الخداع والخديعة كلمات اقترنت وبجدارة مع قضية فلسطين وما آلت إليه ، ولم يكن هناك خداع بإتقان كما هو الحال في قضية فلسطين... ولن تكون خديعة مستمرة كما هي الخديعة التي سَلبت منا أرض فلسطين، ووطنت بحبائلها شتات اليهود على ترابها المبارك... ظلم واقع... وتاريخ يُزيف... وخداع يُراد له أن يسود... وإجرامٌ يُبرر لها... حصار وتجويع... قتل وتصفية... تهويد وتدنيس للمقدسات... تجاوز لكل الاتفاقات المُبرمة والمعاهدات الدولية... تحالف عالمي لقطع جميع التحويلات حتى ولو كانت لمسح دمعة أرملة وكسوة يتيم وإغاثة لمسكين لا يجد كسرة خبز!!

وآخرها صراع داخلي بين الحكومة والرئاسة، قيادة برأسين كلٌ يُريد أن يُثبت وجوده، والثمن دماء تُسفك من أبناء الوطن الواحد!!!

فتسارع الأحداث على أرض فلسطين، منذ أن تفاوضت بريطانيا مع الشريف حسين بن علي أمير الحجاز (مراسلات مكماهون ـ حسين من يوليو 1915 ـ مارس 1916م ) لدفعه للإعلان الثورة العربية على العثمانيين مقابل وعود باستقلال معظم المناطق العربية في جزيرة العرب وبلاد الشام والعراق تحت زعامته، وكانت النتيجة تطبيق إتفاقية "سايكس بيكو" في مايو 1916 التي أعطت الانتداب الفرنسي لبنان وسوريا والبريطاني العراق والأردن وفلسطين، وكان ذلك صدمة كبيرة للثورة العربية، وبعدها جاء وعد بلفور في 1917م الذي أفقد الكثيرون إدراك ما حدث وما يحدث على أرض فلسطين.

ولنعي كيف تطورت القضية وما آلت إليه الأمور منذ ذلك الحين إلى اليوم، سأوجز تلك الخدائع بعشرة متسلسلة مترابطة لعلنا نُدرك ما يُراد لنا، ولماذا وصل بنا الحال إلى سفك الدماء؟!:

( 1 )

وعد بلفور

الخديعة الأولى كانت منذ أن وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين على أن لا تُمس حقوق ومقدسات الآخرين؟!! وكان صدمة كبيرة للثورة العربية، إذ لم يتخيلوا أبداً هذه الدرجة من الخداع البريطاني، ولذلك رفض جنود الثورة العربية الاستمرار ما لم توضح الأمور، فأرسلت بريطانيا إمعاناً في الخداع والتضليل مبعوثيها (هوغارت) في يناير 1918م لطمأنة الشريف حسين، حيث حمل تصريحاً بريطانياً بأن الهجرة اليهودية لفلسطين لن تتعارض مع مصالح السكان السياسية والاقتصادية.

وإذا بالحقوق تُمس والمقدسات تحول إلى زرائب للحيوانات وبيوت للحنا والفجور، والشعب الفلسطيني يُشرد ويُهجر ويعيش كلاجئين في الدول المجاورة، وما زالت معاناتهم إلى الآن...

( 2 )

الانتداب البريطاني

ولتكتمل الخديعة الأولى كان لا بد من خديعة ثانية تجعل فلسطين تحت الانتداب البريطاني، فاحتلت بريطانيا فلسطين في 1918م وصرحوا بأن أرض فلسطين سوف تُحكم وفق رغبة السكان!! ونصبت اليهودي "هربرت صموئيل" في عام 1920م كمندوب سامي لبريطانيا في فلسطين، وأدمجت وعد بلفور في صك انتدابها على فلسطين الذي قررته لها عُصبة الأمم في يوليو 1922، الذي اعترف "بالصلة التاريخية" التي تربط الشعب اليهودي بفلسطين وبضرورة إعادة إنشاء وطنهم القومي فيها وتسهيل هجرتهم وتمكينهم في الأراضي الأميرية والأراضي الموات!! ففتحت الأبواب للهجرة اليهودية فتضاعف عدد اليهود من 55 ألفاً سنة 1918 إلى 646 ألفاً سنة 1948، كما دعمت تسليم الأراضي فتزايدت ملكية اليهود للأرض من نحو نصف مليون دونم (2% من الأرض)، إلى نحو مليون و 800 ألف دونم (6.7% من أرض فلسطين) ، وتمكن اليهود تحت حماية الحراب البريطانية من بناء مؤسساتهم الاقتصادية والسياسية والتعليمية والعسكرية والاجتماعية. وأسسوا 292 مستعمرة، وكوَّنوا قوات عسكرية من (الهاغاناه، الأرغون، وشتيرون) يزيد عددها عن سبعين ألف مقاتل، واستعدوا لإعلان دولتهم.

