اولمرت في واشنطن... وفق المعتاد، اطلالات صحافية ثنائية مع بوش، ، وكلمات تكريمية، تصريحات، وتسريبات، وكلها تقول: أن لاشيئ تغير في واشنطن وتل أبيب... لاتغيّر بالمعنى الاستراتيجي، ولا فيما يطرأ على الحركة السياسية المتبعة المشتركة لدى الطرفين في المنطقة، ولا في توجهاتها الكونية الكامنة ورائها... لاتغيّر ما دام بوش والمحافظون الجدد في البيت الأبيض، وسيرث من بعدهم التركة الايدولوجية الثقيلة من يحل في المكتب البيضاوي، بحيث من الصعب عليه أن كان مختلفاً، او اراد مخالفة صيروات الامبراطوريات، أو تهدئة جموح القوة الأعظم المنفلت من عقاله، ان يبتعد كثيراً عن ذات الاستراتيجيات، أو ان ينفض يده من تلك السياسات.

ولا تغيّر في تل ابيب، حتى ولو بدأ نجم اولمرت السياسي في الافول، معجلةً به اخفاقاته في الحرب العدوانية الأخيرة على لبنان. أوقضت به احكام لجنة "فينوغراد"، ذات الصلة، التي جاءت في غير صالحه... مادام المجتمع الاسرائيلي بطبيعته الاستعمارية الاحلالية ينحو بالضرورة يمينا منذ عقود، وما دامت الاستراتيجية الصهيونية هي هي لم تتغير... ومنذ أن تم التخطيط لأغتصاب فلسطين قبل أكثر من قرن....

بوش لم يتغير، بغض النظر عن ما لحق بحربه الكونية على عدوه اللامرئي المسمى بـ"الإرهاب" من اخفاقات... بغض النظر عما يجري في افغانستان، حيث العودة المتصاعدة لحضور طالبان، وتعاظم اطلالات مقاتليها المتزايدة الفعالية التي تقض مضاجع الناتو هناك، وليس الامريكان والنظام الموالي لهم فحسب... وبغض النظر عما يجري في العراق، حيث تخلف عملية "رعد الشبح" الدموية شقيقتها "السهم الحارق"، لتنعيان معاً خطة "فرض الأمن" المجيشة لها الجيوش و المستمرة منذ اربعة شهور، حاصدة فشلاً اثر فشل، ينبىء به اشتداد ضربات المقاومة العراقية، وازدياد الخسائر البشرية والمادية بالنسبة للمحتلين هناك... لم يتغير بوش وأن تعثر مشروعه العراقي، ومعه الافغاني، وازداد رصيد الولايات المتحدة المتراكم من الكره لدى أمم العالم... واخيراً ازدياد معارضة الامريكان لسياساته، وقد ضاقوا ذرعاً باكلاف حروبه الاستباقية وهول مردودها على صورة بلادهم.

لنأخذ امثلة... قال بوش وهو يرحب بضيفه، في حفل اقيم على شرفه : " نحن في مواجهة عقائدية عظيمة "، بمعنى ان الاثنين يخوضان حرباً مشتركة وفي ذات الخندق وتحت سقف ذات الاستراتيجية، وضد عدو مشترك ايضاً... كيف هذا واين؟. تحدث بوش عن الصراع العقائدي الذي يراه دائراً اليوم بين من اسماهم "المعتدلين والمتطرفين" في الشرق الأوسط، مساوياً بين هذا الدائر وبين ما كان يدور إبان الحرب الباردة التي كانت سجالاً بين من وصفها بالديمقراطيات، أي الغرب، والنظم الشيوعية، أي الكتلة السوفيتية قبل انهيارها... معبراً، عن حيرته في فهم الاسباب التي " تدفع شبانا مسلمين عرباً لتفجير انفسهم" في اعدائهم... وعليه، دعى إلى " استراتيجية مشتركة لمكافحة هؤلاء المتطرفين في غزة وغيرهم".

وحيث يرى في حليفه اولمرت "زعيماً قوياً يلتزم أمن ونماء بلده وتقديم ظروف السلام"، قال بعد الاشادة المطنبة به: " سابلغ رئيس الوزراء مرة أخرى بأنني ملتزم بشدة بقضيته سواء كان ذلك في العراق أو في لبنان او الاراضي الفلسطينية، أو أي مكان آخر في الشرق الاوسط وفي العالم"!. اذن للضيف والمضيف قضية واحدة في فلسطين وبلاد العرب والعالم... لكن ماذا عن القضية الفلسطينية ؟!

