ترجمة: إياد ونوس

إن الشرق الأوسط الآن مشتعل. وعلى مدى الأسابيع الماضية، تصاعدت الحرب بين الفلسطينيين وسقطت حكومتهم، وكان مقام الإمامين في العراق هدفا للتفجير مرة أخرى، في الوقت الذي لم تحقق فيه الاستراتيجية الأمريكية العسكرية الجديدة أي تقدم للقضاء على العنف فيه. أما لبنان، فقد دخل معركة مع فرع القاعدة في الشمال بينما اغتيل أحد السياسيين في بيروت. وعانت الانتخابات المصرية من الخروقات، كان من بينها إعاقة الشرطة للمصوتين، في تراجع واضح للجهود الديمقراطية في البلاد. ويرى المحللون في الشرق الأوسط والولايات المتحدة أن السياسة الأمريكية في المنطقة لم تحقق أي تقدم أفضل. ويؤكد رئيس مركز هنري ستيمسون ونائب الرئيس السابق لمجلس الاستخبارات الوطنية إلين لايبسون في مقابلة من دبي أن الوضع "يشبه الكابوس بالنسبة للحكومة الأمريكية". مضيفا "لا يستطيعون التقاط أنفاسهم ... ما يجعل من السنة الماضية بالنسبة لوزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس سنة مرعبة. ما هي احتمالات أن تتمكن من إعادة أي شيء إلى مساره الطبيعي؟". لكل من تلك الجبهات ديناميكيتها الخاصة، لكن القاسم المشترك هو أن قادة تلك الدول، الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، ورئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة، والرئيس المصري حسني مبارك، هم حلفاء أساسيين للولايات المتحدة. يقول عضو معهد بروكينغز والعضو السابق في مجلس الأمن القومي بروس ريدل "إن الأشخاص الذين نعتمد عليهم أكثر لتقديم المساعدة هم تحت الحصار، مثلنا تماما"، وإن "ثلاثة أو أربعة من القادة قد لا يستطيعون المتابعة [سياسيا] حتى نهاية الصيف أو قد يجدون أنفسهم خارج الساحة في ذلك الوقت". ويشير أحد ناشطي السلام بول سالم من بيروت إلى أن الخطر الأكبر يأتي من انهيار الحكومات والصراعات التي أصبحت ميزة السياسات الشرق أوسطية منذ سبعينيات القرن الماضي. هناك عدد متزايد من الدول، مثل العراق ولبنان وفلسطين، حيث يوجد الآن قوى تحاول الوصول إلى السلطة مدعومة من قبل ميليشياتها الخاصة. بالإضافة لذلك، إن هذه المنطقة التي كانت في السابق منقسمة على أساس الصراع العربي الإسرائيلي، أصبحت الآن جبهة لثلاثة أشكال من القوى المتصارعة: الولايات المتحدة وحلفاؤها يحاولون الإيقاع بسورية وإيران بشكل يهدد بحرب إقليمية واسعة؛ والحكومات العلمانية في مواجهة التأثير المتزايد للقاعدة؛ وحكومات استبدادية تلجأ لتكتيكات وحشية للقضاء على الحركات الشعبية المطالبة بالديمقراطية. إن المتطرفين هم المستفيد الأكبر. ويعتبر ريتشارد هآس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية ورئيس قسم تخطيط السياسات في حكومة بوش الأولى، أن "غزة هي البرهان الأحدث على أن معظم الأحداث تسير بالاتجاه الخطأ. وهي مكسب آخر للقوى المتشددة. وهي مكسب آخر لإيران. وتراجع آخر للولايات المتحدة، وإسرائيل، والأنظمة المناهضة لإيران". "لم تظهر الولايات المتحدة أن الاعتدال يعطي أو يتوصل إلى إنجازات أفضل من العنف". أما الخطر الثاني فيأتي من تراكب الصراعات. يقول رامي خوري من الجامعة الأمريكية في بيروت إنه "لم يعد بالإمكان