( 3 )

قرار تقسيم فلسطين

والخديعةُ الثالثة تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1947 حين أصدرت قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية: نحو 54% للدولة اليهودية و 45% للدولة العربية و 1% منطقة دولية (منطقة القدس) لفترة مؤقتة تعود بعدها القدس للسيادة العربية. قال حينها (ديفيد بن غوريون) أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني: "إننا لا ننوي تنحية العرب جانباً والاستيلاء على أرضهم، وحرمانهم من الميراث"، والحقيقة أن عصابات اليهود انهمكت في إعداد خطط الحرب في اليوم الذي تلا إقرار التقسيم، حيث صدرت أوامر لكافة اليهود الذين بلغت أعمارهم 17 – 25 سنة، بتسجيل أسمائهم للخدمة العسكرية بعد ذلك القرار بأيام.

وكانت النتيجة: ظلم فادح أعطى الأقلية اليهودية الدخيلة المهاجرة الجزء الأكبر والأفضل من الأرض الفلسطينية، وخالف الأساس الذي قامت عليه الأمم المتحدة وهو حق الشعوب في الحرية وتقرير مصيرها بنفسها، والشعب الفلسطيني المعني أساساً بالأمر لم تتم استشارته ولا استفتاؤه بهذا الشأن... أما بالنسبة للقدس فقد احتل اليهود غربي القدس في حرب 1948 م ـ وهي تساوي حوالي 85 % من المساحة الكلية للقدس ـ وقاموا بتهويد هذه المنطقة التي تعود ملكيتها للعرب، وبناء أحياء سكنية يهودية فوق أراضيها وأراضي القرى العربية المصادرة حولها، وأُعلن عن توحيد شطري القدس تحت الإدارة اليهودية في 27/6/1967 م، ثم أُعلن رسمياً في 30 يوليو 1980 أن القدس عاصمة أبدية موحدة للكيان الصهيوني.

( 4 )

انسحاب القوات البريطانية

والخديعة الرابعة حين أعلنت القوات البريطانية إنهاء انتدابها على فلسطين وانسحابها منها في مساء 14 مايو 1948م، وبعدها بسويعات أعلن المجلس الوطني اليهودي في 15 مايو 1948 "قيام دولة إسرائيل"!! وبدأت الحرب بين العصابات الصهيونية من جهة وبين الفلسطينيين والجيوش العربية من جهة أُخرى، والتي لم تكن مستعدة لهذه الحرب، مما سبب هزيمتها وسُميت بنكبة فلسطين. حينها صرح الدبلوماسي اليهودي "جاكوب تزور" للصحافة العالمية بأن: "الحرب الشاملة فُرضت على اليهود"!!

يقول (بول فندلي) ـ عضو الكونجرس الأمريكي السابق ـ في كتابه "الخداع": "الحقيقـة أن الجيـش الصهيوني بدأ زحفـه خلال الأسـابيع القليلـة التي تلت خطـة الأمم المتحدة للتقسـيم في عام 1947 ، وعندما حلَّ 15 أيار / مايو، يوم دخول الجيوش العربيـة إلى فلسـطين، كانت (إسـرائيل) قد اسـتولت بالقوة على أجزاء كبيرة من فلسـطين خارج نطاق الدولـة التي حددتها لها الأمم المتحدة، وكانت يافا، أكبر المدن الفلسطينيـة، قد تعرضت للاجتياح ونُهبت بشـكل كلي وطُرد مئات الألوف من الفلسـطينيين بالقوة من منازلهم، وأصبحوا لاجئين لا حول لهم ولا قوة".

