر رفع أسعار هذه المواد بشكل تدريجي ومتناسب ويرافقها خطوات ملموسة وتدريجية لرفع مستوى معيشة المواطن وذلك للحيلولة دون حدوث هزة كبيرة في السوق وارتفاع للأسعار بشكل مفاجئ، وبهذه الحالة إذا حدث أي ارتفاع على الأسعار يمكن حينئذ السيطرة عليه والتحكم فيه، لأن الاقتراح برفع أسعار المواد المدعومة بشكل مفاجئ يمكن أن يشكل خمسة أضعاف السعر الحالي لهذه المواد وهذا من غير الممكن السيطرة عليه في أي مكان من العالم).

المرشح المستقل الدكتور إحسان سنقر قال إنه طالب بإيصال الدعم لمستحقيه عام 1994، مؤكداً: (أنا مع الدعم ولكن يجب أن يصار إلى إعادة اعتباراته بالتوزيع، فهناك كثير من الشرائح ليست بحاجة للدعم وهذا الموضوع كان مطلبي، فالدعم عندما يكون مجهزاً ومهيأ لكي يصل لمن يستحقه، يصبح إيجابياً جداً... وعلى الدول أن تقوم به لتوازن الاقتصادي وسد حاجات ذوي الدخل المحدود وبكل الأحوال الدعم الحقيقي من خلال إيجاد فرص عمل). أما المرشح المستقل محمد نبراس العيتي فقد أكد بأنه (يجب أن لا يكون هناك رفع دعم عن المواد التموينية، ولكن العمل الحقيقي هو بتحسين المستوى المعيشي للناس، لا بزيادة الرواتب وإنما من خلال زيادة القدرة الشرائية للعملة، وهذا يرتبط بالدخل القومي وبزيادة القوة الشرائية هو التحسين الحقيقي، ومثلا في إحدى دول الخليج هناك موظف جامعي يتقاضى راتب 10000 بحسب العملة التي تتعامل بها تلك البلد وموظف جامعي سوري يتقاضى راتب 10000 ليرة سوريا فترى تشابه بالأرقام وتفاوت بالقدرة الشرائية، ونصل بالنهاية إلى أن المطلوب هو زيادة القوة الشرائية من خلال تحسين الدخل القومي وأنا لدي بعض الأفكار بهذا الخصوص من خلال خلق الموارد جديدة وتحسين الموارد الاقتصادية الموجودة).

بدوره يعارض المرشح المستقل محمد ثائر الحسين فكرة قيام الدولة بإلغاء دعم الأسعار، قائلاً: (أرى أن البقاء تحت رعاية الحكومة في توزيع المواد الاستهلاكية والضرورية المدعومة وتأمينها للمواطنين حسب الأسعار الحالية أكثر أماناً واطمئناناً على قلوب شريحة كبيرة من مواطنينا، وهذا بكل تأكيد أفضل من احتكارها لصالح طبقات أخرى يمكنها أن تستفيد من التحكم فيها وأقصد هنا السوق السوداء ممثلة بالتجار..

وهنا أقترح أن تتم زيادة الكميات المقننة المدعومة الممنوحة للمواطنين مثل السكر والرز، والعمل على تشديد أجهزة الرقابة بشكل فعال على كل ما من شأنه أن يضر بمصالح المواطنين التي تعتبر مصلحتهم جميعاً أولاً وأخيراً من مصلحة الوطن لاسيما وأن السياسة العامة للدولة لدعم المواطنين لم تتغير حتى الآن، وأنا كموظف لدى القطاع العام أؤيد إبقاء سياسة دعم المواد مع التأكيد على ضرورة ضبط الأسعار في السوق، لأن المستفيدين من إلغاء الدعم لا يشكلون سوى نسبة صغيرة جداً من أبناء وطننا الغالي، أما المتضررون فهم يشكلون الغالبية العظمى من المواطنين).

المرشح المستقل الدكتور عصام شيخ الأرض، قال بعد كثير من التردد: (سأنتظر حتى أصير داخل أو خارج المجلس، فموضوع الدعم فكرة حساسة وتوثر على أي مرشح... وبالنسبة للمعطيات الحكومية الموجودة يجب أن نكون جميعاً مع الدعم لأننا شعب فقير، وهناك معطيات أخرى كمكافحة التجار الجشعين وهناك الكثير من الفقرات التي يجب تحديدها ولا يكفي سؤال فقط، وهذا بحث طويل بداية من سبب وجود الدعم ولماذا تريد الحكومة رفع أو إبقاء هذا الدعم، وهناك أناس مع رفع الدعم، ومن هؤلاء الذين يريدون رفع الدعم ولماذا ترتفع الأسعار مع وجود الدعم وارتفاع دعم متواتر فيبقى ارتفاع السعر ولا ينخفض..). حليف الدكتور شيخ الأرض الانتخابي المرشح المستقل أنس البغا، رد عن سؤالنا حول رفع الدعم الحكومي، بالقول: (نحن أكيد سنرفع الجاهزية، وبالتأكيد مع رفع الدعم للمواطن)، وعاد المرشح البغا لسيتدرك كلامه بعد مداخلة منا، قائلاً: (نحن مع زيادة الدعم للمواطن، إبقاء الدعم ليس بمعنى أن ترتفع أسعار المواد التموينية ولكن لتصبح رخيصة بأيدي المستهلك، ومجرد أن يكون هناك منافسة سيهضم حق الفقير وأنا كمواطن أشعر بشعور أي مواطن آخر وأنا ممكن أن أكون مستاء مثل أي مواطن ثان مستاء..).

بدا واضحاً من الآراء السابقة ومن آراء آثرنا عدم نشرها لمحدودية التفكير فيها أو لحماستها المفرطة، أننا على موعد مع رفض شعبي لموضوع رفع الدعم، لصالح إعادة توزيعه لمستحقيه، إلا أن بيت قصيد الحكاية، وموطن المشكلة يكمن بكيف لنا تحقيق ذلك.. وفي ذلك السر الذي نمتلك الحق المشروع بالتوجس خيفة منه، مع العلم أن بوسع مرشحي الجبهة إزاحة شبح أي خوف من مشروع تقدمه الحكومة، ولا يضمن إيصال الدعم لمستحقيه بما يتناسب مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، فهم أولاً وأخيراً الأكثرية الضامنة لعدم مرور أي قرار من هذه النوعية، وهم الأكثرية التي يفترض أنها تمثل الشريحة الأوسع والأفقر بين الناس..، وبالتالي يستطيعون إقرار القانون الذي من شأنه أن يضمن تطبيقاً مثالياً لشعار (إيصال الدعم لمستحقيه)، ودفع الحكومة لتبنيه.