كيف أفلتت فلسطين من الأيدي العربية في ستة أيام، لتتساقط وتتناثر إلى أراض مقطّعة الأوصال؟ وكيف تمكّن جيش واحد من إلحاق نكسة بالأمة العربية، لم تستفق منها حتى اليوم، في ستة أيام فقط؟

ثلاث ساعات أدخلت المواطن العربي في دوامة لا متناهية من الهزائم والانكسارات لترافقه جيلاً بعد جيل. ثلاث ساعات كانت كافية لتقلّص فلسطين في الذهن العربي والفلسطيني فأصبحت حدود الرابع من حزيران 1967 هي المنية المشتهاة. ثلاث ساعات هي مدة الغارات الجوية الإسرائيلية المفاجئة الأولى على المطارات المصرية والأردنية والسورية، التي دمرت الطائرات الرابضة على مدارجها، لتتحوّل الأيام الستة من حرب حزيران إلى عملية قتل جماعي في صحراء سيناء والضفة الغربية والجولان، بحيث كانت السماء مفتوحة أمام الطيران الإسرائيلي لضرب المدرعات والقوات العربية.

المسبّبات والمسؤوليات رغم أن أي لجان تحقيق عربية لم تتشكّل بعد الهزيمة، إلا أن مسار الحرب وما كُشف من وثائق خلال السنوات الماضية تسمح بتكوين فكرة عن المسبّبات وتحديد المسؤوليات، التي يقع جزء منها على سوء التقدير العربي وانغماسه في داء البيروقراطية، التي أخّرت وصول تحذيرين إلى القيادة المصرية، قبل شن الغارة الإسرائيلية. كما أنّه ليس بإمكان الدور الأميركي والبريطاني أن يختفيا عن ميدان المعركة، إذ كانت حاملات الطائرات الأميركية واضحة للعيان أمام السواحل الإسرائيلية، وخطط حرب 56، التي شنتها بريطانيا وفرنسا ضد مصر، كانت الخريطة التي استخدمتها إسرائيل في عدوانها. فالخطة الإسرائيلية عام 1967 لم تكن مجرد استلهام من خطة عام 1956، بل كانت إعادة لها بالنص، بعدما حصلت الدولة العبرية على ملف عمليات الطيران البريطاني، عبر الاستخبارات الأميركية. وباعتراف الرئيس الإسرائيلي السابق عازار وايزمان، الذي كان قائداً للطيران قبل عام 1967، فإنه تسلّم الخطة البريطانية. وقال، في مذكراته، إنه لسنوات «كان يعيش مع الخطة، ويحلم بها ويدرب رجاله عليها، إلى أن تسلّمها خلفه موردخاي إيهود قبل الحرب بوقت قصير».

وإضافةً إلى الاستعداد الإسرائيلي، أمّنت الولايات المتحدة معلومات وافية عن الجبهات العربية كلها، وخصوصاً المصرية، من النواحي العسكرية والاقتصادية والسياسية. وكانت الشيفرات المصرية، الحربية والمدنية، مكسورة ومفتوحة ومقروءة للولايات المتحدة، التي كانت تبلغ السلطات الإسرائيلية بالنيات المصرية. هذا بغضّ النظر عن الدعم اللوجستي، الذي أمّنته مخازن الأسلحة الأميركية، إضافةً إلى التدخل المباشر في بعض الأحيان، إذ تُظهر تقارير الاستطلاع البحري في الخامس من حزيران اقتراب اثنتين من حاملات الطائرات الأميركية من شواطئ فلسطين المحتلة. وفسّر وجودهما بدايةً أنه تحسّب من احتمال تدخل سوفياتي في الحرب لمصلحة العرب. إلا أن تقارير أميركية كشفت بعد ذلك حقيقة لا تقل خطورة عن الاشتراك مباشرة في الحرب، إذ تشير إلى مخاوف سرت في قيادة الحرب الإسرائيلية من تسرب معلومات إلى القاهرة أو أي عاصمة عربية أخرى، عبر السوفيات مثلاً، عن موعد الضربة الجوية الأولى، ليستبق الطيران العربي ذلك بغارات على المطارات الإسرائيلية. وتضيف إنه كان لا بدّ من تغطية ثغرة «الساعة المكشوفة»، فتولّت حاملتا الطائرات «أميركا» و«ساراتوجا» ذلك، وعملت أسرابهما كمظلة حماية للأجواء الإسرائيلية، وكانت مدارج محتملة للطائرات الإسرائيلية، إذا تمكّنت الطائرات العربية من تدمير مدارج مطارات الدولة العبرية.