والنتيجة كانت إنشاء كيان صهيوني على مساحة أكبر بكثير من المساحة المقررة لها في قرار التقسيم والتي كانت أقل من 55 % وإذا بها نشأت على 77 % من أرض فلسطين ولم يبقَ سوى الضفة الغربية، والتي أُلحقت بالأردن، وقطاع غزة الصغير الذي أُلحق بالإدارة المصرية، وشردوا بالقوة 800 ألف فلسطيني خارج المنطقة التي أقاموا عليها كيانهم، ومن أصل 925 ألفاً كانوا يسكنون في المنطقة، ودمر الصهاينة 478 قرية فلسطينية من أصل 585 قرية كانت قائمة في المنطقة المحتلة، وارتكبوا 34 مجزرة؛ واحتلوا غربي القدس وهي تساوي حوالي 85 % من المساحة الكلية للقدس، وقاموا بتهويد هذه المنطقة التي تعود ملكيتها للمسلمين والعرب وبنوا أحياء سكنية يهودية فوق أراضيها وأراضي القرى العربية المصادرة حولها.

( 5 )

حرب 1967م

والخديعة الخامسة: حين صرح الكيان الصهيوني أن حربه في عام 1967م هي "دفاع عن النفس" وأنهم غير مستعدون لتلك الحرب، وأضاف وقتها (هنري سيغمان) المدير التنفيذي للكونجرس اليهودي الأمريكي بأن: "الدول العربية غزت جاراً مسالماً بدون أن تستفز". وعلق (بول فندلي) في كتابه "الخداع" على تصريح (سيغمان) بقوله: "الحقيقة بدأت إسرائيل القتال في عام 1967 كما بدأته في عام 1956 بهجوم مفاجئ على مصر". وقالوا كذلك أنهم لا يطمعون بأي أرض إضافية من فلسطين، والواقع أنهم في حرب يونيو 1967 م وفي بضعة أيام احتلوا باقي فلسطين ـ 23 % مما تبقى من أرض فلسطين التاريخية. فسقطت الضفة الغربية بما فيها شرقي القدس، وقطاع غزة وتم تشريد 330 ألف فلسطيني، واحتُلت الجولان السورية (1150 كم مربع) وسيناء المصرية (61198 كم مربع)، وأُعلن عن توحيد شطري القدس تحت الإدارة اليهودية في 27/6/1967 م. والحقيقة الأمر أن الكيان الصهيوني لم يكن سعيداً بمساحه الأرض التي اقتطعها من فلسطين في حرب 1948م، وكان يرغب في المزيد من التوسع لفتح الباب بشكل أكبر أمام الهجرة والاستعمار الصهيوني، كما كان يفتقد الشعور بالأمان في حدوده مع البلدان العربية التي يبلغ طولها 981 كيلومتر. فأكمل استلابه لأرض فلسطين ورتب أمن حدوده مع من يُجاوره بما يضمن استمرار وجوده على الأرض المغتصبة.

( 6 )

اتفاق أوسلو 1993م

واستمر بعدها الخداع بالعديد من القرارات الدولية التي، وإن كانت تعترف بحقوق الفلسطينيين، إلا أنها تفتقر الجدية والآلية اللازمة لإرغام الكيان الصهيوني على احترام القرارات الدولية، ولم يُنفذ منها الكيان الصهيوني شيئاً، إلى أن بدأت مفاوضات مدريد وتمخض عنها اتفاق عُرف باتفاق أوسلو ( 1993م ) وكان هذا الاتفاق خديعة سادسة حيث أعطى الفلسطينيون مناطق متفرقة قُسمت إلى ثلاثة أجزاء أو مناطق: مناطق ( أ ): وهي المناطق التي سُمح للسلطة الفلسطينية أن تُمارس فيها نوعاً من السيطرة السياسية والأمنية ولم تتجاوز مساحة هذه المناطق في أقصى الأحوال 18 % من الضفة الغربية.

ومناطق ( ب ): وهي مناطق لم يُسمح لهم بممارسة سوى صلاحيات وظيفية كرعاية الصحة والتعليم مثلاً.

ومناطق ( ج ): والتي تتجاوز مساحتها 58 % وأُبقيت تحت السيطرة اليهودية الكاملة من جميع النواحي. والنتيجة هي عملية استعمارية مستمرة وتوسع مستمر وتهويد لم ينقطع: من 45 % عام 1947م إلى 23 % عام 1967م إلى 18 % في عام 2000 م إلى ما يُقارب 10 % مع الممارسات حتى عام 2002م.

