موت أبي في حادثة سير قبل سنوات خمس من النكسة الحزيرانية 1967، كان سبب تأجيلي عن الالتحاق بالخدمة ( معيلا لإخوتي )، وكان مفترضاً بي أن أكون واحداً من الجنود المشاركين في تلك المعركة ، ولست أدري إن كان ذلك من حسن أو سوء الطالع ، وعزائي ، بل مبعث فخري واعتزازي أنني شاركت في ملحمة العاشر من رمضان ، حرب تشرين التحريرية منذ لحظاتها الأولى وفي مواقعها المتقدمة .

إذا سمحت لنفسي بمناقشة المقدمات الأولى لنكسة حزيران فإنني لا بد أستعيد ما اختزنته ذاكرتي وذاكرة أمثالي ، أو الأكبر سناً عن المعارك التي دارت بين قوى الأمة المتناثرة وبين الصهاينة بعد العام 1948 ، أي بعد أن ترسخت أقدام الصهاينة وبنوا المداميك الأولى لكيانهم العدواني على أرضنا بمعونة دولية واسعة ، وقرار أممي جائر وظالم .

حرص الصهاينة بعد قيام دولتهم على نهج الضربات الخاطفة ، والقاسية في كل الاتجاهات المجاورة ، واعتبار ذلك رسائل إقناع المحيط بعدم جدوى الاستمرار في العداء والتفكير بعملية تحرير للأرض المغتصبة ، وفي هذا الاتجاه عمل الصهاينة بمساعدة دولية ( أوروبية البدايات ) على نشر معلومات عن حرب 1948 وما تخللها من اختراق للقيادات العربية ، وتضليلها ، ومساهمة بعضها في نسج خيوط النكبة وهزيمتها المدوية ... عصابات مبعثرة ، تهزم دولاً عدة ، ولتثبيت هذه المقولة كانت المعارك المفتعلة من قبل الصهاينة على جبهات المواجهة ، مترافقة بنمو هائل للقوة الصهيونية عدداً وعتاداً ، قابله غش وحصار متواصل لعمليات تسليح جيوش الدول المواجهة ، إلى ما بعد العدوان الثلاثي على مصر 1956 ، وما تلا ذلك من كسر لحظر السلاح والانتقال إلى منهج جديد في المواجهة ، وهنا لا بد من استذكار ملمح مهم صدر عن القيادة الأمريكية وأعطى الانطباع بأن تلك الإدارة ترفض منطق العدوان ، وأنها من أجبر الدول المعتدية على الجلاء بما في ذلك الصهاينة ، ولسنا ندري إن كان الموقف إياه صادراً عن قناعة ، أو كان لعبة لكسب الرأي العام الدولي، ورأي عام المنطقة لتقبل حراك أمريكي لاحق يحل محل الاستعمار الأوروبي ، وهو قد وضع ذاك النظام الامبريالي تحت عباءته الواسعة . ترسخ الشعور الخادع بقوة العدو وضعفنا في أوساط كثيرة ، شعبياً نتيجة الإعلام الخارجي الفاعل وتضخيم قوة العدو والمبالغة في نتائج معاركه التي كانت دوماً بمبادرة ومباغتة منه ، وحجم الضحايا ..! وقيادياً بسبب الضغوط الخارجية ، والعمالة ، واحتكار السلاح ، ومحاصرة تسليح الجيوش العربية إلى أبعد حد ، وكان الأهم في ذلك العقد هو سلاح الطيران ، إذ ما إن بدأت الدول العربية ، وخاصة مصر وسوريا بتدريب دفعات من الطيارين في الدول الشرقية والحصول على دفعات من الطائرات ( في البدايات ... الميغ 15 والميغ 17 ) حتى بوشر بوضع الخطط لضرب هذا السلاح ومنع حصول توازن في هذا المجال ما يؤدي إلى تفوق عربي في ساحة المعركة الأرضية ، وهكذا عمل الغرب على توفير أحدث أنواع الطائرات ، تسليحاً ، وتقنية لجيش العدو، وتوفير خبرات الطيارين من حملة الجنسية المزدوجة ، لكن الأهم من كل ذلك كانت الضغوط السياسية على القيادات العربية والتي تتوجه نحو منع العرب من المبادرة واتخاذ قرار شن الحرب على العدو ، وأن هكذا عمل سيؤدي إلى وقوف الجميع ضد هذه الدول ، وبالمقابل كانت الوعود الأمريكية والتطمينات الروسية بأن العدو لن يكون المبادر خصوصاً بعد أزمة مضائق تيران وسحب البوليس الدولي الذي كان يراقب الحدود المصرية - الفلسطينية المحتلة ، وعلى وعد أن يتم الحل سلمياً وعن طريق التفاوض بالواسطة .

