"سيدي رئيس الحكومة، لقد أعلنت أنك تعمل لدينا، إننا نبلغك بأنك مطرود"... بهذه العبارة لخص الأديب اليساري الإسرائيلي مئير شاليف لسان حال ما يقوله ما يربو على 150 ألف متظاهر، كانوا قد احتشدوا فيما يطلقون عليها ساحة رابين في تل أبيب مطالبين باستقالة إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي إثر نشر ما تعرف بلجنة "فينوغراد" نتائج تحقيقاتها في أسباب الفشل في إنجاز استهدافات الحرب العدوانية الثانية على لبنان و الأخطاء التي رافقت عملية إدارتها على المستويين السياسي والعسكري.

في ساحة رابين جمعت التظاهرة كافة أطياف ما قيل أنهم يمثلون غالب شرائح ما يدعى الجمهور الإسرائيلي، فكان أن صنّفهم الإعلام الإسرائيلي على الوجه التالي: "متدينون وعلمانيون ومعتدلون ومتشددون وشبان وكهول"! هذا يعني أن أغلب الإسرائيليين يجمعون اليوم على وجوب رحيل أولمرت رئيس وزرائهم، و معه بيرتس وزير الحرب، الأمر الذي كان قد فعله من قبلهما رئيس الأركان الجنرال حالوتس، لأن لجنة التحقيق المذكورة قد حملتهما بوضوح مسؤولية فشل الحرب... والإسرائيليون المتظاهرون هنا، لا فرق بين يمينهم ويسارهم، متدينهم أو ملحدهم، أو من يوصفون بالمتشددين أو المعتدلين... وباسمهم جميعاً يقول شاليف مخاطباً رئيس وزرائهم ووزير حربهم: "لقد فشلتم، ارحلوا إلى منازلكم"!

وبما أنهما، كما قال، قد "ارتكبا خطايا" في هذه الحرب فهو يكمل، ولعلها في إشارة منه إلى إعلان أولمرت النية في تفادي الأخطاء والإفادة من دروسها: إننا، ويعني الإسرائيليين، غير مستعدين "لدفع رسوم إعادة تعليمهما"! ... هنا يجدر بنا التوقف أمام حقيقة إسرائيلية لا مراء فيها ولايمكن القفز عليها ونحن نتابع هذا الحدث كعرب. لعل أول أبجدياتها، أن هذا الكلام الذي تردد في ساحة رابين على لسان اليساري شاليف، ومثله ذاك الذي تردد بعده في الكنيست، على لسان اليميني المتطرف بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء السابق، الغني عن التعريف... وسائر ما طغى أو طفح على صفحات وسائل الإعلام الإسرائيلي إبان هذه الزوبعة المتصاعدة باتجاه تحولها إلى عاصفة هي لازالت حتى الآن في بداياتها... كله كلام منصب على أمر واحد: لماذا فشلتم؟

أي أنه لا أحد في هذا الكيان، باستثناء نزر أو أصوات هامشية وغير فاعلة شذت عن إجماع عام، كان ضد نجاح استهدافات الحرب من حيث المبدأ، أو بدا منه ترحماً على ضحاياها من اللبنانيين، أو أبدى أسفاً لما ألحقته من دمار بهذا البلد الصغير المعتدى عليه، أو جسدت خلال وقوعها ومن بعده من ويلات لم تنته ذيولها لحقت بالشعب اللبناني... كانوا غاضبين لخسائر لحقت بجيشهم ومستعمريهم في شمال المحتل من فلسطين، وكانوا أكثر غضباً لفشل آلتهم الحربية الهائلة في هذه الحرب، وبالتالي عبروا عن استيائهم بالمطالبة بتنحي أولمرت، قصاصاً، لما لحق بصورة الردع الإسرائيلي التقليدية التي يحرصون جميعاً على صونها... هم هنا يلومون أولمرت ووزير حربه وجنرالاته على الفشل وليس على العدوان... على كسر المقاومة اللبنانية لهيبة كيانهم، وتهشيمها لأسطورة جيشهم الذي لايقهر... وفضح وقائع الحرب ممارسات دولتهم الوحشية... يقول شاليف نفسه:

إن تقرير لجنة "فينوغراد" قد وفر "مرجعاً لإعادة تربية وتثقيف قادة إسرائيل المستقبليين بشأن ما هو مسموح وما هو محظور في قضايا الأمن"!

إذن، هنا بالنسبة لهم يكمن بيت القصيد، الفشل غير مسموح، والفاشلون عليهم الرحيل و إخلاء سدة القرار والتوجه بعيداً إلى حيث يركنون إلى بيوتهم... وبذا استحق تقرير "فينوغراد"، كما يقولون، أن يكون بمثابة الإيذان بما تدعى "الصحوة على يوم جديد"... أي إن المطلوب بالنسبة لهم هو أن لا يتكرر الفشل!

