تبدو لي خطوات رئيس الحكومة الدبلوماسية نحو دمشق غامضة ، وغير مفهومة بل خطرة ، وهي قد تفسَّر خطأ كخداع من اجل تقديم اجراء عسكري اسرائيلي في مواجهة السوريين فضلا عن أنها لن تفضي الى التفاوض والاتفاق. اذا نظرنا فيما نشر هذه الايام ، فانني افترض أن التقرير كان صحيحا في أساسه: أجرى رئيس الحكومة قبل نحو شهرين مهاتفة سرية مع الرئيس بوش وحصل على موافقته على بدء التفاوض مع السوريين ، في أعقاب هذه المحادثة ، نقل رئيس الحكومة رسالة سرية الى الرئيس بشار الأسد بوساطة المانية وتركية ، اقترح فيها البدء بمفاوضات سرية حول اتفاق سلام بين الدولتين ، وقد بيّن انه يعلم جيدا ما الثمن الذي سيُطلب دفعه في اطار هذا الاتفاق ، وأنه مستعد لذلك ، لكنه يطلب قبل بدء التفاوض أن يعلم هل ستوافق سوريا مقابل ذلك على فصم علاقاتها بايران ووقف تأييد حزب الله والمنظمات "الارهابية" الفلسطينية ، والى الآن لم يحصل رئيس الحكومة على جواب من دمشق. في مقابل ذلك ، كما نعلم جميعا ، لم ينقطع الحديث في القدس وتل ابيب عن الاستعدادات العسكرية وعن الحرب المتوقعة بين اسرائيل وسوريا في الصيف القريب ، ولقد حظينا جميعا بالطبع بأن نقرأ ونسمع تقريرا تاما ومفصلا عن هذه الاجراءات السرية في الاعلام ، يجوز لنا أن نذكر أن هذه المعلومات لم يتم الحصول عليها من البيت الابيض ، وأنا أرتاب في أن يكون العارفون بالأمر قد نجحوا في فك شيفرة الهواتف السرية ، وأفترض أن المستشارة ميركل الالمانية ولا رئيس الحكومة التركية أردوغان هما من قدم المعلومات. هيأ رئيس الحكومة الراحل مناحيم بيغن ، لزيارة الرئيس السادات في القدس بواسطة اتصالات وزير الخارجية موشيه ديان ، ولم يعلم أحد بهذه الاتصالات (ومن ضمنهم كاتب هذه السطور الذي كان في تلك الايام رئيس "أمان") ، حتى اعلان السادات بحضوره. تغير شيء ما في اسرائيل في غضون السنين الثلاثين التي مرت منذ ذلك الحين ، والدرس الرئيس الذي يجب على الدبلوماسية الاسرائيلية أن تتعلمه ، هو أن نظامنا السياسي غير قادر على اتخاذ اجراءات سرية ، حيال هذا الواقع تستطيع اسرائيل أن تعتمد على ثلاث طرق عمل: 1 - اجراء محادثات تمهيدية بوساطة ممثلين اسرائيليين "خاصين" ، يفترض أن يوضح هؤلاء الممثلون سرا جميع المشكلات وأن يُهيئوا للتفاوض الرسمي ، ففي 1985 عينني رئيس الحكومة ، شمعون بيرس ، لرئاسة فريق ، بدأ محادثات مع ممثلي م.ت.ف ، وقد فعلت ذلك عالًما علما واضحا بأنه اذا تسربت هذه الاتصالات فستنكر حكومة اسرائيل وستزعم أنني فعلت ذلك كشخص خاص ، على نحو مشابه ، كان يمكن لرئيس الحكومة أن يستغل مبادرة واتصالات الدكتور ألون ليئال بجهات سورية ، أو أن يستغل شخصا آخر لهذا الهدف. 2 - اجراء مفاوضات ظاهرة على ارض محايدة ، مع استغلال وساطة وخدمات طرف ثالث ، لقد عرفنا محادثات كهذه وأجريناها مع الرئيس حافظ الأسد. 3 - المضي في طريق أنور السادات عندما أعلن نيته زيارة القدس ، القصد التوجه بمبادرة الى خطوة سياسية توجه الى دمشق ، خطوة لا يستطيع الأسد تجاهلها. ان الخطوات الدبلوماسية التي أخذ بها رئيس الحكومة الى الآن حُكم عليها بالفشل ، فلا يمكن المبادرة الى دبلوماسية سرية وتسريبها فورا الى الرفاق ، فالتسريب الذي مصدره القدس يثير الريبة فورا ، في أنه لم تكن توجد نية حقيقية لتقديم اجراء سياسي ، وفوق ذلك بازاء التوتر الأمني والريبة المتبادلة ، فلا نعجب اذا فسرت دمشق المبادرة الدبلوماسية كاجراء خادع ، يرمي الى التغطية على هجوم عسكري تخطط له اسرائيل ، ألا يفهم رئيس الحكومة هذا حقا؟.

مصادر
معاريف (الدولة العبرية)