كل من هو مطّلع على ما شهدته السياسة اللبنانية في العامين الماضيين لا يدّعي أبداً، كما فعلت رئيسة مجلس النوّاب الأميركي نانسي بيلوسي الأسبوع الماضي في دمشق، أنّ "الطريق إلى دمشق هو طريق إلى السلام". لا بدّ من أنّ كلامها هذا بدا ساذجاً جداً لشعب لبنان حيث الأسماء على لائحة القتلى هي لمعارضي سوريا الأكثر صراحةً وفاعلية.

بدأت جولة القتل هذه الساعة 12:56 ظهر 14 شباط 2005 عندما انفجر حوالى تسعمئة كيلوغرام من مادّة ال"تي إن تي" خارج فندق السان جورج في بيروت، ما أدّى إلى مقتل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري و22 آخرين. جريمة الحريري؟ بدأ يرفع الصوت أكثر فأكثر في معارضة التدخّل السوري في لبنان. كان باسل فليحان، النائب في البرلمان اللبناني، يستقلّ سيارة الحريري في ذلك اليوم. احترق أكثر من 95 في المئة من جسده، ولم يجرِ التعرّف عليه إلاّ حين سمعه أحدهم يهمس اسم زوجته "يسمى". توفّي فليحان بعد أسبوعين. بعد اغتيال الحريري، طالبت قوى الحرّية في لبنان المعروفة ب"حركة 14 آذار"، بوضع حدّ للاحتلال العسكري السوري. وقد فازت هذه القوى بالأكثرية في الانتخابات النيابية.

لكنّ الردّ على هذا النصر لم يتأخّر. بعد ثلاثة أيام من الدورة الأولى للانتخابات، وتحديداً في 2 حزيران 2005، قُتِل الصحافي اللبناني سمير قصير، المعارض الصريح لسوريا، في انفجار عبوة في سيّارته. احتجاجاً، احتشد مئات الصحافيين اللبنانيين في ساحة الشهداء ورفعوا أقلاماً سوداء طُبِع عليها اسم قصير وهتفوا "لن نركع". قال أحد المشاركين "عندما تقرأ أعمال قصير، تعرف من قتله". كان قد انتقد في مقاله الأخيرة النظام السوري لأنّه سجن مجموعة من الناشطين المدنيين. بعد ثلاثة أسابيع، في اليوم الذي أعلنت فيه قوى 14 آذار انتصارها في الانتخابات، اغتيل المفكّر اللبناني والقيادي المناهض لسوريا جورج حاوي بانفجار عبوة في سيّارته. كتب الصحافي اللبناني مايكل يونغ أنّ قتل حاوي كان رسالة واضحة لقوى 14 آذار: المخاطر التي ستواجهونها نتيجة إنهاء الاحتلال السوري ستكون عالية. في 12 كانون الأوّل 2005، أصدرت الأمم المتّحدة تقريراً جاء فيه أنّه من غير المحتمل أن يكون اغتيال الحريري قد نُفِّذ من دون علم سوريا. في اليوم نفسه، قُتِل جبران تويني، مدير عام صحيفة "النهار" ومعارض بارز آخر لسوريا، بانفجار سيارة مفخّخة. تويني الذي كان من أوائل الحاضرين إلى مسرح الجريمة بعد اغتيال سمير قصير، كان يعرف أنّه يجازف بحياته عبر معارضته الشديدة للقمع السوري، ومع ذلك لم يتوقّف. في تشرين الثاني الماضي، أصبح وزير الصناعة البالغ من العمر 34 عاماً، بيار الجميّل، آخر ضحيّة حتّى الآن. قُتِل الجميّل، الذي كان عضواً في الحكومة مناهضاً بشدّة لسوريا، عندما صدم مسلّحون سيّارته وأصابوه في رأسه عن مسافة قاتلة. اعتُبِر اغتيال الجميّل رسالة واضحة إلى قوى 14 آذار داخل الحكومة اللبنانية: سنقتلكم لمنعكم من العمل بما لا يتناسب مع رغبات سوريا.

تهدف هذه الاغتيالات إلى ترهيب معارضي سوريا وإسكاتهم، وكذلك إلى استئصال القياديين الفكريين والسياسيين في الحركة الديموقراطية اللبنانية. تخيّلوا لو أنّ قتلة اغتالوا جيمس ماديسون أو جون أدامز أو توماس جيفرسون عام 1776. هل كانت أميركا لتولد من دونهم؟ يبدو أنّهم أجروا حساباتهم بأنّهم إذا قتلوا عدداً كافياً من الديموقراطيين اللبنانيين، يُدفَن الاستقلال اللبناني في مهده.

في الوقت الذي تروِّع فيه سوريا لبنان، تسهِّل تدفّق المتمرّدين إلى العراق وتدعم المجموعتين الإرهابيّتين "حماس" و"حزب الله" وتسمح لأراضيها بأن تكون موطئ قدم لأطماع إيران العدوانية في العالم العربي. وتستمرّ في هذا كلّه على الرغم من الزيارات الكثيرة التي يقوم بها ديبلوماسيون رفيعو المستوى إلى دمشق "للتكلّم مع السوريين".

حان الوقت لمواجهة الحقائق. التحدّث مع السوريين يمنحهم زخماً ويكافئهم على حساب أميركا وحلفائنا في الشرق الأوسط. هو لم يغيّر سلوكهم ولن يغيّره. نظامهم خارج عن القانون ويجب عزله. يجب أن يتوقّف أعضاء الكونغرس والمسؤولون في وزارة الخارجية عن زيارة دمشق. ويجب أن يتوقّف القادة العرب عن استقبال بشار الأسد. وينبغي على مجلس الأمن الدولي تبنّي قرار بموجب الفصل السابع يجيز إنشاء محكمة دولية للنظر في اغتيال الحريري.

ويجدر بمجلس الأمن أيضاً أن يجعل سوريا تتحمّل مسؤولية انتهاكاتها المستمرّة للقرارات القائمة. يجب أن تطبّق الحكومة الأميركية كلّ العناصر المتبقّية في "قانون محاسبة سوريا" وتبذل جهوداً حثيثة لتدعيم المعارضة السورية. وينبغي على الحكومات الأوروبية أن تثبت أنّها تهتمّ بالعدالة أكثر من اهتمامها بتحقيق مكاسب فتفرض عقوبات مادّية على القادة السوريين وعلى قدرتهم على السفر. بعد اغتيال بيار الجميّل، تلقّيت رسالة بالبريد الإلكتروني من نائب لبناني كتب فيها "هذا مريع جداً. كان بيار شاباً واعداً جداً ولم يكن يخشى شيئاً. سيحاولون قتلنا جميعاً في النهاية، لكنّنا سنواصل معركتنا. لن نستسلم أبداً".

إنّ فتح قنوات الديبلوماسية مع النظام في دمشق بينما يقتل الديموقراطيين اللبنانيين ليس تصرّفاً غير مسؤول وحسب بل معيب أيضاً. عن "الواشنطن بوست"

مصادر
النهار (لبنان)