بداية الحرب على عكس المتعارف عليه، لم تكن الضربة الجوية هي بداية العدوان الإسرائيلي في صباح يوم الخامس من حزيران، فقبل الغارات بنحو تسعين دقيقة، أي في الساعة السابعة والنصف تقريباً، قامت القوات الإسرائيلية بعدوان على المحور الأوسط في سيناء، وتم خلاله احتلال موقع متقدم داخل الحدود المصرية في منطقة «أم بسيس». إلا أن القادة المصريين لم يأبهوا لهذا الهجوم، ولم يعتبروه حدثاً مهماً ينبئ بأحداث جسام وقعت في أعقابه. كذلك أرسل مكتب استخبارات العريش برقية تفيد بمشاهدة أنوار وسماع أصوات عربات مجنزرة في مناطق وحدات العدو، لكن البرقية أرسلت إلى مكتب وزير الدفاع المشير عبد الحكيم عامر، الذي كان لا يزال نائماً، ولم تصل إلى هيئة العمليات، إلا في الساعة التاسعة وأربعين دقيقة، وكان العدوان قد بدأ.

أما الإنذار الأهم، الذي أفسدته إجراءات روتينيّة أخرى، فكان من محطة «عجلون» في الأردن، وهي محطة إنذار مبكر ذات موقع ممتاز يغطي مساحة كبيرة من فلسطين المحتلة. وقد بثّت المحطة في الساعة الثامنة بتوقيت القاهرة وجود موجات متتالية من طائرات العدو تتجه نحو الجنوب الغربي، وقد كان من الطبيعي أن يتم بث الرسالة بالشيفرة السرية، أي «عنب... عنب... عنب».

وكان من الممكن أن تكون هذه الرسالة نقطة تحوّل لمصلحة الجيوش العربية لو وصلت في الوقت المناسب، وتم حل شيفرتها بطريقة مناسبة، إلا أن تغيير مفتاح الشيفرة في الدقائق الأولى ليوم الخامس من حزيران، حال دون تمكّن مستقبلها في القاهرة من فكّ رموزها، حيث استخدم مفتاح الشيفرة الذي كان معتمداً قبل الخامس من حزيران. أما مكتب وزير الدفاع فتسلّمها ولم يتصرف بها نتيجة عدم وجود الوزير في مكتبه. الآليات العسكرية العربية المدمّرة في سيناء في 13 تموز 1967 (عمير شامير - رويترز)وما زاد الطين بلة، كان الزيارة التي أعلن عنها المشير عامر للجبهة في سيناء، حيث عمد قادة الجبهة إلى استعمال الطائرات المروحية في نقلهم من مواقعهم على جبهة القتال الممتدة إلى مطار «تمادا» بانتظار طائرة المشير وصحبه، وفي الوقت نفسه أُعدت ترتيبات مماثلة لاستقبال طائرة نائب الرئيس المصري حسين الشافعي ونائب رئيس الوزراء العراقي طاهر يحيى في منطقة الفايد، الواقعة غرب قناة السويس.

وبناءً على حركة الطيران الكثيفة التي كانت مرتقبة في ذلك اليوم، صدرت أوامر بتقييد وسائل الدفاع الجوي المصرية، ما خلق ظروفاً مواتية للطيران الإسرائيلي لاختراق الأجواء المصرية بسهولة، وهو ما عبّر عنه وايزمان في مذكراته بالقول «كانت طائراتنا تقوم بأكثر من دورة حول أهدافها، وكانت قادرة على تدميرها بالرشاشات من دون استخدام القنابل».

الجبهة المصرية وسط هذه الأجواء، انطلقت 184 طائرة إسرائيلية لقصف القوات الجوية المصرية والمطارات، ما بين الساعة الثامنة وخمس وأربعين دقيقة والساعة الثانية عشرة. وشملت الضربات تسعة مطارات رئيسية، أربعة في سيناء وخمسة غرب قناة السويس، بموجات متعاقبة، بين الواحدة والأخرى عشر دقائق. وبعد ظهر اليوم نفسه، استأنفت الطائرات الإسرائيلية ضرباتها، فدمرت خمسة مطارات أخرى، منها مطار القاهرة الدولي، لتصبح خسائر القوات الجوية المصرية حتى نهاية اليوم الأول 305 طائرات، أي 85 في المئة من السلاح الجوي المصري.

