لعل مشكلة الكثير من اللبنانيين، المتميزين بالفعل في الكثير الجوانب، تكمن - ربما بسبب هذا التميز بالذات - في إغفال أولوية العامل الإقليمي على العامل المحلي في تحديد معالم المشهد السياسي اللبناني. فالتفجير الثاني لمرقد الإمامين علي الهادي وحسن العسكري في سامراء في العراق تزامن بالضبط مع التفجير الذي اغتيل فيه النائب عن تيار كتلة الحريري في البرلمان اللبناني وليد عيدو. وإذا اعتبرنا تزامن التوقيت مجرد صدفة، فمن المستحيل أن نعتبر تأجيج التحريض الطائفي الناتج عن هذين التفجيرين صدفة أيضاً. ففي الحالتين، تحركت القوى المحلية المرتبطة بحكومة الولايات المتحدة لتصعيد النقمة الطائفية، مرة بذريعة الدفاع عن الشيعة بالتعاون مع إيران، ومرة بذريعة الدفاع عن السنة في مواجهة إيران، بعدما تصدى أمين الجميل لمهمة "الدفاع عن المسيحيين" في وجه الإمارات الإسلامية القادمة إلى لبنان حسب زعمه. ويصعب أن لا يرى المراقب انسجام الأدوار الطائفية في الإقليم ووحدتها ضمن سيمفونية "الفوضى الخلاقة"، بالرغم من تعارضها الظاهري، ومن الغريب أن "النظام السوري" لم يتهم أيضاً بتفجير مرقد الإمامين في سامراء! على العكس من ذلك، ظلت وسائل الإعلام، في الأسابيع التالية لإصدار مجلس الأمن قرار تشكيل المحكمة الدولية في لبنان لمحاكمة قتلة الحريري بموجب الفصل السابع، تسرب سيلاً من الأخبار عن اتصالات سرية تجريها "إسرائيل" مع القيادة السورية، وكيف ترغب الولايات المتحدة برفع الحظر عن الاتصال بسوريا، سوى أن عليها أن تتعاون وتتجاوب مع أجندة الطرف الأمريكي-الصهيوني لبنانياً وفلسطينياً وعراقياً! والغريب بالطبع في تفجير مرقد الإمامين في سامراء أنه يتم للمرة الثانية، وأن المرقد كان محروساً بطوقين أمنيين عراقي وأمريكي، فلا يعقل أن يتم تفجيرٌ بهذا الحجم، ولهدف بمثل هذه الحساسية، بدون تواطؤ مباشر من القيادة العسكرية الأمريكية ومن حكومة المالكي ومن يقف خلفها في الإقليم. أما ردة فعل جيش المهدي والفتاوى الطائفية اللاحقة لتفجيرات سامراء الثانية فتدل بوضوح أن إيران ضالعة بشكل فعال مع الولايات المتحدة في مشروع التفكيك، لا في العراق فحسب، بل في عموم الإقليم. فالعراق لا يقع في فراغ، والتصدع الطائفي إن تمأسس في العراق لا يتوقف عند حدوده. بالمقابل، فإن التفجير الذي أودى بحياة النائب وليد عيدو ونجله وثمانية مواطنين لبنانيين في منطقة المنارة في بيروت جاء كتتمة لاغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وليعزف على نفس الوتر طائفياً باتجاه الدفاع عن السنة، وإقليمياً باتجاه توجيه الأصابع نحو "النظام السوري"، ولكنه جاء قبل ذلك ليبرر القرار 1757 بأثر رجعي، أي ليبرر إنشاء المحكمة الدولية في لبنان التي تستهدف رأس القيادة السورية والمقاومة اللبنانية أساساً. والواضح من المآل التي تسير إليه الأمور أن الأمريكيين يرون في تماسك النظام السوري العقدة المركزية أمام تفكيك الإقليم بالكامل، وأنهم يسعون بشكل حثيث لوضع الأسس لتفكيك سوريا قبل الانسحاب من العراق، لأن الانسحاب الأمريكي من العراق قبل إغراق سوريا في سعير "الفوضى الخلاقة" سوف يترك سوريا في موقف أقوى في لبنان، وسيؤدي إلى تمدد نفوذها في الإقليم. ولهذا، لا بد من تصعيد الصراع السني-الشيعي من الغرب ومن الشرق في الوقت الذي تستخدم فيه آلية المحكمة الدولية لتوجيه ضربة مباشرة لرأس النظام، ولابتزازه حتى يقدم التنازلات المطلوبة في الإقليم عامةً ولبنان خاصة، وهي بالضبط التنازلات التي تتيح تطويق سوريا إقليمياً تمهيداً لتفكيكها من الداخل. ولننتبه أن الطرف الأمريكي-الصهيوني وحلفاءه العرب ليسوا الطرف الوحيد المعني بتحجيم سوريا بهذه الطريقة، ربما ليقدم نفسه منقذاً لها ويفرض عليها حلفاً غير متكافئ. سوريا مستهدفة إذن، والتآمر عليها على أشده الآن، وبغض النظر عن أية ملاحظات أو انتقادات يمكن أن يوجهها الحريصون على سوريا للسياسة السورية، فإن الأكيد هو أن تماسك سوريا ونظامها يعبر في هذه اللحظة عن مصلحة عامة لكل الأمة. وبالمقابل، فإن المخرج الوحيد لسوريا من دائرة النار يتمثل بمراكمة عناصر القوة، بترسيخ النهج القومي داخلياً وخارجياً، بتهيئة الشعب العربي السوري للمواجهة الماثلة في الأفق، وبدعم المقاومة العربية حيثما وجدت وبالذات في المحيط الحيوي لسوريا، خاصة المقاومة العراقية التي يشكل انتصارها الناجز على قوى الهيمنة الخارجية الضمانة الحقيقية للحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها، وفي النهاية لعروبة لبنان. فالطرف الأمريكي-الصهيوني تأبط شراً، هذا لم يعد من الممكن إخفاؤه، ومن المستحيل أن تخرج سوريا من دائرة الاستهداف بالتفاهم معه، بل لا يمكن أن تخرج من دائرة الاستهداف إلا بعدم الرضوخ لشروطه.