يشير بودريار، في كتابه "مجتمع الاستهلاك"، إلى مفارقة غريبة في تاريخ تحكم المؤسسات بكل أشكالها، في السلوك الإنساني وترويضه وتوجيهه وفق غايات ليست غريبة عن السلطة وطريقتها في إدارة ما يأتيها من مركز المجتمع وهوامشه. فعبر هذه المؤسسات "حاولوا زمنا طويلا إقناع الناس - دون جدوى - أن لا جسد لهم، أما الآن فيحاولون بجميع الوسائل إقناعهم بضرورة الالتفات إلى أجسادهم والاعتناء بها "(1). وغرابة هذا الموقف هي التي تؤكد، عكس ما قد يتصوره البعض، "أن بداهة الجسد لا يمكن أن تنسينا أنه واقعة ثقافية" (2) قبل أن يكون كتلة من اللحم والشحم. "فعلاقة الناس بأجسادهم تعكس، في كل الثقافات، نمط علاقاتهم بالأشياء المحيطة بهم، كما تحدد نمط علاقاتهم الاجتماعية" (3). إن الكشف عن كل أسرار الجسد، أو التستر على خباياه يؤكدان قوة حضوره في كل حالات التواصل الإنساني، بل يؤكدان أيضا أهميته في بلورة مجموعة كبيرة من المعايير التي تعتمدها التصنيفات الاجتماعية المسبقة: حالات اللون أو البدانة أو الثوب الدال على الانتماء إلى ثقافة بعينها. يضاف إلى ذلك تلك “العلوم “التي بنت معاييرها في الحكم على الناس وتحديد أمزجتهم وميولاتهم استنادا إلى تفاصيل الوجه وشكله.

وحاصل القول إن الجسد الإنساني هو الممر الضروري نحو تحديد كل الهويات اللاحقة: الاسم واللقب والصورة النمطية والصوت وطريقة المشي والجلوس ورد الفعل، وكل ما يمكن أن يضبط إيقاع الوجود الفردي المتحقق، في نهاية الأمر، من خلال يافطة مرئية تلتقطها النظرة وتخزِّنها باعتبارها صورة تعود إلى هذا الشخص وليس ذاك. بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك للقول إن البؤرة الأولى للتأنسن ومظاهره وحالاته كانت هي الجسد في المقام الأول. قد يكون ذلك حالة من حالات "الترويض الثقافي" للجسد لملاءمته مع الحاجات الجديدة التي خلقها التمدن. لقد انتصب الإنسان واقفا واستقام عوده ومُدت يداه، ف "تعلم" كيف يلبس، كيف يقي نفسه من البرد وكيف يتجمل، كما تعلم قبل ذلك كيف يرقص ويغني، وكيف يوحي ويومئ ويلوح ويكشف ويخبئ، لقد تعلم كيف يتكلم.

ويشكل هذا التصور العام للجسد واحتمالات التدليل داخله، فيما يبدو لنا، أحد المداخل الممكنة لمعالجة بعض القضايا الخاصة بالحجاب، لا من زاوية ضرورته الدينية أو عدمها، فذاك أمر يهم الفقهاء وحدهم، بل باعتباره رمزا صريحا يشير إلى وضع سميولوجي للأنوثة يستمد كامل مضامينه من مجمل التصورات التي يملكها الفرد (المسلم في حالتنا) عن جسد المرأة، وتلك حقيقته الأولى والأخيرة. أما الانصياع لأمر خارجي (ديني) فلا يشكل سوى غطاء إيديولوجي قد يريح المالك والمملوك على حد سواء ويجنبه وعناء التفسير الوضعي.

لذا، فإن الحجاب، من حيث هو تصريح بانتماء علني إلى "معتقد" ما، ديني أو اجتماعي، يعد شكلا من أشكال حضور الجسد ضمن سيرورة التبادل الاجتماعي، المخيالي والواقعي على حد سواء. فالحجاب ليس شكلا لحضور المرأة في الفضاء العمومي، إنه تجسيد لوعي ذكوري لهذا الحضور. إن الأمر يتعلق ب "تديين " للجسد ومنحه هوية خارج طبيعيته وخارج كل حاجاته التي هي، كما يشهد على ذلك تاريخ الإنسانية، حاجات كونية سابقة على الأشكال الثقافية المخصوصة كالدين مثلا. وهذا "التديين" ذاته، الخالق "للجسد المسلم"، هو مقدمة ضرورية لتديين الفضاء العمومي والتحكم فيه وإفراغه من كل أشكال التعدد والتنوع والاختلاف.

