يصادف السابع عشر من كل عام، ذكرى يوم الأسير الفلسطيني، الذي اعتمده المجلس الوطني الفلسطيني في دورة انعقاده عام 1974. وقد احتفظت به الذاكرة الوطنية الجمعية لشعبنا، كيوم لنصرة الأسرى والمعتقلين في زنازين العدو الصهيوني، منذ اطلاق سراح أول أسير "محمود بكر حجازي" في ذات اليوم من عام 1974.

يحتل الشعب الفلسطيني مركز الصدارة في كل الاحصائيات العالمية المتعلقة بعدد مواطنيه الذين تعرضوا للاعتقال. فأكثر من سبعمائة ألف انسان "رجالاً ونساءً وأطفالاً" دخلوا إلى المعتقلات ومراكز التحقيق والتوقيف، وبهذا يكون مانسبته 25 % من مجموع أبناء هذا الشعب قد عرفوا ماتعنيه عبارة "أنت موقوف ... أنت معتقل". إن مايزيد على العشرة آلاف من أبناء شعبنا، من مختلف الفئات العمرية، ومن كلا الجنسين، الذين يقبعون داخل المعتقلات الصهيونية الوحشية، ويعانون من شتى ألوان القمع والتعذيب، ماهم سوى شهود اللحظة الراهنة على حملات التنكيل الجماعية المستمرة. مصادر الاعلام المختلفة، تنقل في كل ساعة المزيد من الأخبار السيئة عن توقيف أو اعتقال العشرات، في عمليات المداهمة للمنازل ومراكز العمل والمشافي، أو في أساليب اصطياد "عشوائية أو مبرمجة" على مئات الحواجز المنتشرة في كافة المناطق المحتلة، والتي تحولت في أغلب الأحيان إلى "كمائن".

إن الحديث عن المعاناة الرهيبة التي يعيشها الأسرى أوجزها التقرير الصادر مؤخراً عن دائرة العلاقات القومية والدولية في منظمة التحرير الفلسطينية، الذي يؤكد (أن مايقارب الألف أسير فلسطيني في سجون الاحتلال، جرى اخضاعهم لتجارب طبية أجراها عليهم أطباء داخل السجون رغم إرادتهم، مشيرة في الاطار ذاته الى وجود نحو ألف أسير مريض، منهم 150 يعانون من أمراض مزمنة و30 يقبعون بصورة دائمة في مستشفيات تابعة للسجون لخطورة أوضاعهم الصحية).

وحسب المعلومات التي اوردتها الدائرة بمناسبة الذكرى الـ33 ليوم الأسير الفلسطيني فان (مايقارب من أحد عشر ألف أسير وأسيرة لا يزالون يقبعون في سجون الاحتلال ومعتقلاته، بينهم 110 من النساء والفتيات و398 من الأطفال و850 معتقلاً إدارياً دون محاكمة و64 قضوا في السجون أكثر من 20 عاما و41 نائبا منتخبا في المجلس التشريعي و15 أسيراً أمضوا في الزنازين الانفرادية ما يزيد على خمسة أعوام، و187 أسيرا استشهدوا في السجون نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي). بالإضافة لستين أسيراً من أبناء الأمة العربية، يتم التعريف بهم بالمصطلح الاعتقالي "أسرى الدوريات" لتمييزهم عن باقي الأسرى. ومن بين الأسرى العرب تسعة ممن اعتقلوا قبل توقيع "اتفاق أوسلو" سيء الذكر، يأتي في مقدمتهم "سمير سامي القنطار" الذي اعتقل في 22/4/1979، وأسرى الجولان الأبطال "بشير المقت، سيطان نمر، عاصم أحمد، صدقي المقت". الذين يعانون من العسف الصهيوني منذ 22 عاماً، ومعهم الأسرى الأردنيون منذ عام 1990 "سالم أبو غليون، خالد أبو غليون، سلطان العجلوني، أمين الصانع" .

عادت قضية أسرى الحرية لواجهة الاهتمام الشعبي / السياسي منذ عملية "الوهم المتبدد" التي نفذها أبطال المجموعات المقاتلة في "كرم أبو سالم" أواخر شهر حزيران /يونيو من العام المنصرم، لأنها وضعت في دائرة الضوء معاناة آلاف المعتقلين والموقوفين الفلسطينيين. إذ فرضت نتيجة العملية التي أسفرت عن معركة سقط فيها عدة عسكريين صهاينة بين قتلى وجرحى، وتتوجت بأسر أحدهم "جلعاد شاليت"، إعادة التركيز على مسألة تبادل الأسرى مجدداً.

