غير مطلوب منّي أن أعتذر، ولكنني أبادر بقرار شخصي، وبدون إكراه،أو ضغوط من جهة ما، إلى الاعتذار من مقاديشو .. اعتذار عن ماذا ؟

أعتذر لمقاديشولأنني كتبت في (هواء طلق) بتاريخ14حزيران2006 :غزّة لن تكون مقاديشو ... على عكس ما توّقعت، وأمّلت،فقد تمكّن أمراء الإثراء غير المشروع،والمواقع العالية التي لا يستحقونها، كونهم غير أكفاء،وغير مؤتمنين، من جعل غزّة بعد انسحاب قوّات الاحتلال: حارة كل مكن إيدو إلو ..والشاطر بشطارته، ولفرط استهتارهم لعبوا لعبة عسكر وحراميّة،وكأن الناس لا يرون،ولا يسمعون ، ولا يعرفون، فهم العسكر وهم الحراميّة، ينطبق عليهم المثل : حاميها حراميها...

غزّة قاهرة الغزاة منذ وجدت فلسطين في العصر القديم،وفي العصر الحديث على أرضها دارت معارك،وتألّقت بطولات. غزة التي شعبها اتصف بحّب الأرض، فأنبت من كل الفواكه والثمار،ورغم الاحتلال والموت اليومي ملأ المشاتل بالورد، فالغزيّون أصحاب ذوق ...

غزّة أهينت بالسرسريّة _ يعني اللصوص الهمل باللهجة الفلسطينيّة_ وتحوّلت إلى ما يشبه مقاديشو في حقبة أمراء الحرب،علماً أن في غزة أجهزة أمنية فلسطينيّة تضّم 65 ألف رجل أمن، ناهيك عن أجهزة أمن الفصائل ، والتي جميعها عاجزة منذ أسابيع عن إنقاذ حياة الصحفي البريطاني المختطف بدون سبب ، وبدون هدف واضح اللهم سوى مفاقمة الفوضى، والتشكيك المقصود بعدم قدرة شعبنا على حكم نفسه!. من أرض الثورة والمقاومة إلى شريط ضيّق محكوم بأمراء الأجهزة،التابعين والمحميين من كل الجهات ما عدا شعبنا الفلسطيني، هكذا آلت الأمور في قطاع غزّة .

مقاديشو التي قهرت المارينز، وطفّشتهم في مشهد ذكّرنا بهربهم المخزي من سايغون،طردت أمراء الحرب الذين حوّلوا أحيائها إلى أوكار عصابات،ثمّ بعد أن نظّفت نفسها بقيادة رجال المحاكم ، دوهمت من قوّات الغزو الإثيوبيّة ، فقام رجال المحاكم بحركة ذكيّة بارعة،وذابوا بين جماهيرهم، وأخلوا الطرق أمام القوّات الأثيوبيّة التي دفع بها (زيناوي) خدمةً لمخططات إدارة بوش، ليغوص في الكمين الورطة،وها هو في مقاديشو يقترف حرب إبادة بحّق الصوماليين في عاصمة بلدهم،ظنّاً منه أنه بهذا العنف الإجرامي سيكسر روح المقاومة ...

في مقاديشو عاصمة الصومال انتفضت عشيرة ( الهويّة) _ يا للاسم المعبّر عن جوهر الانتماء_ لتخوض حرب تحرير للصومال صوناً لهويته العربيّة الإسلاميّة !

في قطاع غزّة : المقاولون يوقظون العشائريّة ويدفعون أبناءها لعمليات ثأر متبادل، وبدوّامة لعبة الدم والحقد يحتمي الفاسدون ويمعنون في فسادهم دون خشية من عقاب. هؤلاء شوّهوا علاقات أهلنا الذين كانوا يتقاسمون رغيف الخبز بينهم في الانتفاضتين، والذين قدّموا أروع أمثلة التضامن والتآخي بروح اجتماعيّة عبّرت عن عمق أصالة شعبنا.

في الصومال ، في مقاديشو العشيرة تحمي الهويّة الوطنيّة بالمقاومة،وفي قطاع غزّة يمسخ الفاسدون الهويّة،وينحطّون بالوعي إلى عصبية تنظيميّة،وولاءات شخصيّة،ومصالح أنانيّة. يا مقاديشو!..أنا أعتذر لك،ولعشيرة (الهويّة) التي لم أكن قد سمعت بها قبل الاجتياح الأثيوبي، وانتفاضتك الوطنيّة العارمة ...ويا ريت ، يا ريت ، نرى غزّة وقد هبّت كعشيرة الهويّة من جديد،طاردةً منها أمراء الأجهزة والإثراء من دم الأخوة المتحاربين بجهالة،المنشغلين عن عدو يحتل أرضهم، ويسقط منهم الضحايا يوميّاً.

الشطّار في وضح النهار!