لذلك لا يمكن أن تكون الأحكام الخاصة بالضرورة الاجتماعية للحجاب النسائي، والمنسوبة تأويليا إلى النصوص المقدسة، سوى تبرير لوعي فردي يختفي في المقدس من أجل التستر على وعي اجتماعي عام شكلته الرغبات الفردية – الصريحة أو المقنعة- في الاستفراد بالمرأة وامتلاكها. إن الحجاب تبعا لذلك، هو جزء من منظومة ثقافية/سياسية/اجتماعية متكاملة وظيفتها الأساسية هي ضبط السلوك النسائي ومراقبته. وهناك ما يؤكد هذا التصور، فنسبة كبيرة من مسلمات ومسلمي هذا الوطن لا يرون في الحجاب ضرورة دينية، بل ينظرون إليه، في كثير من الأحيان، باعتباره سلوكا إيديولوجيا أملته حاجات اجتماعية لا علاقة لها بالدين. وفي جميع الحالات، فاستعمال المحجبات لأجسادهن لا يختلف في كثير عن استعمال غير المحجبات له، فهن لسن أكثر ولا أقل عفة منهن.

ويبدو لي أن الطريقة الوحيدة التي قد تمكننا من الانزياح عن النقاشات التي تربط الحجاب بمقولات كالحلال والحرام، هي تأسيس خطاب ينطلق من الظاهرة ذاتها باعتبارها حالة من حالات التواصل الاجتماعي (شكلا من أشكال التبادل الرمزي) الذي يختفي في ثوب المقدس أحيانا ويختفي في ثوب الأخلاق الاجتماعية أحيانا أخرى، وقد يكون في حالات بعينها اختيارا فرديا وليس استجابة لأي إكراه من أي نوع. ذلك أن التقيد بمقولات الحرام والحلال – وهي مقولات بدون أية مردودية تحليلية- لا يمكن أن يقودنا إلى خلاصات يمكن تعميمها باعتبارها ما يخبر عن حالة من حالات المجتمع. فالتأويلات النصية المسندة لعمليات التحريم والتحليل، وهي عديدة، لا يمكن أن تنتهي في يوم من الأيام إلى الاستقرار على دلالة بعينها أو حكم بعينه.

فليس هناك إجماع على تأويل واحد للنصوص وتدبرها من أجل إرساء قواعد سلوك ممكن. وغياب هذا الإجماع يعود في جوهره إلى مجموعة من المقامات السياقية التي تشوش على الاستقرار على معنى بعينه. فظاهر اللفظ نفسه لا يبيح التعميم وذلك لعدة أسباب:

- أولها: أن الأمر يتعلق بتأويل لكلمات، أي بحث في ذاكرة هذه الكلمة أو تلك من أجل الخروج بقاعدة فعل تقود إلى التحريم أو التحليل (كلمات من قبيل الحجاب أو الجيب أو الخمار). فلا يمكن فهم هذه الكلمات في غياب سياق لباسي سابق استنادا إليه يتم التعديل أو الإضافة. فليس واردا في أي نص من النصوص المتداولة حول الحجاب أن الأمر يتعلق بتحول كلي من لباس فاضح إلى آخر ليس كذلك، بل هناك إعادة لتعريف الزينة غير المتفق على مواطنها هي الأخرى، وعلى مظاهرها المادية منها والمعنوية.

ـ ثانيها: أن الوقائع التي تجيب عنها النصوص وقائع بالغة الخصوصية وتحتوي على الاستثناء والتمييز في مطلقها ومجملها. هناك أولا سياق للتمييز بين نساء الرسول وبين باقي المؤمنات. وهناك ثانيا سياق آخر للتمييز بين المؤمنات الحرائر وبين الجواري المؤمنات، ولا شيء يخبرنا عن طبيعة لباس تلك الجواري وسلوكهن في الفضاء العمومي الذي هو بالطبيعة عرضة لعبث العين الذكورية الماكرة.

ـ ثالثها: أن استثناء الجواري من الحجاب يشكك في مجموعة من الأسس التي انطلق منها المفسرون – المحدثون منهم على الخصوص - من أجل فرض لباس طائفي لم يكن كذلك لا بالاسم ولا بالشكل في سياقه الثقافي والاجتماعي الأول. وحكاية عمر بن الخطاب مع الجارية معروفة، فقد استنكر أن تلبس أمة لباسا شبيها بلباس نساء الرسول أو المؤمنات، فنهاها عن "التشبه بالحرائر". ويشكل هذا الموقف وحده لاوعي ثقافة بأكملها، ويلخص، في تصورنا، عمق الإشكالية وعصبها. فجسد الجارية جسد مستباح لا يغري ولا يستثير ولا يدعو إلى الفتنة، لأنه يقع تحت طائلة نمط آخر للتملك يوجد خارج أعراف التبادل الرمزي في المجتمع الراقي.

