يبدو أن «الحرب الباردة» لا تستلزم دائماً وجود قوة اشتراكية عالمية من جهة وقوة رأسمالية إمبريالية عالمية من جهة أخرى أو وجود كتلتين تحملان هاتين الصفتين فمع انهيار الاتحاد السوفييتي وكتلة الدول الاشتراكية حاولت الإدارات الأميركية تثبيت الزعم بأن العالم لم يعد ولن يعود يشهد حرباً باردة أخرى تقسمه سياسياً إلى معسكرين متنافسين متناقضين..

لكن المتتبعين للتطورات التي تشهدها العلاقات الدولية منذ تولي بوتين رئاسة روسيا الاتحادية يلاحظون جيداً أن العالم بدأ يشهد منذ بداية هذا القرن حرباً باردة ليست جديدة بقدر ما هي امتداد للحرب الباردة السابقة بصيغ أخرى وعلى ساحة دولية مختلفة نسبياً. فروسيا تميزت بسياسة خاصة ليس تجاه دول أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا فحسب بل تجاه الشرق الأوسط وقضاياه المباشرة والحساسة واستحقاقاتها المختلفة بشكل خاص. فعلى الصعيد الفلسطيني تبين أن روسيا خالفت سياسة معظم الدول الأوروبية وكذلك الولايات المتحدة حين استقبلت في الكرملين قادة حماس بعد فوز الحركة بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني في كانون الثاني 2006 حين عقد لافروف وزير الخارجية الروسية حواراً موسعاً مع قادة حماس ودعا إلى إعطائهم فرصة تشكيل الحكومة واحترام قرارات الشعب الفلسطيني. وكان لافروف قد زار إسرائيل قبل أيام قليلة في أعقاب التطورات الأخيرة في قطاع غزة والانقسام بين السلطة الفلسطينية وحكومة إسماعيل هنية المقالة للتأكيد على وجود موقف مغاير لواشنطن والاتحاد الأوروبي تجاه حركة حماس وحكومتها السابقة. وظهر أن إسرائيل لم تكن معجبة بموقف لافروف الذي حمله لأولمرت كما لم تكن راضية عن السياسة الروسية المميزة التي حددها لافروف تجاه التطورات الأخيرة والحلول المطروحة لها. وبهذا الصدد يكشف رون بن يشاي أحد أهم المحللين العسكريين في صحيفة يديعوت أحرونوت أمس أن زيارة لافروف كان هدفها هو التأكيد على الوجود الروسي في منطقة الشرق الأوسط بعد أحداث قطاع غزة وعلى السعي إلى استعادة موقعها العالمي المنافس للولايات المتحدة على صعيد المنطقة والقضية الفلسطينية». وذكرت الصحيفة الإسرائيلية أن لافروف طلب من قادة إسرائيل معرفة طبيعة التصرف الإسرائيلي تجاه أحداث القطاع ومستقبل التطورات المتلاحقة بعد الانقسام الفلسطيني ومعرفة النيات الإسرائيلية في الوقت نفسه. ويعترف بن يشاي بموجب معلومات حصل عليها من بعض أصحاب القرار الإسرائيلي أن رئيس الحكومة أولمرت كان يدرك أن روسيا لا تنوي مساعدة إسرائيل واستغلالها لتلك التطورات لأن سجل موسكو تجاه الملف النووي الإيراني وعرقلتها للعقوبات الأميركية والأوروبية يثبت أنها لن تقدم أي عون لإسرائيل في هذا الموضوع فكيف في الموضوع الفلسطيني. لكن هذه السياسة الروسية لا تدفع إسرائيل بموجب ما يقول بن يشاي إلى «إغضاب روسيا واستفزازها». ولذلك أصغت إسرائيل إلى موقف لافروف حين اجتمع بأولمرت رئيس الحكومة ومع وزيرة الخارجية تسيبي ليفني بل قدم له أولمرت بعض المعلومات عما جرى من وراء الكواليس في قمة شرم الشيخ. وتكشف الصحيفة الإسرائيلية أن أولمرت أبلغ لافروف أن إسرائيل لن تمانع بأن تقدم موسكو عدداً من الآليات العسكرية المدرعة لقوات عباس وهو ما ترفضه روسيا بشكل قاطع. ويقول بن يشاي: إن القيادة الإسرائيلية فضلت التركيز في اجتماعها مع لافروف على الموضوع الإيراني وتعديل الموقف الروسي تجاه إيران لكن دون جدوى وأشار إلى أن لافروف أراد كسب تعاطف الجمهور الإسرائيلي حيث وافق على الالتقاء بعائلات الجنود الأسرى لكنه لم يرضِ إسرائيل حين تطرق بشكل مبهم لموضوع حصول سورية على طائرات ميغ 31. وتزداد يوماً تلو الآخر مظاهر القلق الإسرائيلية من امتداد النفوذ الروسي في المنطقة واستغلال موسكو لأهم موضوعين يشغلان أولوية جدول العمل الإسرائيلي والدولي وهما إيران النووية، والقضية الفلسطينية ناهيك عن الجبهة العالمية التي تحاول موسكو إعدادها لمنافسة الولايات المتحدة وسياستها الدولية. وفي هذا الإطار تحتل زيارة شافيز الرئيس الفنزويلي إلى موسكو وقمته مع بوتين أهمية في ازدياد النفوذ الروسي في تلك القارة بشكل زاد عن نفوذها في عهد الاتحاد السوفييتي.. فروسيا لا تجد الآن في أميركا اللاتينية كوبا وحدها حليفة لها بل هناك فنزويلا وأوروغواي وهناك دول صديقة مثل الأرجنتين والبرازيل ودول صغيرة أخرى لا تتفق مع السياسة الأميركية. ولا تقل قيمة التحالف الروسي- الصيني في قارة آسيا ومحافظة روسيا على علاقة تنافس العلاقة الأميركية في الهند وغيرها من دول جنوب شرق آسيا وكوريا الشمالية. وفي الساحة الأوروبية لا تزال موسكو تتخذ موقفاً متحدياً لنشر الصواريخ المضادة للصواريخ في بعض الدول الأوروبية المجاورة وهذا ما يؤكد وجود حرب باردة تمتد ساحة التحديات الروسية، والأميركية فيها من أوروبا إلى أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط. ولذلك تحاول القيادة الإسرائيلية الإسراع الآن في إنهاء بعض الملفات المتعلقة بالقضية الفلسطينية لأن الزمن قد لا يعمل لمصلحة إسرائيل إذا ما ترسخت عوامل الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن وفرضت نفسها على شكل استحقاقات إسرائيلية في المستقبل القريب أو البعيد. كما تخشى إسرائيل وواشنطن في الوقت نفسه من انحسار مظاهر الحرب الأميركية المعلنة على الإرهاب والتيارات الإسلامية المتشددة فتستغل موسكو قبل مغادرة بوتين الكرملين في عام 2008 هذا الوضع لبسط نفوذها في عدد من الدول الإسلامية والعربية التي فرضت عليها واشنطن بحربها المعلنة منذ أحداث 11 أيلول 2001. وهذا ما جعل التقديرات الإسرائيلية تشير إلى إمكانية زيادة الاهتمام الروسي بحركة حماس وبالمعارضة الفلسطينية لسلطة محمود عباس في الأشهر المقبلة لكي لا تستفرد واشنطن وتل أبيب بمستقبل القضية الفلسطينية والصراع العربي- الإسرائيلي.