أخذت الزينات طريقها إلى كل مكان وكل شيء ، حتى شاخصات الدلالة على الطرق ، من الاتجاه الممنوع إلى الاتجاه الإلزامي ، وحتى الأكثر أهمية - شاخصات الدلالة على أسماء واتجاهات المدن بالنسبة للسائح الأجنبي ، فأصبح كل هذا يشير، ويعرض ، ويستعرض وجوه وأشكال ، وكلمات ( ولا أقول برامج ) المرشحين للنيابة عن الشعب ، عدا عن مئات الآلاف من الأمتار من أقمشة بيضاء وملونة – عسى أن يكون تم شراؤها من شركات القطاع العام ، فلديها الكثير من المخزون – وكان الجميع يدعونا إلى عرس الديمقراطية ، وبدوري تساءلت من هو العريس ومن هي العروس ..؟ ولم يسعفني فهمي وتفكيري إلى حل اللغز . عند صدور قوائم الجبهة الوطنية التقدمية ، أصيب البعض بالذهول والصدمة ، فالحزب الأكثر شعبية وقبولاً على الساحة ( بعد حزب البعث ) ، وهو الذي دخل رحاب الجبهة الوطنية حديثاً ، والذي تعرض لخضات وارتجاجات ، وجدل واسع في أوساطه بسبب هذا الدخول ، ورغم ذلك بقي الأكثر عدداً وحضوراً بعد الحزب الحاكم ، هذا الحزب ، أعطيت له ثلاثة مقاعد في أربعة عشر محافظة .

الخيبة المريرة في أوساطه بلغت أوجها ، وتعالت الأصوات مطالبة بالانسحاب من جبهة لم يجن الحزب من دخولها ذرة من فائدة ، ولم يحقق على أرض الواقع تغييراً ، أو تعديلاً يذكر لا في ميثاق الجبهة ذاتها ، ولا في موضوع قانون الأحزاب ، ولا قانون الانتخابات ، ولا قانون الطوارئ ، ولا قانون الصحافة ... ويقول أعضاء هذا الحزب : ما لنا وللارتباط بما يتناقض مع دستورنا ومفاهيمنا رغم كثرة نقاط التلاقي والتقاطع ، هل نستمر مجرد حجر زينة في واجهة لا نملك أمراً في تحسينها ولو من حيث المنظر بأعين المواطن المنتظر ..؟.

واحد من أعضاء مكتبه السياسي يفسر الأمر على النحو التالي : هناك مقاعد مخصصة لكل حزب ، وهذا التخصيص سابق لدخولنا ، وعند مناقشة أمر الترشيحات للمجلس الحديث ( الدور التاسع ) أصر أمناء الأحزاب الأخرى كلٌ على العدد المخصص لحزبه ، ورأوا أن تبقى الأرقام القديمة كما هي ، وبما أن الحزب القومي له ثلاثة ( قبل الدخول الرسمي للجبهة ) ، فليبق العدد ثلاثة ، مسقطين من الحساب كل أمر واقع ، ومتغاضين أيضاً عن أن مجرد دخول الحزب إلى الجبهة هو بحد ذاته زيادة قاعدة الجبهة ، وانتقال شريحة من الشعب من خارجها إلى داخلها ، وبالتالي يفترض هذا الحراك ، تبديلاً في قواعد اللعبة الديمقراطية البرلمانية ، ويقتضي أيضاً إضافات على برنامج العرس ، وهنا لم يحدث شيء من هذا .

ليس من مهمتي مناقشة واقع الأحزاب الأخرى ومدى الانفصام الحاصل بين قياداتها وقواعدها الشعبية ، ليتأكد للجميع مدى صلابة هذه الأحزاب ، أو حقيقة تمثيلها لقواعدها ، وهذا الأمر عائد بمجمله إلى طريقة التعاطي مع القواعد والابتعاد عن مشاركتها في أمر اختيار من يمثلها ، إذ لم نسمع عن حزب دعا إلى مؤتمر عام ، أو مؤتمر فرعي في كل محافظة ليخرج بنتيجة تشير إلى رغبة قاعدته الشعبية في التمثيل ، والنتيجة أن شعوراً ترسخ لدى هذه القاعدة بأنها مجرد ديكور ، أو أرقام يستند إليها الأوصياء على القيادة لاستمرار مكاسبهم في المجالات التي يمكن الحصول فيها على المكاسب ، وليس هناك توجه حقيقي في أوساط الحزب الحاكم لاستبيان حقيقة تمثيل القيادات ( التاريخانية ) الدائمة لقواعدها ،.. الأمر غير مهم ...! أو هكذا يبدو ، ولأنه وعلى قاعدة " أطعم الفم ، تخجل العين ..! " فإن إهمال أمر الاستبيان مفروغ منه ، وليبقى الحال كما هو عليه ، من غير المهم أخذ أي تعديل بعين الاعتبار طالما أن الأمور تسير على نحو روتيني وسهل .