وهو أمر يؤكده، من جهة أخرى، شكل الحجاب وحجمه ولونه. فليس هناك إجماع أيضا في هذا المجال على شكل بعينه. إلا أن الثابت في كل سياقات التبرير هو الرغبة في إلغاء الجسد كشكل مرئي من خلال تفاصيله والقذف به إلى "مرحلة" خالية من كل الأشكال، أي تحويله إلى كتلة “لحمية “عديمة الشكل. وهو الضمانة الوحيدة على تجنب عبث النظرة وعربدتها فوق جسد لا يقيه أي شيء من شر نظرة الذكر المتربصة، وذلك قياسا على حالات "السفور" حيث يمكن التعرف على مفاتن الجسد من وراء اللباس. لهذا لا يمكننا تأويل الرغبة في إلغاء الأشكال سوى بالرغبة في إلغاء الرغبات (كبحها وتقنينها)، أي إلغاء أشكال وجودها وكل ما يخبر عنها أو يشير إليها. وربما ستكون الغاية القصوى من ذلك كله هي إلغاء الرغبات "المشبوهة" التي تتحقق خارج أسوار المؤسسات، ومنها مؤسسة الزواج في المقام الأول.

وبما أن الجسد، كما يبدو في الظاهر، هو شكل من أشكال الحضور في الوجود، فإننا يجب أن نتعامل معه باعتبار طبيعة الشكل الحامل له ومضمونه الحقيقي. فالشكل ليس حقيقة مادية مفصولة عن العين التي ترى. إنه كذلك من خلال قدرة الرائي على تصوره ضمن خطوط لا ترى من خلال الظاهر الماثل أمام العين، بل هي جزء من استيهامات مستبطنة، أو جزء من الخطاطة المجردة التي يمكن وفقها أن نتعرف على الشيء المخصوص: ما تقدمه عارضات الأزياء باعتباره حالة مثلى لجسد لا يملك صفة التمثيلية، فهو كلام “مسكوك “ بتعبير بارث، أو ما تقدمه واجهات المتاجر باعتباره حالة مثلى تدعو المستهلك إلى التماهي مع المعروض، يعد في واقع الأمر تكثيفا لكل النسخ الجسدية الممكنة، إنه محاولة للاقتراب من جوهر جسد أمثل يتسلل إلى حالات الإدراك المخيالي من خلال إسقاط فكرة التناسق الأمثل. "فالمحاكاة هي كشف عن الجوهر، حتى ولو أدى بنا ذلك إلى الابتعاد في عملية التمثيل عن المظاهر المباشرة" (4).

وهذا ما يتضح من الطريقة الملتبسة التي يتم من خلالها التعامل مع مفهومي"“الرغبة" و"الفتنة" اللذين ينظر إليهما باعتبارهما من مبررات الحجاب ودواعيه. فعلى الرغم من أن الأمر يتعلق بجسد إنساني يشمل المذكر والمؤنث على حد سواء، وعلى الرغم أيضا من أن "الفتنة" المشار إليها متبادلة، فما يشتهيه المذكر لا يختلف في كثير عما يشتهيه المؤنث، فإن للجسد النسائي وضعا خاصا في الثقافة العربية الإسلامية، وفي كل الثقافات أيضا بما فيها ثقافة الحداثة المعاصرة التي تنسب إلى الغرب الأوروبي عامة. فما هو أساسي ليس ما يتحدث به الناس في حالات الوعي الصاحي أو لحظات التعبد، إن الأساسي هو ما يستبطنونه وما يوجه سلوكهم ومواقفهم في لحظات الاختيار الحاسم.

وقد لا يسمح لنا السياق الحالي ببسط القول عن طبيعة الفوارق بين الجسدين الرجالي والنسائي وما يفصل بينهما، إلا أن الشائع أن التمثيل الثقافي لهما قائم على التمييز بين مذكر تُمتدح فيه القوة والفحولة والمظهر الرياضي، وبين مؤنث حريص على شبابه ورقته و”خطوط الحساسية “ و”خارطة الحنان “ فيه. إنه موضوع النظرة وغايتها، لأنه موضوع الرغبة وموطن الإغراء. وكما أشرنا إلى ذلك، فإن الجسد النسائي جسد “صريح “من حيث شكله المرئي، لأنه يتحدد من خلال تفاصيله لا من خلال بعده العضلي (امتداح النحافة والحفاظ على “القد “). فالفحولة النسائية لا ترى من خلال المظهر العام، بل مصدرها قوة التفاصيل ودقتها: إنه سلسلة من المناطق القابلة للعزل والتأمل، لذلك لا وجود للجسد النسائي إلا في العين التي تراه وتتأمله. إن الشيطان يختفي في التفاصيل، لذلك وجب القضاء على الأشكال التي يتسرب من خلالها هذا المارد ليسكن الجسد المؤنث ويحرض العين المذكرة على الفتنة.