( 7 )

الجدار العازل

والخديعةُ السابعة هي جدار عازل شرع الكيان الصهيوني ببناءه في السادس عشر من شهر يونيو/ عام2002 م في مناطق الضفة والقطاع والقدس بزعم منع "عمليات التسلل الإرهابية" إلى مناطق 1948م ، ووقف العمليات ضد الكيان!! وحقيقته ضم أجزاء كبيره من الأراضي الفلسطينية بدون سكانها إلى الكيان الصهيوني بشكل نهائي، وضم الكثير من المستعمرات القريبة أصلاً من "الخط الأخضر" إلى الكيان الصهيوني، بدلاً من تفكيكها وإنهاء وجودها، ورسم الحدود على الأرض، وفرض واقع سياسي جديد، لمنع إقامة أي كيان سيادي فلسطيني على أي جزء من أرض فلسطين، بعد أن ضمن السيطرة التامة على عبور الأشخاص والبضائع سواء على المعابر بينه وبين الأراضي الفلسطينية أو تلك المعابر على الحدود مع الدول الأخرى.

جدار توغل في عمق أراضي 1967م استولى على 23 % من أخصب الأراضي في الضفة الغربية، وعلى 75 % من مياهها، وحاصر875 ألف فلسطيني في القرى والمدن، و 78 مدينة وقرية بين جدارين وبوابات. ويُعد أكبر سجن مساحة في التاريخ المعاصر، ويضم أكثر عدداً من المساجين، وأسواره أطول بثلاثة أضعاف من جدار برلين وأعلى منه بمرتين. ووفق تقرير الأمم المتحدة فإن 11% فقط من مسار الجدار يسير بمحاذاة الخط الأخضر الذي يفصل بين الضفة الغربية والمناطق التي احتُلت في عام 1948م.

وشكل بذلك عائقاً حيوياً أمام التواصل الطبيعي بين المدن الفلسطينية، وعزل الفلسطينيين بعضهم عن بعض، ومنع التواصل الحدودي بين الدولة الفلسطينية وبين دول الجوار، وباختصار: الجدار لم يلغِ فقط إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة بل ألغى كذلك إمكانيات الوجود الفلسطيني على هذه الأرض؛ لأنه يجعل الجانب الفلسطيني المفترض أشبه بدويلة معازل متفرقة، وغير قابلة للحياة.

( 8 )

الانسحاب من غزة

والخديعة الثامنة: تمثلت بالانسحاب من غزة والتي لا تتعدى مساحتها 1.3 % من مساحة فلسطين، ولا يتعدى عدد المغتصبين فيها من اليهود 1.6 من إجمالي عددهم في الضفة الغربية. والذي صوره الاحتلال للعالم كتنازلٍ كبيرٍ من جانب الكيان الصهيوني المحتل، وحقيقة الانسحاب تجاوز أسس عملية السلام والمفاوضات والقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية بما في ذلك الاتفاقات الفلسطينية ـ اليهودية الثنائية، وخريطة الطريق، فكانت عملية مستقلة بذاتها أسقطت الحل المتفاوض عليه، وألغت الطرف الثاني من الصراع، وفرضت حلاً أحادياً، وفرضت السيطرة على مجريات الأمور في قطاع غزة، فإقامة أي فلسطيني في قطاع غزة وعدم إقامته مرتبط بموافقة الكيان الصهيوني وكذلك حق العودة إلى قطاع غزة لا يملك الطرف الفلسطيني منحه لأي فلسطيني، مما يتنافى مع فكرة الانسحاب من قطاع غزة، ويؤكد سيطرة الاحتلال على القطاع سيطرة كاملة وعن بعد، حيث حوَّل غزة إلى سجن كبير يعتقل فيه الفلسطينيين، ويُفشلهم في إدارة شؤون حياتهم، ويدفع الفصائل إلى الاقتتال الداخلي كما نعيش ونشاهد الآن... وفي تعليق دقيق للكاتب والمحلل العبري "ناحوم برنياع" قال: "وضع أمام الفلسـطينيين مصيدة غزة وقد سقطوا في داخلها، لإثبات فشـل السـلطـة في غزة وجاءت النتيجـة فوريـة". وبالفعل أظهروا للجميع صورة مقابلة لصورة غزة في ظل الوجود اليهودي، لإثبات أن أوضاع غزة في ظل الاحتلال أفضل بكثير من أوضاعها في ظل السلطة والحكومة، ولهذا ركزت المشاهد على الانفلات الأمني والاقتتال الداخلي الذي طالما عملوا على تحقيقه بين الحركات الفلسطينية...