وبتحييد السلاح الجوي المصري عن المعركة، مهّدت القوات الإسرائيلية للمعركة البرية على الجبهة المصرية، حيث خصصت سبعة ألوية مدرعة وأربع كتائب دبابات مستقلة وأربعة ألوية مشاة ولواءً مظلياً، إضافةً إلى ستة ألوية مدفعية. وتم تقسيم هذه القوة، التي بلغ تعداد أفرادها 65 ألفاً ودباباتها 900، إلى ثلاث مجموعات قتالية، تقدمت الأولى على المحور الشمالي، فبدأت بخان يونس ثم رفح، فمنطقة الشيخ زويد، لتصل إلى العريش وتدخلها صباح السادس من حزيران، ما فتح أمامها الطريق إلى أبو عجيلة وجبل لبنى في سيناء، حيث التقت مع المجموعة الثانية، التي كانت قد انطلقت من منطقة العوجة إلى الحريضين، وساندت المجموعة الثالثة التي كانت تواجه مقاومة عنيفة أمام أبو عجيلة.

وعندما علمت القيادة الإسرائيلية بالأوامر المصرية لسحب القوات من سيناء، أسرعت في دفع قواتها على محاور سيناء لإغلاق الطرق المؤدية إلى المحور الجنوبي في وجه القوات المنسحبة، والوصول بسرعة إلى قناة السويس. وبالفعل وصلت طلائع القوات الإسرائيلية إلى الضفة الشرقية للقناة، المواجهة للإسماعيلية، في اليوم الخامس للحرب (9 حزيران)، ووصلت مجموعة ثانية في اليوم نفسه إلى الضفة الشرقية في مقابل مدينة السويس، بعدما خاضتا معركة كبيرة في منطقة بير جفجافة، حسمتها الطائرات الإسرائيلية، التي استخدمت قنابل النابالم المحرّمة دولياً ضد القوات المصرية المنسحبة من سيناء، وهو ما أوقع خسائر بشرية فادحة.

الجبهة الأردنية في الخامس من حزيران، شنت القوات الإسرائيلية عدوانها الأول على مدينة القدس، مهاجمةً في الوقت نفسه ممر باب الواد الضيق ومركز شرطة اللطرون، اللذين استولت عليهما صباح اليوم التالي، الذي شهد أيضاً الاستيلاء على مطار القدس (مطار قلنديا)، بعد التقدم باتجاه رام الله. واستمرت القوات الأردنية صامدة في القدس حتى السابع من حزيران، حين سقطت المدينة المقدّسة بيد القوات الإسرائيلية، في وقت كانت فيه المعارك في القطاع الشمالي، الذي يضم مدينة جنين مشتعلة، إلى أن تمكنت القوات الغازية من احتلالها في السادس من حزيران، بعد معارك مريرة وقتال في الشوارع. وشهدت جنين أيضاً قتالاً بين القوات الإسرائيلية والأردنية عند مفترق قباطية، انسحبت بعده القوات الأردنية، ما أدى سقوط قلقيلية وطولكرم، ثم نابلس في السابع من حزيران، في وقت كان فيه اللواء المدرع الأردني 60 قد تحرك من أريحا للدفاع عن الخليل، إلا أنه ما لبث أن عاد اليها، حيث قاتل دفاعاً عنها، ثم اضطر إلى الانسحاب إلى الضفة الشرقية في اليوم نفسه. الجبهة السورية ولم تختلف مسيرة الحرب على الجبهة السورية عن مثيلتيها في الأردن ومصر، فالطائرات الإسرائيلية قصفت في اليوم الأول من الحرب المطارات السورية، إلا أن الطائرات السورية تمكّنت من الإقلاع لضرب بعض المطارات الإسرائيلية شمال فلسطين المحتلة، إضافة إلى بعض المواقع في سهل الحولة ومصافي النفط في حيفا. إثر ذلك، قام الطيران الإسرائيلي بقصف المزيد من القواعد الجوية السورية، وخصوصاً في القنيطرة في مرتفعات الجولان، وهو ما منع الطائرات السورية من القيام بعمليات اعتراضية، وانسحاب ما بقي منها إلى المطارات الشمالية. وعقب اليوم الأول للحرب، خفّت حدة العمليات العسكرية على الجبهة السورية، فاقتصرت على هجمات على بعض المستعمرات، حتى يوم التاسع من حزيران، حين باشرت القوات الإسرائيلية عملياتها البريةّ، بعد انتهاء الحرب على الجبهتين المصرية والأردنية، واستقدام تعزيزات من الجبهتين إلى الشمال، رغم قبول سوريا بقرار مجلس الأمن لوقف إطلاق النار. ووسط أجواء معنوية سيئة للقوات السورية، سببها الانهيار السريع للجبهتين المصرية والأردنية واستقالة الرئيس جمال عبد الناصر، شنّت الطائرات الإسرائيلية غارات مكثفة على مواقع الدفاع الأمامية في الجولان، واستخدمت القنابل المسمارية، التي كانت تنفجر على ارتفاع منخفض فتنثر شظاياها فوق الخنادق المكشوفة وتقتل الجنود، إضافة إلى القنابل الانزلاقية، التي كانت تخترق سقوف التحصينات وتنفجر داخلها.