وضمن هذه الخصوصية ووفق قوانينها يجب إدراج “الحجاب “ بكل تبعاته ودلالاته القريبة منها والبعيدة. إذ لا يمكن النظر إلى الحجاب في معزل عن باقي الظواهر الأخرى المرتبطة بالجسد ك”العري“ و”التبرج “ و”السفور"، وكلها صفات أو حالات للجسد مشتقة من اللباس الذي يوضع على الجسد “الطبيعي“ باعتباره - أي اللباس - مضافا ثقافيا اعتُبر، في نظر البعض على الأقل، مرآة لقياس وعي الإنسان لجسده ومحيطه، بل هو كذلك أيضا ضمن آليات السيرورة التي قادت الإنسان إلى شق مسار جديد لتاريخه على الأرض: الأنسنة القائمة على مرجعية ثقافية صريحة.

لذلك لا يمكن فهم الحجاب وتأويله إلا ضمن ثقافة لها تصور خاص للجسد. فالثقافة الإسلامية، وربما ثقافات أخرى، منها الثقافتان اليهودية والمسيحية، ترى في الجسد مصدرا لخلاعة أصلية يجب حماية العين من تداعياتها المؤدية إلى خطيئة النظرة وجرم النوايا اللاحقة. وهو ما يغطيه لفظ غريب يطلق عليه “العورة "، وهو مفهوم يعين كل ما له علاقة بالمناطق الجنسية في الجسد، حتى تلك التي ليست كذلك إلا في أعين لا تبحث في جسد المرأة سوى عن إشباع لرغبة هي أبعد ما تكون عن العوالم التي جاءت بها الثقافة وعممتها على كل الكائنات الإنسانية، دليلنا على هذا غياب إجماع عند القيمين على الشأن الديني حول ما يقع في دائرة “العورة"، وحول ما يوجد خارجها.

وفي جميع الحالات، فإن مفهوم “العورة “هو الوجه الآخر للتصور الوضعي “للخلاعة "، مع اختلاف واحد: الخلاعة شيء من الداخل ولا يمكن أن ينبعث من فضاء الجسد، إنه في العين التي ترى وتشكل موضوع نظرتها وفق هوى بعينه، فالذي يشتهي فتاة ترسم بجسدها لوحة فنية في قاعة من قاعات التباري الرياضي، لا يمكن أن يكون سويا. أما العورة فجزء من الجسد وخاصية من خصائصه. لذلك امتدت يد التحريم أحيانا إلى كل ما يمكن أن يذكر أو يشير، بالتشابه أو الوظيفة، إلى الأعضاء المصنفة بشكل صريح ضمن دائرة العورة.

استنادا إلى هذا، فإن هذه الظواهر وثيقة الصلة بالاستثمار الاجتماعي للجسد (وهو استثمار سياسي وديني وأخلاقي أيضا). وهذا ما يوجب الفصل الصارم بين عوالم “الحجاب” وعوالم “السفور” كما سنحاول تبيين ذلك لاحقا. فما بينهما بون شاسع يشمل كل شيء: الوظيفة والغاية والدلالات المستترة التي يشير إليها الجسد في حالتيه. إذ لا حدود ثابتة للأول، فقد يكون مجرد قماش أو شال بسيط يوضع على الرأس، كما كان عليه الحال زمنا طويلا في المدن والبوادي على حد سواء: وهنا أيضا نكون أمام رمزية مزدوجة: قد يكون القصد الظاهري منها التعبير عن “وقار”تقتضيه أعراف اجتماعية بدون أية مرجعية دينية صريحة، أو مجرد عادة لباسية خاصة بمنطقة أو مجموعة عرقية أو ثقافية، كما هو حال نساء المنطقة الشرقية في المغرب المعروفات بارتداء “الحايك“ (غطاء أبيض يلف الجسد كله عدا عينا واحدة)، أو نساء الشمال المعروفات بارتداء جلباب من طراز خاص ووضع قبعة على الرأس.