العدو الصهيوني الذي لم يحترم في يوم من الأيام اتفاقيات الهدنة ، أو قرارات مجلس الأمن ، بسبب الدعم الغربي ونفوذ اليهود في هذا الغرب ، استغل الفرصة ، وكان يراقب بكل الوسائل المتوفرة حركة الجيشين المصري والسوري ، وكان أيضاً يمتلك المعلومات اللازمة عن كل القواعد الجوية في هاتين الدولتين ، وإضافة لما تم كشفه عن حفلات صاخبة دعي إليها غالبية قادة الأسلحة وخاصة سلاح الطيران المصري، وكثير من الطيارين ، ليل الخامس من حزيران ، فقد قام العدو بهجوم جوي صاعق ومباغت وكثيف صبيحة ذاك اليوم من العام 1967 دمر على أثره سلاح الجو المصري أو أغلبه الذي كان متوضعاً على المدارج تحت الجاهزية رقم 1 ، وكذا الحال بالنسبة لسلاح الجو السوري على تواضعه ، وانكشف الغطاء الجوي والدعم والإسناد عن الجيشين لتصبح حركة كل الآليات المدرعة والناقلة وآليات الدعم اللوجستي تحت رحمة سلاح الجو الصهيوني الذي ألحق بها خسائر جسيمة .

لا شك أن الفوضى دبت في كل مستويات القيادة ، وفقدت معظم القيادات السيطرة ، وبالتالي كانت الهزيمة حتمية ، الهزيمة النفسية قبل الهزيمة العملية على الأرض ، تشتت الوحدات ، وصدرت أوامر الانسحاب الكيفي ، وبعض هذه الأوامر لم يصل - ( اعتماداً على مذكرات الكثير من المشاركين في تلك الحرب ، أو الذين كتبوا عنها وبعضهم إعلاميين ) ، وساهم الإعلام المتخبط في عملية دب الذعر في صفوف المواطنين في منطقة الجولان ، مستذكرين قصص المجازر اليهودية بحق سكان المناطق التي دخلها الجيش الصهيوني سابقاً ، فكانت عملية النزوح الواسعة والكثيفة حتى قبل دخول الجيش الصهيوني أرض الجولان ، وأعتقد أن هذه العملية وفرت للجيش المتقدم سهولة الحركة وطمأنينتها ، وعلى أرض خالية ما عدا بعض النقاط التي خلد موقفها التاريخ العسكري ، وانتهت الحرب في اليوم الخامس ... وارتاحت القوات في اليوم السادس ليطلقوا على تلك النكسة الأليمة ... حرب الأيام الستة ..! وأرى أنها لم تكن كذلك ، بل يصح فيها تسمية حرب الأيام الغادرة ، أو حرب الغفلة ....