النظر إلى لبنان أو العراق أو الفلطسينيين أو سورية أو إيران ومحاولة التعامل مع كل منها بشكل منفرد. كان ذلك بالإمكان قبل عشر سنوات، أما الآن فهم مترابطون سياسيا وبنيويا". ويرى خوري أن الولايات المتحدة تتحمل القسم الأكبر من المسؤولية في تزايد الكوارث وتوليد اليأس والخطر على امتداد المنطقة. في حالة الانهيار الفلسطيني، يضيف خوري، "من الصعب تحديد ما هو الأكثر سخرية ... قيادتي فتح وحماس اللتين تسمحان لمسلحيهما بالاقتتال في شوارع غزة والضفة الغربية، أم الحكومة الأمريكية التي تدعم "المعتدلين" الفلسطينيين الذين يريدون التفاوض مع إسرائيل حول السلام". يقول المسؤولون الأمريكيون إن الفلسطينيين قد أظهروا شعورا بالهوية الوطنية ومن غير المحتمل أن يقبلوا بالفصل بين الضفة الغربية وغزة. ولأن الضفة الغربية هي مركز الصراع مع إسرائيل، فإن عملية السلام تبقى ممكنة". في العراق، يرى لايبسون أن الهجوم الثاني على مسجد سامراء وفشل الخطة الأمنية في بغداد بالتقليل من عدد القتلى يظهر أن تأثير الولايات المتحدة وقوتها آخذين بالزوال". ويضيف هآس أن "أكثر ما يمكننا أن نأمله هو أن تتمكن الحكومة، مع حلول الخريف، من إقناع الكونغرس بدعم تواجد أمريكي أقل وأن تتجنب الانسحاب". "إذا تمكنا من ذلك، فإنه يعطي العراقيين الوقت على الأقل لمحاولة اكتشاف هويتهم الوطنية السياسية والتقليل من تحول العراق إلى مجرد كارثة أخرى للسياسية الأمريكية الخارجية". في لبنان، تواجه الحكومة المحاصرة تهديدا ثلاثيا. دخل الجيش الأسبوع الخامس من القتال مع بضعة مئات من عناصر "فتح الإسلام" المتطرفة، المتمركزون في مخيم اللاجئين الفلسطينيين على الرغم من الإمدادات الأمريكية بالسلاح والذخائر. أما التفجير الذي أودى بحياة وليد عيدو المعارض فقد عمق المخاوف التي تزعم بأن سورية تسعى لاستعادة سيطرتها على لبنان بعد انسحابها منه عام 2005. هذا ولا تزال المعارضة بقيادة حزب الله تعطل حكومة السنيورة سياسيا وميدانيا. بالنسبة لريدل، "ما تتشابه به الصراعات الثلاثة هو الرغبة بالتخلص من حكومة السنيورة. وبينما ليس هناك تنسيق بين التهديدات الثلاث، إلا أنها ستؤدي إلى إنهاك الحكومة". وفي مصر، يعكس اعتقال مئات النشطاء، من بينهم مرشحون للمجلس الأعلى للبرلمان، تراجع الجهود الديمقراطية. ويرى سالم أن "الأنظمة العربية تعيد تجميع نفسها الآن إذ تبدو المحاولة الأمريكية للدفع باتجاه الديمقراطية قد وصلت إلى نهايتها". لكن حتى المسؤولين السابقين في حكومة بوش يلقون باللوم على واشنطن بخصوص الاضطرابات الأخيرة في المنطقة. ويقول هآس إن "الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية تجاه ما حدث، بشكل خاص في العراق، وتجاه ما لم يحدث، أي السلام". ويضيف أن "الرئيس لم يطور فكرته عن الدولة الفلسطينية. ولم يستخدم نفوذه لمساعدة مصر في اتخاذ مسار أكثر انفتاحا". ويعتقد روبرت مالي من مجموعة الأزمات الدولية بأن الولايات المتحدة تجد نفسها فاعلة في مشكلات الشرق الأوسط أكثر من أي وقت مضى، لكن بقدرة أقل على التأثير في الأحداث. "ويتم التلاعب الآن بالولايات المتحدة في أماكن كانت تظن في السابق بأنها هي من تتلاعب بها".