وقد يكون إحالة جنسية، وهذا هو الأصل في التمثيل الخاص بالشعر كما هو مثبت في التقسيم الوظيفي للجسد النسائي، وكما هو مثبت في أدبيات التغزل أيضا. فالأمر يتعلق بسجل رمزي كوني بأبعاد متعددة، منها الحفاظ على الحميمية التي تدفع الإنسان إلى دفن خصلات الشعر كما يدفن بقايا أظافره (5)، ومنها الإحالة على الفحولة والقوة أيضا كما تدل على ذلك قصة شمشون ودليلة، وكما تدل على ذلك أيضا موضة بعض الرجال الذين كانوا يصرون، في فترة من فترات تاريخنا المعاصر، على إطلاق شعرهم. إلا أن الشائع في التداول اليومي هو إحالته على واجهة جمالية في جسد المرأة بإمكانات تركيبية قل نظيرها. فشكل الشعر وتسريحته وربما لونه أيضا (ضفائر مرصوصة أو خصلات تعبث بها الرياح، أو شعر منفوش أو مشعث...) يعد البوابة الرئيسة للكشف عن سلسلة من حالات الانفعال “العاطفي": الرضا والقبول والاستعداد أو الانكماش والرفض أو انعدام الرغبة.

أو قد يكون عاما يغطي كل شيء حيث تختفي المرأة – طوعا أو كراهية- وراء حجب تقود إلى اختفائها كلية، علامة على الامتلاك الذكوري لما يقع بين يدي المالك بحكم السلطة الدينية أو بحكم التواضع الاجتماعي فقط. وهذه الحالة الثانية هي التعبير الأسمى عن رغبة جامحة في التخلص من كل الأبعاد الثقافية للجسد والعودة به إلى حالة “طبيعية “ لا تختلف في شيء، إلا من حيث الشكل، عن موقف ذلك الإنسان القديم الذي تمثله بعض الرسوم الكاريكاتورية: كائن يغطيه الشعر من جميع الجهات، يشد امرأة من شعرها ويجرها وراءه متوجها بها إلى كهفه، وعلى مقربة منه امرأتان تتساءلان في استنكار عما يعجبه فيها: “يا اختي عاجبو فيها إيه ".

أما الثاني فيعبر عن حضور من طبيعة أخرى، فما يطلق عليه “السفور “ لا يشكل حالة قارة ومتعارفا عليها إلا من حيث التحديد العام، فلباس المرأة في هذه الحالة يتغير بتغير الأوضاع والظروف والوظائف. فطريقة اللباس تحددها إكراهات الزمان والمكان والطقوس، وتحددها حالات النفس أيضا، فهناك ألوان للفرح وألوان للحزن وأخرى للحياد البارد. بل هناك لباس للعمل وآخر للنوم وثالث لاستقبال الضيوف ورابع للنزهة وخامس لحضور حفل ليلي الخ... فاللباس في هذه الحالات جميعها لا ينظر إليه باعتباره إحالة على هوية، بل دلالة على نشاط بعينه.

وفي هذه الحالة نحن أبعد ما نكون عن شكل من أشكال التصنيف المسبق.”فالسفور “ تصنيف من الخارج، أي يعين كل ما ليس حجابا، تماما كما هو الحجاب خروج عما هو “متعارف عليه"، إنه آلية من آليات ضبط ومراقبة جسد مشكوك فيه منذ بدء الخليقة. لذلك فالحالة الثانية تمثل، فيما يبدو لي، المعيار العام، ما يشبه“ اللسان اللباسي”بالمفهوم السوسيري لثنائية اللسان والكلام كما استثمرها بارث بعد ذلك في دراسته للموضة. هناك قواعد توحد وتعمم تفاصيل ذوق محكوم بحالة وعي حضاري مشترك، وهناك سلوك فردي يخصص ويميز ويخلق حالات التنوع والتعدد. ولا يمكن قياس درجة التحولات التي تلحق باللباس إلا استنادا إلى هذه الثنائية.

إن المعيار العام هو تقنين بعْدي لمجموعة من السلوكات المتكررة التي تحولت مع الزمن إلى ما يشبه المرجعية الاجتماعية العامة التي يقاس عليها شكل اللباس، تماما كما هو حال كل الأنشطة الإنسانية الأخرى. وبعبارة مغايرة، إنه سلسلة من القواعد غير المكتوبة، إلا أن الالتزام بها يعد شكلا من أشكال الانتماء الطوعي إلى نظام حياتي ما. فالتحقق الخاص ليس “توجيها“ إيديولوجيا مسبقا، بل هو حصيلة لسيرورة من التحولات طالت رؤية الإنسان للأشياء وطريقته في تمثلها، ومنها بطبيعة الحال طريقة تمثل الجسد، بنوعيه المذكر والمؤنث.

