الوسط عند تفكيك مفردات الفكر الليبرالي المادّي يمكن لنا أن نميّز أربع محاور تُشكل مركبّات أيديولوجيا العصر:

أولاً: التكنولوجيا والتقنية:

لا شك في أنّ التقنية واقع، وتكمن خطورته في أَنَّه حَاز قوَّة القانون فالأيديولوجية التقنويَّة تُمركِز فِكر النَّاس حول الكيفية فيبقى فكر الانسان متجهًا نحو: كيف؟ وذلك من أجل إخفاء السؤال الحقيقي المرعب: لمَاذا؟

فتكون «الأسباب التقنية» هي المستدعاة غالبا لحجب المشكلات الاجتماعية أو الاختيارات السياسية القابلة لأن تكون موضوع أخذ ورد، فمنطق الأنظمة الشمولية ومن بينها النظام الاقتصادي يحظر أن تُوضَع انحرافاته موضع نقاش. وعندما يتمُّ تجريم الاختلال الوظيفي، فذلك من أجلِ الدَّعوة إلى مزيد من التقنية من شأنه أن يسمح بالتحكم فيه.

ثانياً: أطروحة التقدُّم:

إنَّ واقعَ التقدم المطروح اليوم، هو تَقدُّم أحاديّ البُعد يؤدي الى خلل بالغ،لأنّه لا يأخذُ في الاعتبار حاجات الكائن الإنساني الأُخرى، فهو لا يقيس إلا التقدم المادي الكمِّي البحت مع ما يرتبط به في المؤشر الاقتصادي، الأمر الذي أَوقع الشُّعوب النامية في الهوس، لأنَّ عمليَّة تقهقرالإنتاج الاقتصادي مسألة غيرقابلة للتصوُّر في عالمنا الحالي، لذلك يتمّ تكريس مفهوم التخلُّف لتبقى الشعوب في أتونٍ محمومٍ مع نزعة التطوُّر، فعبادة السرعة تولِّد من دون حدود نفاد صبر نزعة الملاحقة.

ثالثاً: وسائل الاتصال والإعلام:

وهي تُشكِّل أحد أهمّ المركبَّات الايديولوجيَّة لهذا العصر، بل أضحت عقيدةً لها سُلطة تفوق العقائد وكلمة سحرية تفتح بها مغارة علي بابا، لأنها أداة سَبرِ السوق المالية ووسيلة ترويج تسويق السِّلع، وهي محور مهمّ في حياة «الكائن الاقتصادي» لأنَّ النجاح والفلاح وانتاجيّة الكائن مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بها، وأنَّ على الكائن أن يرتبط بالعالم طيلة ليله ونهاره، وأن يكون منخرطًا في كلِّ مكان وزمان، ويكون الوصول إليه سهلاً ومتاحًا للجميع في أي وقت، وإلا اعتُبر متخلفًّا لا يَستحِق الحياة العصريّة.

ووسائل الإعلام تختار بوساطة شبكة أيديولوجية مشيدة سَلفًا لتخدم «الكائن الاقتصادي المُختزل» والوقائع التي تَشكَّل منها العصر، وذلك كي تطلب من المواطنين فيما بعد الانخراط فيه، وتُشعرهم بأنهم مساهمون فيه، من دون أن يَسعوا هم أنفسهم إلى اختياره. وعليه، فالإنسان الذي يريد أن يكون ابن عصره يجب عليه أن يتبنَّى «قيم» أولئك الذين يحددون العصر وقِيَمه، لذلك نجد تماثلا حادًّا بين ثالوث الاعلان والاتصال والسوق، وأضحى الفيديو كليب طقسًا دينيًّا يتقرَّب به الكائن الى إلهه، ويمارس من خلاله فرض الحداثة من خلال شعيرة التقنية.