( 9 )

الانتخابات الفلسطينية

والخديعة التاسعة أسموها الانتخابات في فلسطين؛ حيث قالوا لا بد من أن تكون في أراضي السلطة وفي فلسطين انتخابات نزيهة ترعاها الرباعية، والحقيقة التي يجب أن تُعّرف لمن قرأ التاريخ المعاصر أن مأساة فلسطين لم تبدأ بفوز هذا أو ذاك، بل هي مسيرة ظلم عانى منه الفلسطينيون خلال أكثر من مائة سنة، وبكل خبث جعلوا الحكومة الجديدة مع كل التحديات والأعمال التي تواجهها في أصعب وأطول قضية في العالم المعاصر جعلوها تنشغل في مشكلة كيف ستوفر رغيف الخبز للملايين... وكيف توفر الأمن والأمان لمواطنيها وتمنع سفك الدماء الذي تدفع له أطراف عدة. فأين القانون الدولي والنظام العالمي بكل مؤسساته من حكومة منتخبة يُسجن وزراءها، ويُعتقل رئيس مجلسها التشريعي ونائب رئيس الوزراء، ويُهدد رئيس وزراءها بالقتل؟! أهكذا تكون رعاية الديموقراطية في المنطقة؟! أهذا هو الشرق الأوسط الجديد الذي بُشرت المنطقة به؟!! ولماذا شكلوا لجان مراقبة الانتخابات وأتعبوهم في رعايتها؟! إن كانوا يعلمون أن من انتُخب منهم سيُزج في السجن وتُسلب منه حريته وكلمته؟! ولماذا لم نسمع منهم كلمة استنكار أو وقفة قانونية أو إنسانية على الأقل؟!! ولعل الجواب الوحيد "كلهم مشاركون في الجريمة"!!

( 10 )

رئاسة وحكومة فلسطينية

وخديعة نعيش تفاصيلها ومخازيها، رئاسة بأجهزتها وحكومة برجالها... نتيجتها صراع داخلي بينهما، قيادة برأسين كلٌ يُريد أن يُثبت وجوده ويُنفذ قراراته، وحكومة منتخبة فُرضت عليها وزارات بهياكل فارغة من أي مضمون أو قرار، سُلبت من كل الإمكانات للإصلاح والتغير... وقالوا وصول حكومة رئيسها وأغلب أعضائها من حركة حماس إلى سدة الحكم في فلسطين هو السبب في معاقبة الشعب الفلسطيني وتجويعه وإذلاله، وقطع المعونات عن سلطته ووقف الاتصالات معها، قرارات تم تنسيقها بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي؟! والحقيقة أن الكيان الصهيوني نجح بتخطيط إستراتيجي بعيد المدى في دفع الفلسطينيين إلى هاوية الفوضى والاقتتال الداخلي، عبر إضعاف "طرفي النزاع" الفلسطيني، وممارسة الحصار الاقتصادي والضغط السياسي على الشعب الفلسطيني خصوصاً في قطاع غزة. فما يحدث من فوضى واقتتال داخلي لا يُمكن بأي حال من الأحوال أن يكون بعيداً عن الأيدي الصهيونية بل هو نتيجة لتخطيط يهودي صهيوني بعيد المدى، وهو صاحب المصلحة الأولى في رؤية الدم الفلسطيني يُسفك بسلاح الإخوة والأشقاء في الفصائل الفلسطينية، هذا ما أكدته الكاتبة والمحللة السياسية المختصة بالشؤون الفلسطينية، "أورلي نوي" في مقال تحت عنوان "مسيرة تخريب السلطة الفلسطينية" نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" الصادرة باللغة العبرية، لخصت فيه سياسة الاحتلال في التعامل مع حماس وفتح بالآتي: "جذور هذا الصراع الخطير تعود إلى السـياسـة (الإسـرائيليـة) في إضعاف الطرفين، فتح وحماس، بشـكل متسـاوٍ، بحيث لا يسـتطيع أي منهما السـيطرة على الأراضي الفلسـطينيـة بشـكل فعال، وسـياسـة: "لا يوجد شـريك فلسـطيني" لم تُبتكر من أجل "حماس"، وكلما شـعرت (إسـرائيل) بأن حماس تخـسر من قاعدتها الجماهيريـة، وأن هناك احتمال لعودة قوة "أبو مازن"، فإنها تقوم بإضعافـه بخطوات سـياسـيـة أو عسـكريـة مدروسـة، وهكذا باسـتمرار..."