وهذا ما تؤكده النصوص الموازية المكتوبة على هامش الحجاب تبريرا له. فالقول إن المرأة لا تكشف عن زينتها إلا لزوجها هو طريقة أخرى للقول إن المرأة لا يمكن أن توجد في ذاتها (ولست أدري ما المقصود بالزينة هنا هل الجسد العاري؟ وفي هذه الحالة فالأمر حق بحكم التعاقد بين طرفين، أما إذا كان يعني اختفاءه عن الأنظار فتلك حكاية أخرى). إنها ملك، تماما كما كانت من قبل تحت يافطات متعددة منها تملك يأتي من سلطة النسب ومن سلطة الانتماء إلى الحي وسلطة الرابط الزواجي. وباختصار، فإن جسد المرأة ملك للجميع، لأنه ملك للمجتمع. ومع أهمية هذا التصور وقيمته التحليلية إلا أنه يشكل زاوية أخرى للنظر لسنا مؤهلين لبسط القول فيها، ونتركها للمهتمين بعلم الاجتماع أو السيكولوجيا. إن وجهتنا، مغايرة، رغم الاعتراف بتكامل التصورات وتداخلها.

إن “الاعتدال “ أو “التطرف” في هذه الحالة أو تلك ليس موقفا مسبقا تمليه حاجات دينية يمكن تبريرها خارج حالات الاشتهاء والرغبة الجنسية المؤدية إلى التملك والاستعمال الحر لما ملكت الأيمان والأيسار على حد سواء. فالنظرة الخاصة التي يملكها الفرد عن الجسد هي التي تبرر هذا الموقف وتستهجن ذاك. فالمعيار ذاته قابل للخرق في هذا الجانب أو ذاك تعبيرا عن استحالة سيادة النموذج الواحد.

والحجاب ذاته لم يسلم من ذلك. فقد تخلى بسرعة، عند الكثيرات، عن بعده الطائفي ليتحول إلى طريقة جديدة في التعاطي مع الجسد أكثر منه ستارا يحجب بزوغ الرغبة. فرغم ترسانة الفتاوى المليئة بالترهيب والترغيب ومحاسن التقوى، لم يستطع هؤلاء إقناع المرأة بالتخلي عن جزء أساسي من هويتها وحضورها في الفضاء العمومي. لقد تحول الحجاب حسب المقامات، من يافطة للخداع تكشف عن جسد موزع على كل الأهواء، يُهَرِّب الصور الحرام في خطوطه اللامرئية ويعرض ما تيسر من هوى لا يحجبه عن العين أي شيء، إلى موضة جديدة تمنح الجسد مزيدا من الجمال من خلال ممكنات التأليف التي يمنحها كل لباس. فكان أن تقلصت دائرة “الوقار والحشمة والحياء “إلى حدودها الدنيا. وقد قال أحد الظرفاء إن بعض أشكال “حجاب “المرأة حاليا هو مزيج من قناتي “اقرأ “ و”روتانا".

ومن جانب آخر، فإن القواعد العامة التي يفرزها المجتمع في سيرورته - الهادئة أو السريعة - خارج التصنيفات الهوياتية الصريحة، لا تسير هي الأخرى وفق نفس الإيقاع. فما يقدمه اللباس اللاصق نفسه ليس حالة محايدة خالية من كل الشكوك. إنه يشكل حالة انزياح صريح عن المعيار، فهو يمثل حالة “فيض في المعنى"، أو حالة إشباع قصوى لا تمنح العين فرصة البحث عن المداخل و المخارج. فكل شيء معطى بشكل مسبق، لقد أسلم الجسد كل مفاتيحه للعين التي تتهرب منه خشية التلبس بالنظرة الفاضحة.

فالأمر يتعلق- بشكل مفارق ـ بتمثيل خاص للحميمية الإنسانية من خلال شكليها: المرئي خارج كل الحدود (العري كحالة قصوى) أو المستتر من كل الجهات (الحجاب في أقصى حالاته). وبينهما يشكل “السفور"، وهو لباس عادي معياري يتحدد من خلال مراعاته الدقيقة للحدود الفاصلة بين العوالم الوظيفية والعوالم التي تشير إلى المتعة، حالة سلوك طبيعي يمنح الجسد قدرة تعبيرية هائلة، لأنه يشتمل على إمكانات متنوعة للتأليف. وهذه التأليفات، كما رأينا، هي التي تمنحه القدرة على أن يصبح موضوعا للتأويل. فالعين في هذه الحالة تتخلص من منطق التراكم الكمي لكي تندرج ضمن سيرورة منتجة لاستيهامات لا ترى من خلال المعطى الخالي من كل الوسائط، ذلك أن مصدرها هو ما يخلقه التمثل لا ما يقدمه المدرك العيني. إنها سيرورة يجاهد الجسد على استثارتها باستمرار من أجل الكشف عن قصة تنبعث من التفاصيل، من الفوق والتحت وما يفصل بينهما.