يقول بوش بعد خمسة أعوام من اعلانه لرؤياه "النظرية"، المعروفة بحل الدولتين: " نحن نتشارك في رؤيا الدولتين اللتين تعيشان بعضهما إلى جانب بعض بسلام وآمن هذا مهم للمعتدلين ... للفلسطينين الذين اعتادوا الحاجة إلى شيئ يطمحون إليه"!. كان من الواضح، وعلى امتداد الاعوام الخمسة، ان بوش والإسرائيلين يتفقان على شعار الدولتين دونما الخوض في كنهه أو مفهومه، الامر الذي يذكرنا بالغموض المقصود بل المفروض على العالم، حول مفهوم لشعار اميركي آخر، عمم كونياً، مثل "الإرهاب"، لكن الطريف هو اختصار قضية شعب برمته في ان "الفلسطينين إعتادوا الحاجة إلى شيئ يطمحون إليه"... ويكمل بوش، وهنا بيت القصيد، "ولإسرائيل التي تخضع لضغط سكاني سيجعل من الصعب عليها أن تحافظ على طابعها اليهودي "... اذن ماالذي بقي ليختلف الضيف مع مضيفه عليه ؟! ... ولأن لا خلاف، فليس من المهم ماذا ردّ أولمرت على بوش... لكن المهم أن ننظر لما قالاه من زاوية اسرائيلية... ولنأخذ امثلة : تصف صحيفة "يدعوت احرونوت" اولمرت الذاهب إلى واشنطن بالتالي: "اولمرت مقرون سياسياً بآلة التنفس الصناعي، وهو غير قادر على التنفس بشكل مستقل تهدد (لجنة) فينوغراد، ولندشتراوس، وباراك ايضاً، بقطع الكهرباء عنها". وتحت عنوان "بين الرؤيا واحلام الصيف" تقول زميلتها "هآرتس"، معلقة على الاطلات الصحفية البوشية الاولمرتية وما قيل فيها: "الأمور التي قيلت في هذا الاسبوع أمام عدسات الكاميرا لم تكن الا تنكراً يخفي ضائقة صعبة، اية معتدلين، واية دولة، واية رؤيا ديموقراطية، كل هذا مسرحية وتمثيلية: بوش يواصل وصف عباس بأنه (رئيس كل الفلسطينين). واولمرت يثير ضحك الصحفيين الذين يصيبهم الملل عندما يصرح دون أن يرف له جفن بان (خريطة الطريق لم تمت)، وعباس ايضاً يدفع دينه لثلة الممثلين المتكلفين عندما يقول بأنه (لن يتنازل) عن غزة". ثم تضيف : " يتوجب الاصغاء لبوش باهتمام كبير: رؤياه الحقيقية ليست إقامة دولة فلسطينية وإنما إقامة الدولة الفلسطينية الصحيحة. كما ان فهمه لأطراف الخلاف ونتائج الخلاف لم تتغير: ليس الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو الذي يغذي المتطرفين، وإنما المتطرفون هم الذين يشعلون الصراع. وهم لن يكفوا عن ذلك إلى أن تتم هزيمتهم في -العراق، لبنان، فلسطين، فأيران، فسوريا... وتكمل ساخرةً : "بوش توقف على ما يبدو منذ زمن عن التفكير المرهق حول وضعه في نظر الرأي العام. وهو يفكر لمدى جيل او اثنين، ويتصور المنطقة بعد خمسين عاماً"!

...وتعود "يدعوت احرونوت"، لكن هذه المرة لتفكر بدلاً من بوش واولمرت في وضعهما... وضعهما، هذا الذي لا يفكران به، وفق ما قالته هآرتس، قالت "يديعوت احرونوت": " إذا سار ثملان معاً فلا يعني ذلك انهما يسيران في خط مستقيم. رئيس الولايات المتحدة ورئيس حكومة اسرائيل اللذان التقيا في واشنطن...يسيران معاً وعلى نفس الخط السياسي الأمني، ولكنهما يسيران ويتأرجحان مثل السكارى... نحن أمام شخصيتين سيقوم خصومهما السياسيون بالتنكيل بهما إلى ان يقوما بحزم حقائبهما"! ... واخيراً احزما حقائبهما، وهم سيحزمانها قطعاً، ام لم يفعلا... اغادر المحافظون الجدد البيت البيض، أو خلف اولمرت نتنياهو أو حتى باراك... مالذي سيتغير في اطار خطوط عريضة ثابتة لعلاقة استراتيجية بل عضوية، بين الولايات المتحدة واسرائيلها... علاقة سبقت قدومها إلى السلطة وستعقبه ؟؟!. بقي أن نقول، أن اولمرت بحث المسألة الدائمة على جدول اعمال أي لقاء اميركي اسرائيلي... المسألة التي ما من خلاف كان يوماً عليها... المساعدات الاميريكية لإسرائيل!.