رابعاً: أكذوبة المعاصرة:

أصبح مفهوم العصرنة إلهًا فوق رؤوس العباد، وغدت الحداثة شعار ديانة العصر. الحقيقة أنَّ العصر هو شيء واقع، ولكنه أيضًا أسطورة وأكذوبة، فـ «ملاءمة العصر» معزوفة «ألوهية» يومية تستدعى إخضاع الفرد لتعاليم «الحداثة». فيصبح الكائن الانساني المستهلك لكل شيء يسأل نفسه ليل نهار: كيف لي أن أغدو عصريًّا؟ وكم أنا متطوِّر يا ترى؟

غير أنَّ السؤال الجوهري يكمن في تحديد معنى «العصر»! لأن عصرًا معينًّا أو حقبةً معينةً ترتبط بالصورة التي تُفَبْرَكُ شخصيَّاتها في معظم الأحيان، فالعصر هو بناء تَصوّري سينوغرافي يتمُّ من خلاله تسليط الضوء على حدثٍ أو شخصٍ أو رمزٍ ربما يكون تافهًا، ويتمُّ تهويله ونفخه ليصبح محورًا لا تُشكِّل فيه المجموعة البشرية الباقية سوى الكومبارس.

إن أشكال التهليل لضروب المواءمة والملاءمة مع روح العصر تجعلنا نسأل أنفسنا: ما هي وقائع عصرٍ ما؟ ومن يُحدِّدُها من بين مليارات الوقائع والحوادث التي تحصل في كل ثانية، أهم الساسة، أم النخب، أم من؟ فوسائل الإعلان والاعلام التي تحدد لنا الوقائع تلك تُطرح علينا كظاهرة اجتماعية في حين أنها غدت أفيون الشعوب.

مجتمع الاستهلاك

لعل الشعوب العربية من أكثر شعوب الارض استهلاكا، والتركيز المستمر على «المجتمع المستهلك» يجعلنا نعيد النظر في مفهوم الاستهلاك المتمثل في الأيديولوجيا المتمثلة في النزعة الرأسمالية التي تنتج على المستوى الدولي البطالة للدول «النامية» والاستغلال الفاحش للمسيطر، كل ذلك يحدث يوميًّا على مرأى ومسمع الأنظمة وتُفرض علينا باسم ولي الأمر الصالح وهو سوق الاقتصاد العالمي.

إنّ نقد الليبرالية هذا لا يريد أن ينحى بحال من الأحوال الى نقض الحريّات غير أنَّ نقدي هذا منصبٌّ على الليبرالية «الماديّة» الجشعة التي تركز على بُعد واحد من الإنسان هو البُعد الماديّ وتختزل الإنسان بالكائن «الاقتصادي»، والتي تستعبد الفرد؛ فقد استفحل الخلط الأيديولوجي بكل ألوانه بفعل أشكال اللاتماسك الملحوظة فيما بين الخطابات المفروضة علينا وتجربة الأشياء التي غالبا ما تكذبها وتدحضها.

وربما ستكون هناك انعكاسات خطيرة على المستويات الاجتماعية والسياسية للشعوب ولاسيما شعوب الشرق الاوسط التي ستسعى بوعي أو بغير وعي الى تبنّي أيديولوجيات مناهضة مضادة للليبرالية والرأسمالية،تسعى إلى كسر الواقعية - المزعومة لخطابات الليبرالية الشمولية، وربما تكون الايديولوجيات المتبناة أكثر شمولية وانغلاقًا، الامر الذي ينذر بصراعات لا متناهية.

وتبقى النظرة الكونية المتكاملة للكائن الانساني هي المحررة له من سلطة الايديولوجيّات المعلبة لأنها تأخذ في الاعتبار الابعاد الاخرى في حياة الفرد ولاسيما الميتافيزيقية والروحية فهي طَرحٌ يُحول المفاهيم عن الماديّة المفرطة الى الحدس والابداع الروحي، من اختزال الانسان الى تكامله، من الاستغلال الى التكافل، من الصراع الى المشاركة، من الهيمنة إلى الانفتاح، من التعصّب الى المحبة وانفتاح القلب والوعي، من مستوى الواقع الماديّ الى مستويات الوجود اللامتناهية... وللحديث صلة.