وربما يكون التقابل بين الحالتين أحد المداخل الهامة لفهم اشتغال الجسد المحجب وطريقة حضوره في العين. وللقياس المفارق أهمية قصوى في هذا المجال. فحالة الجسد الذي تمثله الصورة البورنوغرافية خير شاهد على ذلك. فالجسد في هذه الحالة معطى من خلال الوجه المباشر للموضوع الممثل (أو الذي يمثل أمام العين كموضوع واقعي). ففي هذه الحالة ينمحي الرمزي والإيحائي والمعنى الموازي، ليمثل الجسد وحده كمعطى “خام” يكشف عن وحداته خارج حدود التمثيل، وهو الحد التوسطي بين التحقق الفعلي وما تلتقطه العين باعتباره حدثا محتملا. “فكل شيء في الجسد واضح وبسيط، إنه شبيه بمنطق البوح وما هو موجود فوق المعطى الواقعي (...) فالغموض واللبس يتنافيان مع فكرة البورنوغرافيا، لذلك قد تكون حالة التمثيل هذه هي أول نوع تنتفي فيه عملية التأويل“ (6).

وغياب التأويل هو غياب للتوسط أيضا، إنه إلغاء للمعاني المضافة التي تتسرب إلى الجسد من خلال التمثيل. والتمثيل هنا، بما هو استعادة “واقعية “ للممثل من خلال النظرة، لا يمكن أن يفلت مما تضيفه العين وهي تنساب فوق ثنايا ما يأتيها من الجسد. والحال أن الجسد، في حالة العري، خال من كل شيء، فلا “حواجز” تفصل بينه وبين العين التي تراه. إن العين لا تكتشف ولا تضيف ولا تحذف ولا يأخذها الاستيهام في أي اتجاه، كل شيء يأتيها دون جهد. هنا الفعل وحده جدير بالتمثيل، لقد وضع الجسد ضمن إكراهات الإدراك وخارج مقتضيات التمثل وانفتاحه. “فلا وجود لقصة خاصة بالجسد، هناك فقط وضعيات مزيفة سرعان ما تختفي هي الأخرى (...) وحالة الفيلم البورنوغرافي دالة في هذا المجال، فهو لا يسير إلى الأمام، إنه يراوح مكانه باستمرار”(7)، لأنه يأسر العين ويكبلها ويضعها خارج ممكنات التدليل، فالعين التي تدرك، خلاف العين التي تتمثل.

وذاك هو موقف العين – بشكل مفارق - أمام الجسد المحجب (الحجاب في حالته القصوى). فمن خلال الغطاء الكلي يُدفع بالجسد إلى التخلص من كل خصوصياته لكي يصبح جسدا عاما بلا ماض ولا مصير ولا هوية. إنه، من خلال شكل هذا الحضور، مفصول عن العالم لأنه غير قابل للتصنيف من خلال الخطاطات المتداولة، إنه موجود خارج الأشكال لأنه بلا شكل، ومفصول عن نفسه وعما يحيط به، لأنه لا يتحدد من خلال هوية بصرية تميزه عن غيره. تتشابه كل الأجساد وتحيل على بعضها البعض، لأنها نموذج مجرد بلا نسخ تخبر عنه. إنها لا تحيل سوى على حالات التوالد الطبيعي الذي لا يمكن أن يعيد إنتاج أي شيء سوى نفسه ضمن دورة بيولوجية تتكرر إلى ما لا نهاية.

إنه شيء، شيء ما يتحرك ولا يمكن أن يتسرب إلى الذاكرة، لأنه غير موجود من خلال موضوع مخصوص تلتقطه العين وتنتشي به أو تزدريه.”فكما أن البورنوغرافيا ترفض الخصوصية وتعوضها بالكاريكاتير“(8)، فإن الحجاب يسلب من الجسد خصوصيته ليعوضها بالعدم. إن العري تفصيل وتدقيق وتجزيء ونشر وكشف عن كل الجزئيات والندوب الخفية، إنه الابتذال الذي يوحد كل الأجساد العارية، أما الحجاب فتعميم ولمُُّ ورص وإخفاء إلى حد اللاتمييز المطلق، إنه العماء المطلق الذي يلغي أي وجود. إن الجسد “كهف مظلم “ (أفلاطون)، وتخليص الروح منه لا يمكن أن يتم إلا من خلال إلغاء حضوره كشكل مميز داخل الفضاء العمومي. وليس غريبا أن يمتد الإلغاء إلى لون الحجاب ذاته. فلا يمكن تصور حجاب أصفر أو أحمر أو متعدد الألوان. ألوان الفرح والاندفاع مشحونة بانفعالات تتناقض مع صورة الحياد التي يجب أن يكون عليها الحضور النسائي في عين الرائي الذي لا يرى شيئا.