وبعد الغارات، انطلقت الوحدات المدرعة الإسرائيلية في ثلاث مجموعات، فلاقت مقاومة عنيفة خلال اجتياز التحصينات المنيعة والأراضي الوعرة المزروعة بالألغام في الجولان، وتكبّدت خسائر كبيرة في دباباتها وجنودها. واصطدمت القوات الغازية بموقع القلع المنيع، حيث جرت معركة عنيفة استمرت طوال نهار التاسع من حزيران، اشتركت فيها القوات الجوية والمدفعية الإسرائيلية، وهو ما حال دون دفع الوحدات المدرعة السورية الاحتياطية لشنّ هجمات مضادة. وأدى سقوط المواقع الأمامية السورية إلى انفتاح الطريق إلى مسعدة وبانياس في القطاع الشمالي من الجبهة، في وقت كان فيه القطاعان الأوسط والجنوبي يشهدان معارك ضارية، احتلت القوات الإسرائيلية خلالها بعض المواقع، ليتم اختراق خط الدفاع السوري الأول في غير مكان، في الشمال والوسط.

وتابعت القوات الجوية والمدفعية الإسرائيليتان عملياتهما ليلة العاشر من حزيران، حين بدأت معالم الانهيار تظهر في الخطوط الدفاعية السورية. وفجر اليوم نفسه، تابعت القوات المحتلة تحركها من القلع، فاتحة الطريقة أمامها إلى القنيطرة، فدخلتها بعد انسحاب القوات السورية منها، فيما كانت قوات اسرائيلية أخرى تحتل مواقع أخرى مثل البطمية والرفيد، وتتجه إلى جبل الشيخ لتستولي على قمته الجنوبية. وفي الساعة السادسة والنصف من مساء العاشر من حزيران، توقف القتال على الجبهة السورية، لتنتهي بذلك الجولة الثالثة من الحرب العربية ــــــــ الإسرائيلية بهزيمة عربية جديدة، غيّرت المعادلات في الشرق الأوسط وفرضت معايير المنتصر على أصحاب الأرض. لبنان والعراق

لم يتدخل لبنان في الحرب، واكتفى الجيش بدور الدفاع عن الأراضي والأجواء اللبنانية، في محاولة لمنع الإسرائيليين من الالتفاف من لبنان على الخطوط السورية أو قصف الأراضي السورية عبر الأجواء اللبنانية. ولم يحصل خلال الحرب سوى مواجهة محدودة واحدة في الجو بين اللبنانيين والإسرائيليين، أدت إلى سقوط طائرة حربية لبنانية. أما بالنسبة إلى العراق، فقد كان دوره محدوداً في المعركة، أساساً بسبب عنصر المفاجأة الإسرائيلي، وقصر أمد الحرب الذي لم يتح الوقت الكافي للعراقيين للمشاركة. إلا أن الطيران الإسرائيلي شنّ غارات على مواقع عراقية قرب الحدود الأردنية والسورية، وقصف وحدات عراقية مدرعة حاولت التقدم باتجاه البلدين للمشاركة في الحرب، ما أدى إلى تدمير جزء كبير منها.