كلمتنا لكم جميعاً

كل ما سبق من خداع نقدمه وبإخلاص وحرص على دماء الأخوة في الفصائل الفلسطينية المتناحرة ليعي الجميع حجم المؤامرة على فلسطين وأهلها... ونحن على يقين من كان مشروعه الحفاظ على أرضه ومقاومة المحتل وإفشال مؤامراته وخداعه لا يُمكن أن ينجر إلى اقتتال داخلي لا رابح فيه إلا العدو الصهيوني...

· فالذي وعد اليهود بوطن قومي في فلسطين وقرر تقسيم أرضها واعترف بالكيان الصهيوني على ترابها، وغض النظر عمن تشرد من أهلها، ولم يفرض على المحتل تنفيذ عشرات القرارات الدولية، وتجاوز عن كل ممارساتهم واعتداءاتهم، ورعى الاتفاقات الزائفة، وفرض الحصار الشامل على الحكومة المنتخبة، ولم يستنكر سجن وزراءها، واعتقال ممثليها، هو كذلك الآن من يُراقب هذا الاقتتال بين إخوة الدين والوطن والسلاح، بل ويدفع له بتقوية جانب على آخر... مسيرة مستمرة من الخداع ماثلة أمامنا بكل صورها التي يندى لها الجبين!! فللأطراف المتنازعة نقول:

· هل نسيتم أنكم في ظل احتلال؟ وهل أعماكم سحر الكراسي إدراك واقعكم المرير؟ فأنتم بحاجة إلى ضربه على الرأس لتُعاد إليكم الذاكرة التي فقدتموها! فما زالت فلسطين محتلة. أصدقتم أنكم تحكمون دولة، ووزرائكم في السجون وأعضائكم نصفهم معتقلون...؟ لا تملكون معبراً واحداً لتُدخلوا كيلو من الطحين لإطعام شعبكم الجائع، أو دواء لمستشفياتكم، بل لا تملكون إدخال أي حوالة إلى فلسطين ولا تملكون مستحقاتكم من الضرائب ورسوم إدخال البضائع، فعلى ماذا تتنازعون؟!!!

· والغريب أنكم صدقتم الخديعة حين قالوا لكم ستشكلون رئاسة وحكومة ووزراء وأعضاء مجالس تشريعية، وأنتم لا تملكون الدخول أو الخروج إلا بإذن المحتل، ولا تملكون التحرك بما تبقى لكم 10% من أرض تُنتهك حرماتها ليلاً ونهاراً... وأنتم تنظرون... لا تصدقوا أنفسكم فإن فكرة الحكم الذاتي هي مطروحة منذ السبعينات أن تحكموا أنفسكم، و المحتل يُتابع أعمالكم!!

· ولا شك أن الخداع يُمرر ويحصل للمخادع قصده في خداع أمة بأكملها أو بشعب من الشعوب، كلما كان المسلمون بعيدون عن منهج الله تعالى وشريعة الإسلام، لأنها الأسس التي يعتمد عليها في التعامل مع غيرهم ممن يُخطط لإضعافهم ولاقتتالهم وسفك دماءهم... لذا لنقف صداً أمام هذا الخداع لنعي المؤامرات التي تدور حول فلسطين وشعبها، وأن نعرف ما وراء تلك الأحداث، وكيف سُخر الإعلام الغربي وغيره لتبرير الحصار وسياسة القتل البطيء للمسلمين في الأرض التي باركها الله للعالمين، وعجلوا الأمور لدفعكم جميعاً للاقتتال وسفك الدماء المحرمة...