والحال أنه لا وجود للمعنى من خلال الكلي والمتصل والخالي من كل الأشكال، فكل ما في اللسان خلافي، ويدل من خلال ذلك. فما يعني هو ما ينظم ويعزل ويفصل ويخلق المراتب أيضا. ويكفي، في حالة الجسد، أن يغيب الوجه لكي تنتفي الهوية إلى الأبد. فالإنسان وجه في المقام الأول، والوجه عينان فيهما تودع كل الانفعالات التي قد لا تستطيع اللغة ذاتها أن تقول أي شيء عنها.

إن تاريخ الجسد هو تاريخ أشكال حضوره في الوجود، لذلك فالتعرف على هوية جسد ما لا يمكن أن يتم من خلال تحديد كمية اللحم التي يحملها، إن اللحم عام ومشترك، إن مدخل التعرف هو ما تحتفظ به العين كشيء لا يمكن أن يوجد في كل الأجساد،. إن الهوية لا توجد فيما يوحد، إنها على العكس من ذلك موجودة فيما يخصص ويعزل ويميز. لقد حافظ الجسد دوما على “طبيعته"، ولكنه غير باستمرار من حضوره الثقافي، اللباس منه في المقام الأول.

وتلك هي المداخل الأساسية لفهم الجمال ذاته. فالجمال (kalon) كما حدده الإغريق منذ فجر التاريخ هو ما يروق العين ويريحها ويستثيرها، وقد تنتشي به الحواس الأخرى كذلك، وموطنه لا يمكن أن يكون سوى “الأشكال المرئية“ (9). إلا أن الطاقة الجمالية “للأشكال المرئية “مشروطة هي الأخرى بالتناسب والتناسق بين الأجزاء، وهو تناسب يشمل كل شيء في الوجود. بل إن وجود الكون ذاته لا يمكن أن يدرك خارج فكرة التناسب هذه (10). وكل ما لا يندرج ضمن هذه الأشكال المرئية ويشكو من اللاتناسق والتنافر يعد اعتداءً على العين.

لذلك، فإن العين لم تكتف بتأمل ما يأتيها من المعطى الحسي، لقد بحثت عن كل الأشكال الجميلة في الطين والخزف والخشب والبرونز والألوان والأشكال المجردة وحررتها من المادة ومنحتها وجودا مستقلا من خلال حالات التناسق بين مكوناتها. ومع ذلك، فإن الجمال الإنساني هو أكثر ما أثار العين وأدهشها ودفع بها إلى التغني بمناطقه وتحققاته. ذلك أن الجمال الإنساني جمال حي يربط بين المادة وبين الحجم الإنساني الذي يحولها إلى جمال ناطق.

لقد تسلل هذا الجمال عبر العين إلى اللغة ذاتها. فقد حفلت القواميس، إذا لم نأخذ بالاعتبار سوى هذه المؤسسات التي لا ”تتكلم"، بتمييزات دقيقة طالت كل مناحي جسد المرأة. تحدثوا عن جمالها وبهائها، تحدثوا عن عيونها ونظرتها وبسمتها، تحدثوا عن طولها وقصرها، عن أردافها وجبينها وصدرها وبطنها، وأشكال الشعر الذي يغطي جسدها. تحدثوا عنها أما وأختا وزوجة وحبيبة وخليلة وعاشقة. بل وضعوا للعضو الواحد أسماء مختلفة، لا تعين الشيء ذاته وليست مرادفات، بل هي تعبير عن حالات متنوعة للعضو. فهو بيولوجي له اسم، وهو جنسي له اسم آخر، وهو جمالي له ثالث. كل هذه التمييزات تحكي عن “جسد حقيقي“ يتجول في الشوارع وتراه العين، جسد تخلص من كل أشكال القمع ليسكن الثقافة فعاث في العقول والقلوب فسادا.

لك قد يذهل الملاحظ المحايد من هول هذه المفارقة العجيبة التي تخترق الثقافة العربية كلها: تحضر المرأة العربية في القواميس ونصوص الشعر والحكايات والنوادر في أبهى حالاتها الجسدية، ولكنها مقصية في فتاوى الفقهاء من الفضاء العمومي. قد يكون ذلك خوفا من سلطة الإغراء عندها، فالسلطة لا تتحكم سوى في الواقعي أما الرمزي فيوجد خارج نفوذها (11). وشتان بين واقع نفعي لا يثير أحدا، وبين عوالم يمتد تأثيرها في كل الاتجاهات.