لكن مسار المفاوضات الماراثونية المتعثرة على مدى أكثر من تسعة أشهر، أظهر تلاعب حكومة العدو بقوائم الأسماء، ولجوئها إلى تضليل اعلامي مبرمج، يهدف إلى ارباك الطرف الفلسطيني ودفعه الى اللهاث وراء سراب أوهام اقتراب لحظة الحسم! إن اشتراطات كيان العدو، كما ينقلها الطرف المصري "الوسيط"! أو كما يعبر عنها "أولمرت" في لقاءاته العبثية مع "محمود عباس" تشير إلى طبيعة الاستخفاف بعملية تحرير أسرانا مقابل أسيرهم. إن الانجرار الى الفخ المنصوب حول الأسماء المقترحة، والتناقض في تصريحات بعض المتحدثين الفلسطينيين "الرسميين" عن وجود بعض القيادات ضمنها أو استثنائها منها، يدفع بالحالة النفسية داخل المجتمع الفلسطيني _كل العائلات لها ابن أو ابنة أو زوج أو قريب داخل المعتقلات_ للتوتر والانفعال، اضافة لانتشار شعور واسع بعدم طرح الطرف الفلسطيني لشروطه، التي تؤدي لزيادة عدد الأسماء المقترحة. وقد جاءت تصريحات "أولمرت" قبل أيام الى شبكة "سي بي سي" التلفزيونية الكندية لتشير الى موقف ملتبس، يتخفى وراء مصطلحات مبهمة (انني منفتح على صفقة "تبادل معقولة") رافضاً تحديد عدد من يمكن أن يطلق سراحهم (بالتأكيد ليس رقم 1400)، مضيفاً شرحه لموقفه من الصفقة بمصطلح جديد، يستحق عليه "براءة اختراع"! (التبادل المعقول في "المقاييس الشرق أوسطية") هذه المقاييس التي سيساعده على تحديدها "النفاق" الغربي، الذي نشر وعمم على صعيد العالم اسم "شاليت" وغيّب أسماء أكثر من عشرة آلاف أسير عربي. وهو مااشار اليه "اسماعيل هنية" أثناء مشاركته بالاعتصام التضامني مع الأسرى، عشية الاحتفال بذكرى يوم الأسير داخل مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر بغزة (ربما لم تمر دولة من هنا إلاّ وتحدثت عن "شاليت" بينما لايتحدثون عن أسرانا، ولايعرفون أسماءهم، ولايتحدثون عن معاناة أهلهم وأقاربهم؟ لماذا الكيل بمكاييل متعددة، حتى في قضية انسانية وحرية الانسان" .

في ظل هذه الأجواء، تبرز أهمية تصليب الموقف الفلسطيني من قضية أسرى الحرية، بصفتها قضية سياسية/ كفاحية بامتياز. وهذا يتطلب توحيد لغة التخاطب مع كل الجهات المعنية، واشراك وزارة شؤون الأسرى بمناقشة واقرار كل التفاصيل المتعلقة بالقضية. إن حملة واسعة اعلامية/ سياسية تشارك فيها القوى السياسية والمنظمات الشعبية، من أجل العمل داخلياً واقليمياً ودولياً، لمخاطبة الرأي العام ومنظماته وبرلماناته، من أجل الضغط على حكومة العدو لاطلاق سراح الأسرى، تصبح واحدة من أبرز المهمات النضالية لشعبنا وأمتنا. لقد أضاءت عملية "الوهم المتبدد" طريق خلاص أسرانا من عذاباتهم. وعززت لدى جماهير شعبنا القناعة بأن الاحتلال لايستجيب للحقوق إلاّ بلغة القوة. إن القبلات والضحكات في اللقاءات الكرنفالية، لن تعمل على استرداد أرضنا أو أبطالنا، لكنها تساعد على طلاء وجه القاتل بمساحيق تجميلية لتسويقه محلياً واقليمياً. ولتعيد انتاج "الأفكار" الممجوجة عن قدرة الطرفين على صناعة السلام الموعود في جولات البحث داخل "أفق سياسي" مازال يكتنفه الغموض الشامل.