انفضت القواعد عن قياداتها في أغلب الأحزاب ، ليس ذلك تنجيماً ، بل لأننا نعيش الواقع ، ونسمع أحاديث مختلف ألوان الطيف السياسي فليس بيننا حواجز ، يبقى حول القيادات طائفة من الذين تصلهم ، أو تصيبهم بعض المنافع ، وليس سراً القول أن بعض التنظيمات الحزبية تفتقر إلى العدد الذي يشكل هيئة إدارية في منطقة من المناطق ، وما أكثرها ، وقد يطال هذا الأمر- مستقبلاً - حتى الحزب المستجد على ساحة الجبهة ، والدليل ما أشيع عن صراع داخل المكتب السياسي في موضوع الترشيحات على تواضعها ، وربما تواضع العدد هو مبعث الصراع ، وكان الأجدر للحفاظ على كرامة الحزب ، وكرامة تمثيله أن يعلن المرشحون انسحابهم بهدوء وسكينة ، ودون ضجة إعلامية حتى لا يتعكر العرس ، وتتأثر الديمقراطية غير القادرة على استيعاب عدد جديد من الممثلين لحزب حليف قاتل ، ويقاتل منذ أكثر من ربع قرن دفاعاً عن التوجه القومي للبعث ، والدولة في الكيان الشامي ، ويدفع اليوم على ساحة لبنان فواتير عديدة من دم وحرية المنتمين إليه ومريديه وأصدقائه ، وأقل ما يوصم به اليوم على ساحة لبنان ، أنه من بقايا " الاستخبارات السورية " ومع ذلك يفضل هذا الوصف على أوصاف أخرى يرفضها .

ليس سهلاً على قيادات هذا الحزب أن تقنع الأعضاء المنتمين إلى فكره بما حصل ، وأنه ليس امتهاناً لكرامة تمثيل هذا الحزب ، فقد تعرض إلى انتكاسة سابقة استلزمت المسئولين فيه بذل جهود جبارة على مدى أشهر عديدة لاستعادة وحدة وتماسك الصف الحزبي ، على أمل التغيير ، انطلاقاً من القول : إن وجودكم خارج إطار الجبهة الوطنية لا يتيح لكم المشاركة في تعديل ميثاقها ، أو المشاركة في وضع قانون عصري للأحزاب أو قانون انتخاب أو ..... ، لأن أحداً لن يطرح وجهة نظركم ولن يتبناها . وربما حصلت قناعة ما في أوساط الحزب ، مع ذلك خسر الكثير من قيادات النسق الثاني والكثير من الكوادر الفاعلة والهامة ، ليتوج عرس الديمقراطية الحالي الزلزال المتواصل ، ثم ليخسر الحزب مزيداً من أنصاره على الساحة الشعبية وهذا هو الأمر الأهم ، إضافة إلى الخسارة على صعيد الصف من الأفراد والقيادات .

سألني أحدهم : ألم تشارك في عرس الديمقراطية ،... ومن انتخبت إضافة إلى قائمة الجبهة ..؟ قلت : افتقدت بطاقتي الانتخابية فلم أجدها ، يبدو أن مكتبتي تعرضت لإعادة ترتيب وتأهيل ، ويبدو أن البطاقة في مكان لم أصل إليه .

قال : لا أصدق هذا الادعاء ، فأنا أعرفك في غاية الترتيب والدقة ، وأراك تسحب من بين عشرات الملفات مقالة قديمة لك ، أو لغيرك تعالج موضوعاً نتحدث عنه ، فهل تريدني أقتنع بمثل هذا الادعاء ..؟ قلت : وما أهمية المشاركة برأيك ..؟

قال : واجب وطني ... يا أخي .. اختر بعض الأسماء من معارفك ، على السمعة ، استعن بصديق ..! قلت : إن عرساً لا تربطني قرابة بالعريس فيه أو بالعروس ، يجعلني أشعر بأنني مجرد متطفل ، وهذا الشعور يملؤني بالخجل فلا أملك البقاء ولا المشاركة ، لكنني أستطيع القول : مبروك لأهل العريس ولأهل العروس، وع قبال البكاري .