تقول صحيفة هآرتس:

إن "السؤال الأهم هو المتعلق بالمستقبل: هل الحكومة الحالية برئاسة أولمرت قادرة على قيادة إسرائيل في الحرب القادمة... وأن تنتصر فيها"... هذه الحرب التي ترجحها، كما تقول هذه الصحيفة، "التقارير الإستخباراتية" ؟!! والآن، ماذا قال تقرير "فينوغراد"؟

أولاً، وقبل كل شيء، لم ينشر منه وهو الذي جاء في 230 صفحة إلا 170 صفحة التزاماً بقرار من الرقابة العسكرية. وحيث تناول ، ليس الحرب الأخيرة فحسب، وإنما ستة أعوام أعقبت الانكفاء الاستراتيجي من جنوب لبنان عام الألفين... هذا الانكفاء المؤشر على الوصول إلى منتهى حدود القدرة على مواصلة التوسع لدى المشروع الصهيوني، وبالتالي الاصطدام بعدم إمكانية الاحتفاظ بمزيد من الأرض العربية التي يتم احتلالها، فإنه وهو المرحلي فحسب، حيث سيتبعه التقرير النهائي هذا الصيف، قد تلخصت أهم نقاطه على لسان رئيس لجنته على الوجه التالي: إن مسؤولية الفشل "تقع على رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس الأركان"، والفشل هذا، كان بسبب ارتكاب "أخطاء فادحة" من قبل الثلاثة. فرئيس الوزراء، مثلاً، هو مسؤول عن "فشل ذريع في القيام بتقييم (الوضع)، وتحمل المسؤولية، وواجب الحذر" وكانت أهدافه التي سعى إليها في هذه الحرب "مبالغة في الطموح ومستحيلة في التحقيق"... أما وزير الحرب، فلقد "فشل في ممارسة مهامه. وبالتالي فإن وجوده على رأس وزارة الدفاع أثناء الحرب أضر بقدرة إسرائيل على دفع التحديات التي كانت تواجهها"... وكذلك فإن رئيس الأركان (المستقيل) قد "فشل في مهامه في قيادة الجيش وفي وظيفته المحورية في الإدارة السياسية والعسكرية. وظهرت ثغرات في مهنيته وتقييمه لتطورات الحرب".

إذن هناك شبه إجماع جماهيري إسرائيلي على رحيل أولمرت. اجماع لم تعكسه مظاهرة ساحة رابين فحسب، وإنما هو أصبح أيضاً حديث الإعلام الإسرائيلي المكرور:

تقول صحيفة "هآرتس" في إشارة إلى التقرير القادم المنتظر المفترض أنه النهائي للجنة "فينوغراد":

"إذا لم يستقل رئيس الوزراء فإنه سيلقى به بعد شهر".

... وإذا لم يفعل هذا، هو ووزير الحرب، فإن "في انفلات حسهما دليل آخر على أنهما لم يكونا جديرين بمنصبيهما منذ البداية".

أما يدعوت "أحرونوت" فتقول: "ضحكنا مرة، وقلنا أن الجيش الإسرائيلي يملك دولة، جاءت لجنة فينوغراد وبينت لنا أننا أخطأنا، وأن الوضع أسوأ. وأنه قد كان هناك شخص واحد أدار المستوى السياسي حول اصبعه الصغيرة، ومضى بدولة كاملة إلى حرب انتهت إلى فشل".

أولمرت، حتى الآن، يصر على عدم الرحيل، وبيرتس حتى الآن يلوح بنيته الازماع على ذلك الرحيل، وحزب أولمرت "كديما" سارع فلملم شعثه ولازال متمسكاً بحصانه الخاسر، وحزب العمل، شريك كديما في الائتلاف، يفضل بلوى أولمرت على ابتلاء نتنياهو، هذا الذي سوف تأتي به، كما هو متوقع، رياح الانتخابات المبكرة لو قُدّمت، وذلك عبر عودة حزب الليكود المتوقعة لو تمت هذه الانتخابات إلى السلطة، وعليه، نلحظ أن الكنيست في جلستها الطارئة المتعلقة بالتقرير لم تشارك الشارع والإعلام في مستوى عنف الحملة على أولمرت... أعضاء الكنيست لا يريدون انتخابات تخرج الكثيرين منهم منه، وجلّهم لا يريد أن يخلف أولمرت رجل مثل نتنياهو، ولهذا سمعنا، الداهية العجوز إسحاق بيرس، يرد على محاججة نتنياهو القائلة، بأن الفاشل في الحرب لا يمكنه إصلاح أخطائها، لذا عليه أن يرحل، قائلاً له:

" نبؤاتك لا تمتلك الأصوات الكافية لإقرارها في الكنيست"...

إذن، وهذا هو الحال عندهم اليوم، ما الذي سيحدث لديهم غداً؟

إن الأزمة لازالت في بداياتها فحسب. إنها أزمة كيان هش لا يمتلك ترف الوقوع في تجربة فاشلة مهما كان حجمها. لأنها إن وقعت، كبرت أو صغرت، سرعان ما تطرح مسألة وجوده برمتها قيد البحث... لكن، لنعترف لهم بأن فيما يدور راهناً فيما بينهم هو بعض ما يعبر عن "ديمقراطيتهم" ... نعم إنها ديمقراطيتهم اليهودية، أي العنصرية، والخاصة بهم وحدهم، لكن، المهم فيها هو أنها تقول للفاشل عندهم عليك أن ترحل...

وعليه، أوليس في هذه الحكاية الأولمرتية بعضاً من درس فيه شيئاً من عبرة لنا نحن العرب؟!!