ليس جديداً القول أن الذهول أصاب المواطنين في كل بلاد الشام ومصر ، بل تعداهما إلى العالمين العربي والعالمي حيث كانت الصورة المترسخة في الأذهان ، بسبب الدعاية الصهيونية ، عالمياً ، أن الكيان الصهيوني " الضعيف " معرض للخراب ، بل وسيقذف به إلى البحر ، ولسنا ندري إن كان المرحوم عبد الناصر قد تعرض لخديعة دولية مزدوجة ، أو أن السوفيت كانوا ضحية مثله ..؟ ، أما القيادة في الشام فقد كانت تنام على حرير الحلم بأن الصهاينة لن يجرؤوا على شن الحرب وإلا فالنتيجة الوحيدة التي تنتظرهم هي المصير الأسود اعتماداً على القوة المصرية خصوصاً وأن طائرة القاهرة حلقت طويلاً في سماء دمشق ، ونقلت المحطات صوراً لصواريخ القاهر والظافر ، ومع أن الجيش في الشام كان في حالة استعداد ، إلا أن هول المفاجأة وقضاء الصهاينة على سلاح الجو المصري والسيطرة على السماء أفقدت القادة توازنهم وشلت التفكير المنطقي وردة الفعل المناسبة ، وفي سنوات لاحقة تبين من خلال الوثائق المفرج عنها من قبل الخارجية الأمريكية ، وما نشره كتاب عالميون من معلومات أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت السند الرئيس للصهاينة في توجيه ضربتهم ، وأن قادة عرباً طالبوا بهذا الدعم وربما تعهدوا بتغطية من نوع ما ، والتعويض على الكيان الصهيوني لأسبابهم الخاصة ، وظروف الصراع المصري – السعودي في اليمن ، وقد نشر الكثير حول الموضوع .

اليوم ، وفي الذكرى الأربعين للحرب النكسة ، والتي لم تزل آثارها جاثمة على الصدور – طبعاً لا يمكن نسيان شعار إزالة آثار العدوان ..! الذي رفعته القيادات ، وشعار آخر : ما أُخذَ بالقوة ، لا يسترد إلا بالقوة ..! يلحظ مواطننا في كل بقاع الأمة أن التوجه لم يعد لإزالة آثار حرب النكسة ، بل لترسيخ نتائجها والاعتراف بأمر واقعها ، بل وأكثر من ذلك التنازل عن أكثر مما كان يطالب به العدو في ذلك الحين ، وتقبل كثير من القيادات العربية بالتنازل حتى عن حقوق نصت عليها قرارات دولية ، كما يلاحظ اتجاهاً متزايداً نحو الاعتراف وتوثيق الروابط بين عديد من الكيانات العربية والكيان الصهيوني بذريعة " العقلانية " والواقعية ، ومجاراة المجتمع الدولي والانصياع لقراراته ، وهذه ( القرارات ) لا يلتزم بها ولا يحترمها ولا ينفذها الصهاينة ..!.

بعد أربعين سنة من حرب النكسة ، تسفر القيادة الأمريكية عن الوجه الحقيقي - القبيح لسياساتها الرامية إلى السيطرة العسكرية – الكولونيالية – على مشرقنا العربي ، بل وعلى العالم ، وعن طريق هذا الانتشار والسيطرة تسيطر على كل مفاصل الحياة البشرية ، اقتصادياً ، وثقافياً ، وتفرض مفاهيمها وما تقول أنه المثل الأمريكية الديمقراطية وهذه تتجسد – الآن - على أرض الواقع في العراق لكل ذي بصيرة ، ومع أن النتائج المحققة حتى الآن لا تبشر بزمن أمريكي خالص ، إلا أن خطرها الماثل يطال أمتنا في الصميم ما يستدعي وقفة حقيقية بوجه هـذه المخططات ، ووقف سلسلة الانهيارات التي تنتج عن ممارسات المحافظين الجدد الأمريكان ، وأتباعهم الصهاينة ، وعملاءهم المندسين في كل الصفوف ، وللتذكير فقط .. فإن كل الحروب والعمليات بعد العام 1973 ، إنما هي الانتقام المتواصل من هذه الأمة ، ومحاولة إعادة وترسيخ مشاعر الهزيمة النفسية لدى شعوب المنطقة وقياداتها ، تلك المشاعر التي أسقطتها حرب تشرين ، بقرارها القومي الصرف وخطة الهجوم الذي أنجزته قيادات بعضها طعنه ، وبعضها أخلص له ، ومَن طعن كرامة تلك الحرب ، ونتائجها ، إنما خان دماء الشهداء وطعن كرامة المقاتلين الذين حققوا النصر الذي نحن بحاجة له ، ليس على ذنب الأفعى ، وإنما على رأسها الفعلي .