في كل آن وأوان ظهر شطّار، برعوا في استغفال الناس، واستدراجهم لمنحهم ثقتهم،ثمّ لمخادعتهم وسرقتهم، واللوذ بالفرار بما كسبوه استغفالاً. ثمّة مثل يقول: ما تجلبه الرياح تأخذه الزوابع ... في فلسطين الشطار أنواع !... نترك شطّار السياسة لنتحوّل_ كما في الفضائيات_ إلى واحد من شطّار النصب والاستغفال.

هذا الشاطر الفهلوي قضيته تشغل أهالي نابلس، وبلغ صيتها مواقع الإنترنت . في مدينة نابلس المنكوبة،تفتق عقل الشاطر هذا عن حيلة جعلته حتى الآن مليونيراً ، أقول : حتى الآن، لأنني لا أعرف ما سيحدث له فيما بعد،فقد تفشل المحادثات السريّة بين الأطراف وتنفجر الحرب على طريقة المافيات التي شاهدناها في فيلم العرّاب.

الشاطر هذا وقد أذهلته الأرقام المالية التي تراكمت بين أيدي (بعض) الأشخاص من ( القادة) المحليين _ فما بالك بالقادة الأوسع نفوذاً ؟!_ فوسوس لهم بأنه قادر على مراكمة أرباحهم بتشغيل تلك الأموال و( تبييضها) ،بدلاً من إبقائها معطّلة كاسدة. وهكذا ، ولأنهم لم يتعبوا في جنيها، ولخشيتهم من افتضاح أمرهم أمام أهل نابلس إن ظهرت عليهم إمارات ( النعمة)، خّاصة وهم من أسر فقيرة ،أو شبه معدومة ، أو بالكاد ( مستورة)، فقد وضعوا ثرواتهم بين يديه.

هو الآن سجين لدى أحد أجهزة الأمن، أو رهينة، وأحد ذويه قتل،والمفاوضات متواصلة معه لإعادة المبالغ ...

مأزق( بعض) أصحاب تلك الأموال _ وهنا الفّخ الذكي الذي نصبه الشاطر _ أنهم لا يستطيعون التحدّث عن أرقامها، لأن الناس الذين يعرفون أصولهم في نابلس سيتساءلون: من أين لكم هذا،وأنتم من أسر على الحديدة ؟!. لا يخفى طبعاً أنهم جنوا تلك الأموال من ( التشبيح)، والخاوات.

الناس في نابلس ، وقد تسرّبت لهم المعلومات شمتوا بالحرّامية ، ولم يحقدوا على الشاطر، فالجماعة لصوص في لصوص، ،ولكن الخشية في المدينة هي من اشتعال حرب بين الأطراف، تهدد بإحراق المدينة العريقة المنكوبة ! يعني الشطّار والعيّارون سيحرقون نابلس ويدمّرون (هويتها) العمرانيّة، فوق تدمير جرّافات وصواريخ العدو لحاراتها العريقة القديمة..إن لم يوضع لهم حّد !

مفارقات : قال لي : إيران منهمكة في سباق مع الزمن..لامتلك السلاح النووي ! قلت له : لا تعجب ، فالعربان منهمكون في سباق الهجن! قال لي : اليهود في أمريكا عندهم سلاح اللوبي . قلت له : ونحن عندنا سلاح ال..روبي ! سألني لي : كيف ترى مبادرة ( الجماعة)؟ قلت له : لا شئ فيها من طهارة صلاة الجماعة، فالصفوف غير مستوية لأنهم يتسابقون على الرضى الأمريكي، وهم غير معنيين بطاعة الله وثوابه، فقط هي مبادرة (جماعيّة) لإنهاء قضيّة فلسطين وبيع حقوق شعبها... سألني : كيف ترى دور عمرو موسى؟! أجبته : أنالا أريده كعمرو بن العاص ،ولكن ليكن على الأقل كعمرو دياب، في صوته طرب،ويغني كلاماً له معنى ..مثل بداياته!

قال : قريباً سيلتقي أبو مازن مع أولمرت في أريحا! قلت: لنعّد مزيداً من الأكفان، فكلّما التقيا زاد عدد شهدائنا، رغم حرص أبي مازن الشديد على التهدئة!

سألني : هل الصومال عربيّة أجبته: حّد علمي هي عضو في الجامعة العربيّة،وبصوتها وصوت جيبوتي تمّ تبرير الحرب الأمريكيّة الأولى على العراق .الآن صوت استغاثتها لا يسمع ،ومقاومة مقديشو تحرجهم ، فمن يصدع ويمتثل لأوامر كونداليسا،لا يسمع استغاثات مقاديشو. لا تغفري لهم يا مقديشو ..لأنهم بلا نخوة،ولا( هويّة) ! بدهشة سألني : هل سمعت باستقالة وزير داخلية السلطة احتجاجاً على عدم تعاون رؤساء الأجهزة معه؟! أجبته: رؤساء الأجهزة يعرفون مع من يتعاونون! ..ألا ترى استتباب الأمن في غزة !